ملخص
"حماية الأرواح داخل حمامات السباحة لا تتحقق بزيادة عدد المسابح، إنما ببناء منظومة متكاملة للسلامة والرقابة والشفافية"، حسبما يرى المختص في الإدارة الحكومية والمحلية الدكتور حمدي عرفة، موضحاً أنه خلال الفترة الأخيرة انتشرت ظاهرة تأجير الفيلات والشاليهات المزوّدة بحمامات سباحة لليوم الواحد عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت حمامات السباحة جزءاً أساساً من تسويق العقارات، إلى جانب الأكاديميات الخاصة التي تؤجر حمامات سباحة في مدارس خاصة أو نوادٍ صغيرة لتقديم تدريبات، وتحوّلت الاستراحات الريفية والمزارع الخاصة إلى منتزهات عامة تضم حمامات سباحة تفتقر لأبسط معايير الأمان والهندسة الصحية.
لم يعد الهرب من أجواء الطقس الحارة حكراً على شواطئ المصايف بالمدن الساحلية في مصر، ولا مقصوراً على أسوار الأندية الرياضية ومراكز الشباب وأكاديميات التدريب، إذ شهدت مصر خلال الفترة الماضية توسعاً ملحوظاً في إنشاء المسابح العامة، ليتحوّل هذا القطاع الترفيهي من مجرد نشاط رياضي إلى "بيزنس استثماري"، وهو ما برز جلياً في إنشاء حمامات سباحة ملحقة بـ"صالات الجيم واللياقة البدنية"، مروراً بالمدارس الخاصة والجامعات والمنتجعات السياحية، وصولاً إلى الكومباوندات السكنية والمزارع والاستراحات الريفية والفنادق.
غير أن وراء تلك الأحواض المائية وبريق المياه الزرقاء، يختبئ عالم آخر، إذ خلف هذا التوسع اللافت بعض الثغرات التنظيمية في اشتراطات الأمن والسلامة، إضافة إلى مزيد من العشوائية وعدم الالتزام بالضوابط المنظمة للتشغيل، وفق تأكيدات متخصصين، مما أدى إلى وقوع سلسلة من الحوادث المُفجعة لشباب وأطفال داخل تلك المسابح في محافظات متباينة جغرافياً مؤخراً.
آخر تلك الوقائع وفاة طفل (تسع سنوات) في أثناء تدريبات السباحة بنادي غزل المحلة في محافظة الغربية، وقبلها أصيب أربعة أطفال باختناق داخل حمام السباحة بنادٍ رياضي بمنطقة مصر الجديدة على وقع إضافة فني صيانة مادة الكلور إلى المياه في أثناء وجود الأطفال داخلها خلال الحصص التدريبية، وفي يونيو (حزيران) الماضي توفي شاب (15 سنة) غرقاً في حمام سباحة تابع لمديرية الشباب والرياضة بالدقهلية، إذ ظل 12 دقيقة تحت الماء دون أن يلاحظ أحد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولقي طفل (ثلاث سنوات) مصرعه غرقاً أيضاً داخل حمام سباحة بإحدى الفيلات بمدينة الشيخ زايد خلال رحلة ترفيهية بعدما استأجر والده الفيلا يوماً لقضاء عطلته الأسبوعية مع الأسرة، ولقي طالب بالثانوية العامة مصرعه داخل حمام سباحة بكومباوند بمنطقة القاهرة الجديدة، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، توفي لاعب سباحة ناشئ بنادي الزهور غرقاً في أثناء مشاركته ببطولة الجمهورية للسباحة تحت 12 سنة، بعدما ظلّ في قاع المسبح دون أن يلاحظ أحد اختفاءه.
تكرار الحوداث السابقة طرح بدوره علامات استفهام حول الآليات والضوابط المنظمة لإنشاء تلك المسابح والجهات المشرفة عليها؟ هل تخضع لأكواد ومعايير السلامة والأمان والمراقبة؟ كذلك، هل تتوافر أدوات الإنقاذ والإسعافات الأولية في كل المسابح؟ وما إذا كانت هناك حملات تفتيشية دورية لمراجعة اشتراطات التراخيص ومصافي الصرف وتنقية المياه؟ ومن يشرف على مدربي السباحة ويراقب فرق الإنقاذ؟ وهل القوانين رادعة لمواجهة المخالفين؟
كيف تحول الترفيه إلى بيزنس؟
يعزو رئيس الاتحاد المصري للغوص والإنقاذ سامح الشاذلي، تكرار حوادث الغرق في حمامات السباحة بمصر إلى "التوسع الهائل في هذا القطاع". قائلاً "المسابح العامة باتت (بيزنس) ضخماً، إذ لم تعد مقصورة على المنشآت الرياضية وحسب، وامتدت للفنادق والجامعات والمدارس الخاصة والكومباوندات السكنية والقرى السياحية، لذا أصبح من الصعب مراقبة الأكواد الخاصة بالاشتراطات ومعايير التشغيل في كل تلك المسابح، كونها تتبع لوزارات عدة، ممثلة في (الشباب والرياضة، والتعليم العالي، والتعليم، والسياحة، والصحة، والتنمية المحلية)". واصفاً الأزمة بـ"المتشابكة والمعقدة".
ويضيف الشاذلي، الذي يشغل منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي أيضاً، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "من أبرز المشكلات أن بعض المستثمرين الذين يملكون حمامات سباحة لا يلتزمون بتطبيق الأكواد المصرية والاشتراطات الخاصة بمعايير السلامة والأمان وضوابط التشغيل"، سواء في ما يتعلق بأعداد المنقذين على الحمامات وكراسي الإنقاذ المرتفعة لمراقبة جميع المرتادين، إلى جانب أدوات الإنقاذ وتشمل: (عصا الإنقاذ، والصفارة، والزي الرسمي) وعربات إسعاف وتوفير منقذات مدربات، علاوة على أخطاء العنصر البشري، مثل "الانشغال في أثناء التدريب، وعدم التركيز مع مرتادي حمامات السباحة".
يتابع الشاذلي، بعض مراكز الشباب تستعين بأشخاص ليسوا حاصلين على شهادات رسمية معتمدة أو دورات تدريبية لممارسة مهنة الإنقاذ على حمامات السباحة. مؤكداً أن "99 في المئة من منقذي حمامات السباحة في القرى السياحية غير مؤهلين أو مدربين، وكثر منهم يعملون ساعات طويلة أكثر من المسموح بها".
وكشف رئيس الاتحاد المصري للغوص والإنقاذ عن أن بعض أصحاب الفنادق والقرى السياحية "يرفضون مراجعة إجراءاتهم الخاصة أو مراقبة مدى التزامهم بالأكواد". منوهاً إلى أن هناك ما يقارب 5000 حمام سباحة داخل الأندية ومراكز الشباب، لكن لا يوجد حصر عددي بأعداد الحمامات التي تتبع الوزارات والهيئات الأخرى، مطالباً بضرورة وجود هيئة عامة للإنقاذ ومنحها الضبطية القضائية، كي تتمكن من مراقبة كل حمامات السباحة في مختلف الأماكن، لتأمين مرتاديها ومنع وقوع حوادث الغرق مستقبلاً.
يؤيد ذلك مدرب السباحة المتخصص في مجال الإنقاذ كريم أبو الدهب، الذي أكد أن "التراخي" في تطبيق الإجراءات السليمة سبب تكرار تلك الحوادث، قائلاً "أعداد المنقذين تختلف حسب مساحات المسابح، الحمامات الأولمبية ينبغي أن يوجد عليها من خمسة إلى ستة منقذين، والنصف أوليمبية من اثنين إلى أربعة منقذين، أمّا الترفيهية فهي بلا مقاسات محددة، لكن ينبغي أن يكون على كل حمام فيها في الأقل منقذ واحد، بشرط أن يكون مؤهلاً ولديه دراية بالإسعافات الأولية وإنقاذ الغرقى، لكن لا يتم الالتزام بتلك الضوابط من كثير من المنشآت، سواء الرياضية أو الفندقية أو الترفيهية".
ويضيف أبو الدهب، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "زيادة الطاقة الاستيعابية في حمامات السباحة أحد الأسباب الرئيسة في حالات الغرق، إذ تكون أعداد المرتادين أكبر من المنقذين، لذا من الصعب مراقبتهم جميعاً، إضافة إلى إهمال بعض المنقذين وتكاسلهم في أثناء العمل وعدم وجودهم على مقاعدهم في الفترات المخصصة للسباحة، لا سيما في حمامات الرضع نتيجة الاستهانة بصغر حجمها ومساحتها، مما يؤدي إلى وقوع كثير من الإصابات والحوادث لهم.
لماذا تتكرر حوادث الغرق؟
"حماية الأرواح داخل حمامات السباحة لا تتحقق بزيادة عدد المسابح، إنما ببناء منظومة متكاملة للسلامة والرقابة والشفافية"، حسبما يرى المختص في الإدارة الحكومية والمحلية الدكتور حمدي عرفة، موضحاً أنه خلال الفترة الأخيرة انتشرت ظاهرة تأجير الفيلات والشاليهات المزوّدة بحمامات سباحة لليوم الواحد عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت حمامات السباحة جزءاً أساساً من تسويق العقارات، إلى جانب الأكاديميات الخاصة التي تؤجر حمامات سباحة في مدارس خاصة أو نوادٍ صغيرة لتقديم تدريبات، وتحوّلت الاستراحات الريفية والمزارع الخاصة إلى منتزهات عامة تضم حمامات سباحة تفتقر لأبسط معايير الأمان والهندسة الصحية.
يؤكد عرفة، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن معظم الحوادث ترتبط بأسباب عدة، أبرزها ضعف الصيانة الدورية، وغياب أنظمة المراقبة الإلكترونية، وعدم الفصل بين أحواض الأطفال والكبار، فضلاً عن السماح باستخدام المسابح دون التأكد من مهارات السباحة أو الالتزام بالإرشادات.
ويلفت النظر إلى أن التجارب الدولية تقدم نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها، إذ تفرض أستراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة اشتراطات صارمة لتأهيل المنقذين وتجديد شهاداتهم بصورة دورية، مع إلزام المنشآت بخطط طوارئ وتمارين إنقاذ منتظمة، واستخدام كاميرات وأنظمة إنذار ورقابة إلكترونية، فضلاً عن إجراء تفتيش مفاجئ وإغلاق أي منشأة لا تستوفي معايير السلامة، مؤكداً أن الحاجة مُلحة لوجود منظومة رقابية موحدة وليس مجرد تشديد التشريعات، إذ توجد فجوات في منظومة الوقاية والرقابة.
ويضيف المختص في المحليات أن التعامل مع هذه الحوادث يجب أن ينتقل من رد الفعل بعد وقوع الكارثة إلى إدارة الأخطار والوقاية السابقة، مؤكداً أن مسؤولية الرقابة لا تقع على جهة واحدة، إنما هي مسؤولية مشتركة بين وزارة الشباب والرياضة بالنسبة إلى الأندية ومراكز الشباب، ووزارة السياحة والآثار في ما يتعلق بالفنادق والمنشآت السياحية، والإدارة المحلية في ما يخص التراخيص والاشتراطات، إلى جانب الحماية المدنية، ومديريات الصحة لمتابعة الاشتراطات الصحية وسلامة المياه، مع ضرورة تفعيل دور اتحادات الألعاب المائية في وضع معايير السلامة والتدريب، مطالباً بضرورة إصدار كود وطني موحد لسلامة حمامات السباحة يطبق على جميع المنشآت دون استثناء، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية لحوادث الغرق داخل المسابح لتحليل أسبابها ووضع سياسات وقائية، مع إلزام جميع المنشآت بالإفصاح عن نسب المنقذين، وإجراء تفتيش دوري ومفاجئ، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، إلى جانب نشر ثقافة السلامة المائية بين الأسر والأطفال باعتبارها خط الدفاع الأول للحد من هذه الحوادث.
ولم يكن البرلمان بمنأى عن تلك المسابح وأزماتها المتكررة، إذ تقدّم البرلماني المصري محمود عصام، في فبراير (شباط) 2025، بطلب إحاطة لوزارتي الشباب والرياضة والتنمية المحلية لمراقبة ضوابط إنشاء الحمامات، موضحاً أنّ عدداً كبيراً منها غير مطابق للمواصفات، وبعيداً من الرقابة، وأن بعض هذه الأماكن قد تكون لا تعمل بالتراخيص اللازمة، وفي عام 2023 تقدم أيضاً البرلماني علاء سليمان بطلب إحاطة لوزير التعليم العالي في شأن عدم وجود رقابة ومدربين ومراقبين على حمامات السباحة الموجودة داخل جامعة أسيوط بعد غرق أحد المواطنين فيها.
من يراقب حمامات السباحة؟
من جهته، يُعقب المتحدث باسم وزارة الشباب والرياضة بمصر الدكتور محمد الشاذلي على الطروحات السابقة، قائلاً "وقوع أي حالة وفاة أو إصابة في حمام السباحة أمر كارثي ومؤسف ومرفوض، لكن إذا نظرنا إلى نسبة حوادث الغرق فإنها ضئيلة للغاية مقارنة بأعدادها حالياً، إذ يرتادها يومياً ما يقارب 2 إلى 3 ملايين مواطن ما بين أطفال وشباب ورياضيين"، لافتاً إلى أن تلك الحوادث لا يمكن النظر إليها كونها "ظاهرة"، لأن حوادث الغرق موجودة في جميع بلدان العالم وليس الأمر مقصوراً على مصر فقط، وأخطاء العنصر البشري "واردة" في أي مجال.
ويؤكد متحدث الوزارة أنّ التوسع في هذا النشاط برز جلياً في الأعوام الـ10 الماضية، مُرجعاً ذلك إلى مشاريع الطرح الاستثماري التي قامت بها الوزارة عام 2018، ودخولها في شراكة طويلة الأجل مع القطاع الخاص، تسمح للمستثمرين بإبرام تعاقدات مع الأندية ومراكز الشباب للحصول على حق انتفاع لتلك المسابح مقابل عوائد مالية للطرفين، مردفاً "إنشاء تلك الحمامات مُكلف للغاية ويفوق موازنة الوزارة، لذا كان لزاماً مشاركة القطاع الخاص لدعم الأندية الصغيرة ومراكز الشباب بتلك الحمامات".
ويتفق الشاذلي مع قول رئيس الاتحاد المصري للإنقاذ والغوص، في أن دخول بعض المستثمرين مثلما له فوائد، له مساوئ أيضاً، إذ يرغبون في الحصول على عائد ربحي على حساب ضوابط التشغيل ومعايير الأمن والسلامة، قائلاً "بعض المستثمرين يبحثون عن الربح في المقام الأول مما يجعل بعضهم يلجأ إلى خفض كلفة النفقات لزيادة عوائده المادية، فلا يلتزم بمعدلات العمر الافتراضي للحمام أو يوفر في كلفة استقدام منقذين مؤهلين أو توفير لوازم للإنقاذ ووحدات الإسعاف أو مراعاة توقيتات السباحة الحرة لتكون في الفترة النهارية وليست الليلية أو معدلات الطاقة الاستيعابية"، كاشفاً عن أن 90 في المئة من حالات الغرق في حمامات السباحة تحدث في فترات السباحة الحرة، التي يدفع من أجلها المواطن رسوم التذاكر للسباحة، وليست في أوقات التدريب الرياضي أو الحمامات الأولمبية.
ويؤكد أن الوزارة تقوم بشن حملات تفتيشية دورية على كل حمامات السباحة الخاضعة للمنشآت الرياضية التابعة لها، لمراجعة التراخيص ومدى الالتزام بالأكواد وأعداد المنقذين والطاقة الاستيعابية، منوهاً إلى أن الوزارة أقرت لائحة بالأكواد الطبية، لتحمل المخطئ المسؤولية القانونية مباشرة حال التراخي أو الإهمال، ليصبح أمام عقوبة جنائية طبقاً لقانون العقوبات، إلى جانب العقوبة الإدارية.
وقبل عامين، أغلقت وزارة الشباب والرياضة بمصر 47 حمام سباحة عاماً وخاصاً، وأوقفت جميع المسؤولين والعاملين عن تشغيل تلك الحمامات، وبخاصة موضوع اشتراطات نسب الكلور ومضادات السميات وتوافر المنقذين، وإلغاء تراخيص عدد من الشركات الخاصة التي تعمل داخل مراكز الشباب والأندية بنظام حق الانتفاع غير المستوفية لاشتراطات الأمن والسلامة، ووقف المسؤولين عن تشغيل حمامات السباحة التي ثبت عدم التزامها لاشتراطات الأمن والسلامة.