Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاصيل مصر... هل تتكيف مناخيا؟

التقلبات المناخية أدت إلى تغير الخريطة الصنفية والخضراوات الأكثر تضرراً ومطالبات بتبكير مواعيد الزراعات وإنتاج أصناف جديدة والصوب الزجاجية أحد حلول الحماية

تغير درجات الحرارة نتج عنه ظهور بعض المحاصيل غير التقليدية في مصر (رويترز)

ملخص

يشرح نقيب الزراعيين، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن محاصيل الخضراوات والبلح والذرة الشامية الأكثر تضرراً من التقلبات المناخية. مُرجعاً ذلك إلى أن الأزهار تكون ضعيفة، ولم تصل إلى مرحلة النضج، فيحدث تساقط نتيجة ارتفاع درجات الحرارة. متوقعاً أن تتراجع إنتاجية محصولي "البلح والذرة الشامية" العام الحالي بنسبة 10 في المئة، أسوة بما حدث العام الماضي

لم يدر بخلد المزارع الخمسيني متولي عبدالعاطي (اسم مستعار)، أنه سيضطر يوماً لتغيير طقوسه وعاداته التي ورثها عن آبائه وأجداده، بتفقد فأسه وتجهيز ماشيته ومعاينة سماد أرضه، ليصبح شغله الشاغل حين يستيقظ كل صباح، هو مطالعة أخبار الطقس والأرصاد الجوية على شاشة هاتفه المحمول ونشرات الأخبار التلفزيونية، بعد أن باتت، وفق رؤيته، البوصلة التي تحدد مسار يومه بالكامل ومصير رزقه.

لم يعد الخمسيني، الذي يقطن إحدى قرى صعيد مصر، يعبأ بأزمات شح السماد أو تقلبات الأسعار، بقدر انشغاله بمعركته اليومية التي يخوضها مع خصم شرس "غير مرئي" يوجه إليه أحياناً ضربات موجعة، لا سيما بعد أن فوجئ بتناقص إنتاجية محصول أرضه العام الحالي مقارنة بالسنوات الماضية بفعل التقلبات المناخية، ليترسخ في ذهنه أنها لم يعد مجرد قضية فنية عابرة تناقش داخل أروقة المؤتمرات العلمية والمحافل الدولية أو المنشورات البحثية، لكن أصبح واقعاً ملموساً يؤثر في لقمة عيش تُنتزع من قوت أبنائه كل صباح.

تغير الخريطة الصنفية

واقع المعاناة التي يعيشها عبدالعاطي يؤكدها حديث رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة المصرية الدكتور محمد فهيم، إذ يرى أن التغير المناخي بات له تداعياته وتأثيراته المباشرة على المزارعين والمحاصيل الزراعية، إذ أصبح يؤثر في حجم إنتاجية المحاصيل الزراعية، ونسب انتشار الآفات والحشرات ومعدل الاستهلاك المائي. مؤكداً أن التقلبات المناخية تسببت في تغير الخريطة الصنفية لكثير من المحاصيل الزراعية خلال الفترات الماضية.

يستشهد فهيم ببعض الأمثلة التي تدعم رؤيته، قائلاً: "تغير درجات الحرارة نتج عنه ظهور بعض المحاصيل غير التقليدية، كالأناناس والكيوي"، كما أن محصول الذرة الصيفي، الذي من المفترض أن يتحمّل الضغوط المناخية، بات متأثراً وأحياناً بشدة بالتقلبات المناخية، ويبرز ذلك جلياً في ظهور بعض المشكلات في النمو أو بعض الأمراض المستجدة كـ"عفن الساق البكتيري"، إضافة إلى زيادة "الكيزان" الفارغة من الحبوب أو الصفوف غير المكتملة وغير المتناسقة، نتيجة فشل الإخصاب ومهاجمة دودة الحشد للمحصول.

 

المعضلة الأكبر في رأي رئيس مركز معلومات تغير المناخ، أن موجات الحر أصبحت أكثر تكراراً وأطول مدة وأشد تأثيراً، مما تسبب في زيادة الإجهاد الحراري الذي يؤدي بدوره إلى زيادة إفراز هرمون الإيثلين داخل النبات، مما يؤدي إلى ذبول الأوراق، وارتفاع استهلاك مياه الري بنحو 15 إلى 20 في المئة وزيادة احتمالات لسعات الشمس للثمار، إضافة إلى تسارع دورة حياة كثير من الآفات وتهيئة الظروف لبعض الأمراض الفطرية والبكتيرية مع استمرار الرطوبة، قائلاً: "كلما تجاوزت درجات الحرارة الحدود الحرجة، ارتفع معدل التنفس النباتي وتراجعت كفاءة التمثيل الضوئي، وزاد البخر، فتتراجع كفاءة التلقيح والإخصاب، وبخاصة في محاصيل الحبوب والخضر والفاكهة". منوهاً أن اختيار التوقيت المناسب للمعاملات الزراعية يُسهم في تحسين كفاءة استفادة النبات من المياه والعناصر الغذائية.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أطلقت وزارة الزراعة بمصر، حملة قومية بمحافظات الصعيد لحماية 60 ألف فدان من آفة حافرة الطماطم (توتا أبسليوتا)، المصنفة ضمن الآفات الحجرية العابرة للحدود، إذا كانت تعطى في السابق نحو 13 جيلاً سنوياً، بينما ارتفع العدد حالياً إلى ما بين 15 و16 جيلاً في العام، بسبب التغيرات المناخية ودرجات الحرارة، مما زاد من سرعة انتشارها وصعوبة السيطرة عليها، وفق ما صرّح به رئيس قطاع الخدمات الزراعية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي الدكتور أحمد رزق.

المحاصيل الأكثر تضرراً

المخاوف ذاتها عبّر عنها نقيب الزراعيين بمصر الدكتور سيد خليفة، إذ أكد أن الوعي المناخي لم يعد رفاهية في الوقت الراهن، بل أصبح أحد أهم عناصر نجاح المنظومة الزراعية وقضية محورية، وفي صدارة الأولويات. موضحاً أن المزارع الذي يدرك طبيعة استجابة النبات للإجهاد الحراري يكون أكثر قدرة على حماية محصوله وتقليل الخسائر المحتملة.

ويرى نقيب الزراعيين أن ما أقدم عليه المزارع الخمسيني عبدالعاطي، كان أمراً مُستحسناً في ظل التطور التكنولوجي والرقمي الذي تنتهجه حالياً المؤسسات المعنية بهذا الملف، مردفاً "كثير من المزارعين الجدد حالياً أصبحوا يعتمدون على تطبيقات الإرشاد الإلكتروني الرقمية لمطالعة مستجدات الأحوال الجوية خشية على محاصيلهم، لا سيما في ظل اندثار المرشد الزراعي بصورته التقليدية، على عكس المزارعين القدامى الذين يفتقرون لتلك الأدوات الرقمية الحديثة، بالتالي يعانون تأثر محاصيلهم من تلك التغيرات المناخية في أوقات عدة".

ويشرح نقيب الزراعيين، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن محاصيل الخضراوات والبلح والذرة الشامية الأكثر تضرراً من التقلبات المناخية. مُرجعاً ذلك إلى أن الأزهار تكون ضعيفة، ولم تصل إلى مرحلة النضج، فيحدث تساقط نتيجة ارتفاع درجات الحرارة. متوقعاً أن تتراجع إنتاجية محصولي "البلح والذرة الشامية" العام الحالي بنسبة 10 في المئة، أسوة بما حدث العام الماضي.

 

"قبل شهرين كانت هناك شكاوى عدة من وصول سعر كيلو الطماطم في السوق المحلية إلى ما يراوح بين 60 جنيهاً (1.18 دولار) و70 جنيهاً (1.37 دولار)، وكانت الأسباب الرئيسة وراء ذلك فواصل العروات (الفصول التي تزرع فيها الطماطم)، وكذلك التغير المناخي، الذي أدى إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل، فتراجع المعروض منه، فارتفعت أسعاره على المستهلكين"، يقول خليفة.

لا ينكر خليفة، أن المزارعين الصغار الذين يملكون مساحات صغيرة من الأراضي، هم الأكثر عُرضة لصدمات التقلبات المناخية، ويحتاجون إلى دعم كامل من كل الجهات المعنية بهذا الملف لمساندتهم على تجاوز تلك العقبات، على عكس المزارعين الكبار الذي يملكون مساحات شاسعة من الأفدنة وقادرين على تعويض أي تراجع في إنتاجية محاصيلهم.

رهان البقاء

ويبقى رهان نقيب الزراعيين لحماية المحاصيل الزراعية في اتخاذ إجراءات استباقية في مواعيد محاصيل الزراعات، مطالباً بتبكير مواعيد زراعة المحاصيل الصيفية قبل بدء الموجة الحارة في شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) من كل عام لتلاشي الفترة "الحرجة" من التقلبات المناخية، إضافة إلى استخدام ممارسات زراعية مناسبة، علاوة على تكثيف مراكز البحث العلمي جهودها لإنتاج أصناف جديدة من المحاصيل الزراعية تكون قادرة على مواجهة ضغوط المناخ، مثلما حدث في إنتاج أصناف جديدة من الأرز "سوبر 300"، الذي يملك القدرة على مواجهة الجفاف والتكيف مع الظروف المناخية الطارئة.

ويؤكد خليفة أن هناك محاصيل قادرة على التكيف مع درجات الحرارة العالية، مثل "القطن"، لأنه محصول استوائي ويزرع في المناطق الحارة مثل تنزانيا وأفريقيا، فلن يتأثر بالتقلبات المناخية الحالية، بينما هناك محاصيل أخرى لا تملك القدرة على ذلك.

أي تغير مناخي يتبعه مباشرة تغير في إنتاجية وجودة واقتصاديات المحصول الزراعي، وفق حديث أستاذ المناخ والبحوث البيئية بجامعة الزقازيق الدكتور علي قطب، موضحاً أن أي محصول زراعي يعتمد على مجموعة من العناصر مجتمعة للتكيف مع بيئته المناخية، متمثلة في "الرياح والضغط الجوي والرطوبة ودرجات الحرارة وكميات الأمطار"، فلا يصح زراعة المحاصيل المدارية في المناطق القطبية، نظراً إلى أن درجات الحرارة مختلفة بينهما، أو الري في فترات الحرارة العالية حتى لا تتبخر المياه، أو زيادة ري المحاصيل عن الحد المسموح حتى لا يهلك المحصول.

 

وعن أشكال تأثر المحاصيل الزراعية، يقول قطب، الذي شغل أيضاً منصب النائب الأسبق لرئيس الهيئة العامة للأرصاد الجوية، إن محصول الأرز، على سبيل المثال، يحتاج إلى كميات كبيرة من الأمطار وعدد مرات ريّ صباحية ومسائية، لتلاشي درجات الحرارة العالية التي تجعل المياه تتبخر ولا تستفيد منها الجذور، وكذلك قد يؤدي تسارع الرياح لتساقط ثمار محصول المانغو، وأيضاً القمح، فيزرع في الشتاء وإنتاجيته في فصل الصيف، وإذا تعرض لسقوط أمطار يفسد.

ويوضح قطب أن الموجة الحارة الحالية سيكون لها انعكاساتها السلبية على المحاصيل الزراعية، التي تؤثر في النهاية على جودتها وغلو ثمنها للمستهلك في النهاية. مشيراً إلى أن كثيراً من المزارعين لجأوا إلى الصوب الزجاجية كأحد الحلول لحماية محاصيلهم من التقلبات المناخية.

أعباء إضافية على المزارعين

في مقابل الآراء السابقة، يقلل نقيب الفلاحين بمصر حسين أبو صدام من تأثير التقلبات المناخية الراهنة على إنتاجية المحاصيل الزراعية في الوقت الراهن. موضحاً أن المحاصيل المنزرعة سواء أكانت خضراوات أو فواكه، صيفية وفي مرحلة النضج حالياً ودرجات الحرارة العالية تساعد في تسريع تلك العملية.

غير أن الأزمة في تقدير نقيب الفلاحين، إذا زادت درجات الحرارة عن الحد المسموح، فإنها ستؤثر سلباً في بعض المحاصيل، كما ستضاعف الأعباء المادية على الفلاحين، لأنها ستجعلهم يلجأون إلى زيادة عدد مرات ريّ الأرض واستخدام أدوات ومبيدات لمقاومة انتشار الحشرات الناجمة عنها.

ويعول نقيب الفلاحين على اختلاف الظروف المناخية في مصر من مكانٍ إلى آخر، موضحاً "قد يحدث ضرر لحوض زراعي في مكان ما فيما لا يتعرض آخر ملاصق له على مسافة كيلو لنفس الضرر". مستبعداً أن يتسبب تغير المناخ في تغير مواعيد زراعة المحاصيل بصورة كلية، بأن تزرع محاصيل صيفية في الشتاء والعكس أيضاً، قائلاً: "هذا أمر غير جائز حدوثه مستقبلاً".

من جهته يعقب متحدث وزارة الزراعة المصرية الدكتور خالد جاد على آراء المتخصصين، قائلاً: "لا شكّ أن التغير المناخي له آثاره على المنظومة الزراعية، إلا أن إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية لم تنخفض حتى الآن، وكل المحاصيل متاحة وبجودة عالية للمواطنين".

وكانت الحكومة المصرية أعلنت في بيان رسمي، في يوليو (تموز) الجاري، ارتفاع مساحة محصول القمح خلال الموسم الحالي إلى 3.7 مليون فدان، مقارنة بنحو 3.1 مليون فدان خلال الموسم الماضي، وبلغت المساحة المخصصة للأرز نحو مليون و70 ألف فدان، فيما تجاوزت المساحة المزرعة للقطن، وفقاً للحصر المبدئي، 190 ألف فدان.

 

وأرجع المتحدث الرسمي استقرار إنتاجية المحاصيل إلى الإجراءات الاحترازية والاستباقية التي قامت بها الوزارة خلال الآونة الماضية لتلافي حدوث أي فجوة غذائية وتعزيز الأمن الغذائي، إذ اعتمدت على مسارين، أولهما، الإدارة المركزية للإرشاد الزراعي، التي تقوم بتوعية المزارعين والمستثمرين بالآثار السلبية للتغير المناخي والاحتياطات الواجب اتباعها لحين انتهاء موجة الحرارة العالية أو الرياح، وإرسال رسائل لهم على هواتفهم بالمستجدات أول بأول، ثم إطلاعهم على الآثار السلبية وكيفية معالجتها إما بزيادة فترات الري أو المخصبات لتقليل الآثار الناجمة عنها، وثانيهما، مركز البحوث الزراعية، الذي يقوم بدوره في استنباط الأصناف الخاصة بالتغيرات المناخية، التي تصلح للأجواء المعاكسة، مثل الحرارة العالية أو زيادة ملوحة التربة في مناطق الدلتا ومقاومة الأمراض.

ويشير متحدث الزراعة، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إلى أنه يحدث أحياناً تأثراً لبعض أنواعه الفاكهة مثل "المانغو"، التي تأثرت بعض الأصناف فيها جراء الحرارة العالية، لا سيما القادمة من أسوان، إذ تراجعت نسبتها العام الحالي، لكنّ هناك أصنافاً أخرى قامت بتعويض هذا النقص، مما جعل أسعارها في السوق المحلية ثابتة من دون زيادة، وهو ما شعر به المستهلك في النهاية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتفاخر جاد، خلال حديثه، أن جهود الوزارة أسهمت زيادة منظومة الصادرات الزراعية بصورة غير مسبوقة، إذ ارتفعت بنسبة 300 في المئة، وفتحت الباب للمحاصيل المصرية أمام أكثر من 170 سوقاً خارجية، مما يُعزز الثقة في المنتج الزراعي المصري، ويؤكد تنامي الطلب العالمي على الحاصلات المصرية، وزيادة تنافسيته على الساحة الدولية.

وكان وزير الزراعة المصري الدكتور علاء فاروق أكد في يوليو الجاري، تجاوز الصادرات المصرية حاجز الـ5.8 مليون طن حتى الآن خلال العام الحالي. ووفقاً لتقرير رسمي صادر عن الإدارة المركزية للحجر الزراعي، بقطاع الخدمات الزراعية، واصلت الموالح، تربعها على عرش الصادرات بكمية تجاوزت 2.2 مليون طن، بينما جاءت البطاطس الطازجة في المركز الثاني بكميات بلغت أكثر من 908 آلاف طن.

اقرأ المزيد

المزيد من بيئة