Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العمال في إيران... أجور تتآكل وعلاج بعيد المنال

يواجهون أزمة في صرف الرواتب الشهرية مع ارتفاع كلفة المعيشة وعدم وجود بدائل متاحة أمامهم

تشير تقارير عديدة من محافظات إيرانية مختلفة إلى أن شريحة من العمال لا تتقاضى حتى هذه الأجور المتدنية في مواعيدها (أ ف ب)

ملخص

يتجاوز تدهور أوضاع العمال في إيران حدود انخفاض الأجور، ليطاول الحق في العلاج، والأمن الوظيفي، والقدرة على تأمين أبسط متطلبات الحياة، ومع استمرار انهيار قيمة الريال وتصاعد الضغوط الاقتصادية، تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، في واحدة من أشد الأزمات الاجتماعية التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

أدى الانهيار المتواصل في قيمة الريال الإيراني والارتفاع الجامح في تكاليف المعيشة إلى دخول الأزمة المعيشية في إيران مرحلة جديدة، ففي يوم الثلاثاء 25 أغسطس (آب) الجاري، سجل الدولار الأميركي في سوق طهران مستوى قياسياً غير مسبوق بلغ 205 آلاف و800 تومان، وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير وردت إلى "اندبندنت فارسية" بأن الأوراق النقدية الأميركية أصبحت شحيحة في الأسواق، وأن بعض الصرافين امتنعوا عن بيع الدولار حتى بسعر 210 آلاف تومان، ترقباً لمزيد من الارتفاع في الأيام المقبلة.

وجاء هذا الارتفاع بعد يوم واحد فقط من بدء الإدارة الأميركية، برئاسة دونالد ترمب، تنفيذ حملتها الرامية إلى تشديد العزلة الاقتصادية على النظام الإيراني، وهو ما زاد، إلى جانب تداعيات الحرب وسياسات طهران النووية والصاروخية والإقليمية، من المخاوف بشأن استمرار تراجع قيمة الريال وموجة جديدة من الغلاء.

ويبرز تدهور الأوضاع المعيشية بوضوح في القيمة الفعلية لأجور العمال، فقد أكدت وكالة "إيلنا" وهى وكالة أنباء العمال الإيرانية، أن الحد الأدنى للأجور لعام 2026 يبلغ 16 مليوناً و625 ألف تومان، أي ما يعادل نحو 81 دولاراً فقط، وحتى العامل المتزوج الذي يعيل طفلاً واحداً، والذي يتقاضى مع مختلف البدلات نحو 24 مليوناً و900 ألف تومان، لا يتجاوز دخله الفعلي 121 دولاراً شهرياً.

وتكشف المقارنة مع ما قبل عقد من الزمن حجم هذا التراجع، ففي عام 2016، عندما كان سعر صرف الدولار يدور حول 3500 تومان، كان الحد الأدنى للأجور، البالغ آنذاك 812 ألف تومان، يعادل نحو 232 دولاراً، وفي سبتمبر (أيلول) 2021 انخفضت قيمته إلى نحو 99 دولاراً، قبل أن تتراجع اليوم إلى نحو 81 دولارا، ما يعني أن قيمة الدولار للحد الأدنى للأجور تقلصت خلال عقد واحد إلى ما يقارب الثلث.

وقال الناشط النقابي لشؤون المتقاعدين، يد الله فرجي، إن كثيراً من الأسر العمالية انتقلت خلال هذه الفترة من طبقة شبه متوسطة إلى طبقة الفقراء، ثم إلى الفقر المدقع، وأضاف أن موائد العمال تعكس هذا الانحدار، مشيراً إلى أن أسرته، التي كانت تشتري قبل 10 سنوات عدة كيلوغرامات من اللحوم الحمراء شهرياً، لم تعد قادرة على شراء اللحوم منذ أشهر.

العمال بين الفقر والعوز

غير أن الأزمة لم تعد تقتصر على الاستغناء عن اللحوم والفواكه أو تقليص الإنفاق الأسري، بل امتدت إلى الرعاية الصحية، فقد كشف تقرير ميداني حديث من أحد مراكز العلاج التابعة لمنظمة الضمان الاجتماعي في طهران أن ارتفاع تكاليف علاج الأسنان أجبر عدداً من العمال على خلع أسنانهم القابلة للعلاج بدلاً من معالجتها.

وفي إحدى الحالات، قصد عامل فني يعيل طفلين أحد المراكز الطبية للعلاج، ليكتشف أن خدمات علاج العصب التي يحتاجها غير متوافرة في مراكز الضمان الاجتماعي، وعندما راجع العيادات الخاصة، وجد أن أقل تكلفة لعلاج العصب تبلغ 12 مليون تومان (نحو 58 دولاراً)، بينما تبلغ كلفة تركيب التاج 10 ملايين تومان (نحو 49 دولاراً)، أي ما يعادل نحو 70 في المئة من راتبه الشهري، وأمام هذا الواقع، لم يجد خياراً سوى خلع السن، على رغم إمكانية إنقاذه.

وقالت سيدة مسنة لوكالة "إيلنا" إنها لا تملك ثمن تركيب طقم أسنان أو زراعة الأسنان، وإنها، على رغم إدراكها أن خلع أحد أضراسها المكسورة سيحرمها عملياً من المضغ في أحد جانبي الفم، لا ترى أمامها بديلاً آخر.

ويأتي ذلك في وقت يخضع أكثر من 9.5 مليون شخص من أصل نحو 14.5 مليون نسمة في محافظة طهران لتغطية منظمة الضمان الاجتماعي، بينما لا تمتلك المنظمة في عموم المحافظة سوى 35 مركزاً للعلاج المباشر، تضم 9 مستشفيات و26 مستوصفاً وعيادة تخصصية.

العمال لا يتقاضون أجورهم

في الوقت نفسه، تشير تقارير عديدة من محافظات إيرانية مختلفة إلى أن شريحة من العمال لا تتقاضى حتى هذه الأجور المتدنية في مواعيدها، فقد تأخرت رواتب 30 عاملاً من حراس خطوط السكك الحديدية على محور إيران شهر لنحو خمسة أشهر.

ويقول هؤلاء إنهم يعملون يومياً من الساعة الخامسة صباحاً حتى قبيل غروب الشمس، من دون أن توفر لهم وجبات غذائية، فيما يضطرون في كثير من الأحيان إلى الاستراحة تحت الجسور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي محافظة إيلام، لم يتقاض عمال المساحات الخضراء التابعون للبلدية رواتبهم منذ ثلاثة أشهر، مؤكدين أن كثيرين منهم مستأجرون ولم يعودوا قادرين على شراء الحاجات الغذائية الأساسية لأسرهم، كذلك يواجه نحو 740 من العاملين بعقود في جامعة إيران شهر للعلوم الطبية تأخيراً في صرف رواتبهم لمدة شهرين.

أما في شركة فولاذ شادكان (مدينة الفلاجية)، فقد سرح نحو 100 عامل من عمال المقاولات الذين شاركوا في إنشاء المجمع الصناعي عقب انتهاء المشروع، وقال أحدهم، الذي أمضى خمس سنوات في العمل، إنه عاطل من العمل منذ بداية العام، ولا يملك حتى سيارة برايد ليعمل عليها في نقل الركاب.

وامتدت الاحتجاجات المعيشية إلى شريحة المتقاعدين، فقد واصل متقاعدو شركة فولاذ أصفهان، للأسبوع الثاني على التوالي، احتجاجاتهم اعتراضاً على وقف التأمين الصحي، وعدم صرف مستحقات تسوية الرواتب، وتردي أوضاعهم المعيشية، وقال أحد المتقاعدين إنه "كلما تحدثنا عن مشكلاتنا، لا نجد من يصغي إلينا".

وفي السياق ذاته، حذر عضو البرلمان روح الله لك علي آبادي من أن المنشآت الصناعية الصغيرة، التي يعمل فيها ما بين 20 و30 عاملاً، باتت على شفا الإغلاق، وهو ما قد يفضي، إذا استمر، إلى موجة جديدة من التسريح والبطالة، تزيد من تعقيد الأزمة المعيشية.

ولم تسلم قطاعات النفط والغاز من هذه الاحتجاجات، فقد نظم العاملون الميدانيون في عسلوية وكنكان والمنصات البحرية، يوم الـ 24 من أغسطس (آب) الجاري، تجمعات احتجاجية، وقال أحدهم إن "العامل الذي يواصل الإنتاج في درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية لا ينبغي أن يعجز عن دفع إيجار منزله".

وتنعكس مؤشرات الأزمة أيضاً في أسواق أخرى، ففي يوم الإثنين الماضي، ارتفعت أسعار بعض السيارات المحلية بما يصل إلى 100 مليون تومان (نحو 667 دولاراً) خلال يوم واحد، ليصل سعر "شاهين بلاس" إلى 2.7 مليار تومان (نحو 18 ألف دولار)، و"تارا أوتوماتيك" إلى 2.85 مليار تومان (نحو 19 ألف دولار)، و"دنا بلاس أوتوماتيك" إلى 2.9 مليار تومان (نحو 19.3 ألف دولار)، وفي الوقت نفسه، تتحدث التقارير عن نقص في البنزين والديزل، وإغلاق عدد من محطات الوقود، واصطفاف طوابير طويلة أمام المحطات العاملة.

وقد بلغت حدة الأزمة مستوى دفع حتى المسؤولين الإيرانيين إلى إطلاق التحذيرات، فقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الأسبوع الماضي، إن "إيران، مهما امتلكت من قوة عسكرية، لن تصمد إذا كان شعبها جائعاً، وإذا غاب النمو الاقتصادي والإنتاج".

وأقر عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان فدا حسين مالكي، أمس الثلاثاء الموافق لـ25 أغسطس الجاري، بأن تداعيات الحرب الاقتصادية أشد خطورة وأطول أثراً من الهجمات العسكرية.

ويأتي تصاعد الضغوط الاقتصادية الأميركية على النظام الإيراني في وقت يعاني الاقتصاد الإيراني، حتى قبل ذلك، من أوضاع متدهورة، إذ لا يتجاوز الحد الأدنى لأجور العمال 81 دولاراً شهرياً، فيما يعجز كثيرون منهم عن تحمل تكاليف علاج سن واحدة، فضلاً عن أن بعضهم لا يتقاضى حتى هذه الرواتب المتواضعة لأشهر متتالية.

ومع استمرار تراجع قيمة الريال، مرشح أن تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة بصورة أكبر، في أزمة تعود جذورها إلى سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وتوجيه الموارد إلى البرامج النووية والعسكرية، ودعم الجماعات الحليفة، قبل أن تزيد الحرب وتصاعد الضغوط الخارجية من وتيرة تفاقمها.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير