ملخص
قالت وزارة الصحة "التحول من العشرات إلى عشرات الآلاف يوثق انفجاراً وبائياً شاملاً حطم في أشهر معدودة خطوط الدفاع الصحي كافة، التي بنيت على مدار عقود".
داخل خيمة من قماش الخيش السميك والبلاستيك المهترئ في منطقة مواصي خان يونس، تتماهى الألوان في مشهد يطغى عليه الشحوب، حتى وجوه الصغار غادرتها الحيوية، ليفرض اللون الأصفر الليموني الداكن حضوره المرعب.
يكسو الاصفرار بياض عيني الطفل خليل ويصبغ جلده الشاحب بطابع عليل، يجلس الصغير مستنداً إلى وسادة قطنية ممزقة، واضعاً يده الصغيرة فوق الجانب الأيمن من بطنه، حيث يقبع كبده المستنزف.
يحاول خليل مقاومة نوبات الغثيان المستمرة التي لم تترك في جسده النحيل متسعاً للطاقة، وينظر بانكسار إلى يديه اللتين تحول لون أظافرهما إلى بياض باهت.
يقول بصوت خافت "كلما حاولت شرب جرعة ماء، أشعر بنار في بطني ثم أتقيأ فوراً، لم أعد أستطيع اللعب مع الأولاد خارج الخيمة، حتى عيني عندما نظرت في لوح الزجاج المكسور الذي نستخدمه كمرآة، خفت من نفسي".
أصيب خليل بمرض الكبد الوبائي، الذي تحول في الخيمة من فيروس يمكن علاجه في الظروف الطبيعية، إلى عدو شرس ينهش جسده النحيل، ليصبح واحداً من آلاف الأطفال داخل غزة الذين يواجهون "الوباء الأصفر"، وسط ظروف تفتقر لأدنى مقومات النظافة والتعافي.
ينظر خليل إلى زاوية الخيمة، حيث تقبع علبة بلاستيكية زرقاء فارغة كانت مخصصة لمواد التنظيف، وبجوارها إناء فخاري صغير يحوي ليترات قليلة من مياه عكرة، جلبت بعد رحلة بحث شاقة في طوابير الصهاريج التي تجوب معسكرات النزوح.
تخلو الخيمة تماماً من مطهرات الأيدي أو حتى مياه نظيفة يمكن أن تغسل غبار الوباء، فكل شيء في محيط الطفل ينضح بالتلوث، من رطوبة الأرضية الترابية إلى الروائح النفاذة المنبعثة من مستنقع مياه عادمة راكد بعد خطوات قليلة من وتد الخيمة.
يصمت خليل لبرهة ليتنفس بصعوبة، ثم يضيف "أمي تقول لي اغسل يديك بالصابون حتى تطرد المرض، لكننا لا نملك صابوناً منذ أسابيع، نغسل أيدينا بالماء المالح الذي يترك بقعاً بيضاء على جلدنا".
ويتابع "أشعر أن هذا المرض الأصفر يأكل جسدي ببطء، وكل ما أتمناه الآن هو كوب ماء بارد ونظيف لا يمرضني، وأن أستيقظ لأرى عيني قد عادتا إلى لونهما الطبيعي".
هذا الاصفرار الذي ينهش جسد خليل بات الواجهة لانفجار وبائي يجتاح قطاع غزة، حيث تحولت خيام النازحين ومراكز الإيواء إلى بيئة خصبة لتفشي "الكبد الوبائي" جراء تدمير منهجي ومتعمد للبنية التحتية والمقومات البيئية.
من العشرات إلى عشرات الآلاف
قبل اندلاع الحرب والنزوح، كانت المنظومة الطبية وبدعم من برامج التطعيم الوطنية والرقابة الصارمة على شبكات المياه، تسجل معدلاً سنوياً منخفضاً ومستقراً لالتهاب الكبد الفيروسي، لا يتجاوز في أسوأ الأحوال 85 حالة فقط في طوال العام.
وفي هذا السياق، يعود المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة خليل الدقران بالذاكرة إلى ما قبل هذه الأزمة ليقيس حجم الانهيار، ويقول "كان الفيروس قبل هذه الحرب مجرد عارض موسمي نادر".
ويضيف "كان التهاب الكبد الفيروسي مطوقاً صحياً بإجراءات وقائية متكاملة تبدأ من الفحوصات الدقيقة في المختبر المركزي وتنتهي بالرقابة الصارمة على سلامة آبار الشرب".
ويتابع الدقران "لقد كانت برامج التطعيم والرقابة الدورية على شبكات المياه كفيلة بإبقاء المرض دائماً في حدود العدوى المحدودة والموسمية، ولم نكن نتوقع يوماً أن يتفشى بهذه الصورة الشامل ليهدد مئات الآلاف".
بسبب الحرب، تظهر المؤشرات الوبائية الصادرة عن وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية ووكالة "الأونروا" قفزة مرعبة، إذ تخطت الإصابات المسجلة رسمياً عتبة 70 ألف إصابة مؤكدة بالتهاب الكبد الفيروسي من النوع "A"، يضاف إليها ما يقارب 100 ألف حالة مشتبه فيها بمتلازمة اليرقان الحاد في مختلف تجمعات النازحين.
يعتقد الدقران أن هذه البيانات مجرد قمة الجبل، إذ إن هناك مصابين بالوباء لا يملكون سبيلاً للوصول إلى النقاط الطبية، مما يعني أن أرقام التفشي الفعلي تتجاوز الإحصاءات المعلنة بأضعاف مضاعفة.
في بيان الإعلان عن انتشار التهاب الكبد الفيروسي، قالت وزارة الصحة "التحول من العشرات إلى عشرات الآلاف يوثق انفجاراً وبائياً شاملاً حطم في أشهر معدودة خطوط الدفاع الصحي كافة، التي بنيت على مدار عقود".
يؤكد الدقران أن انتشار التهاب الكبد الوبائي من نوع "A" جاء نتيجة حتمية للاكتظاظ وتدني مستويات النظافة والمياه غير الصالحة للشرب في أماكن النزوح داخل قطاع غزة.
يواجه رصد وإحصاء التهاب الكبد الفيروسي صعوبة كبيرة، إذ تقف الطواقم الصحية عاجزة في مختبرات فحص الدم، وفي بيان تحذيري ثان، تابعت وزارة الصحة "نحذر من توقف الفحص المخبري الكامل للدم والتحاليل المصلية الخاصة بالفيروس في أي لحظة، نتيجة النقص الحاد والمستمر في المواد الكاشفة والمستلزمات الخاصة بالمختبرات الطبية، مما يجبر طواقمنا على الاعتماد على التشخيص السريري البصري فقط".
هذا التحذير ينسجم مع تعليق رئيسة برنامج الصحة التابع لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، غادة الجدبة، إذ تقول "التهاب الكبد الفيروسي يتفشى في غزة كالنار في الهشيم أثناء الحرب".
أين تتركز الكتلة الأكبر للإصابات؟
ينتشر التهاب الكبد الفيروسي حسب التكدس البشري وحركة النزوح القسري التي فرضتها المعارك، فالكتلة الأكبر والأخطر من إصابات التهاب الكبد الفيروسي تتركز بصورة لافتة في مخيمات وسط وجنوب القطاع.
بحسب وزارة الصحة، فإن "شريط الخيام الممتد" بين دير البلح ومخيم النصيرات ومواصي خان يونس، يعد من المناطق المثالية لانتقال المرض.
ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن معدلات انتقال العدوى تضاعفت داخل هذه الملاجئ بأكثر من 12 مرة مقارنة بالوضع الطبيعي.
ويشرح الطبيب خليل الدقران "الكثافة البشرية المرعبة في دير البلح ومواصي خان يونس أوجدت مناخاً وبائياً خارجاً عن السيطرة، نحن نتحدث عن بقع جغرافية ضيقة للغاية استوعبت مئات الآلاف من المواطنين دفعة واحدة في ظل انعدام كامل لشبكات الصرف الصحي والمياه النظيفة".
ويضيف "المستشفيات والنقاط الطبية في وسط القطاع وجنوبه باتت تستقبل يومياً مئات الحالات المصابة باليرقان الحاد، والكتلة الكبرى من هذه الحالات تأتينا من تجمعات الخيام ومراكز الإيواء المقامة في المدارس".
ويعلق رئيس برنامج الأمراض غير السارية في وكالة "الأونروا" يوسف شاهين "كلما اتسعت رقعة مخيمات النزوح في مواصي خان يونس والمنطقة الوسطى، اتسعت معها جغرافيا الفيروس، إننا نرصد بؤراً عائلية كاملة، جغرافيا المرض اليوم هي ذاتها جغرافيا العطش وغياب الصابون والتكدس المليوني".
الأطفال وسوء التغذية
يتركز الوباء بين الأطفال دون سن الـ15 على وجه الخصوص، إذ وجد الفيروس في ضعف جهازهم المناعي بسبب سوء التغذية والجفاف موطناً للتفشي.
في الظروف الطبيعية، يستطيع كبد الطفل السليم مقاومة النوع "A" من الفيروس وطرحه خارج الجسم عبر الراحة والتغذية الغنية بالسكريات والسوائل النظيفة، ليتعافى في غضون أسابيع قليلة.
أما داخل غزة اليوم، فإن أزمة الغذاء الحادة وتقليص المساعدات الإنسانية تسببا في انهيار "جدار الحماية المناعي" لدى الصغار. ويعقب رئيس قسم الأطفال في مستشفى الرنتيسي التخصصي شريف مطر "عندما يلتقي الهزال الشديد الناتج من الجوع بالوباء الأصفر، يفقد الكبد قدرته على تجديد خلاياه، مما يحول الفيروس من عارض حاد موقت إلى مسبب لمضاعفات حرجة وقاتلة".
ويضيف "المستشفيات والأقسام الطبية تستقبل أعداداً متزايدة وكارثية من الأطفال الذين يعانون سوء التغذية الحاد والهزال، وخطورة الوضع تكمن في أن تأثيرات الجوع وسوء التغذية لم تعد تقتصر على فقدان الوزن، بل أدت لعودة حالات التهاب الكبد الوبائي وتفشيها كالنار في الهشيم بينهم".
ويضيف مطر "الطفل المصاب بسوء التغذية يصبح جسده عاجزاً عن التخلص من سموم الفيروس، وبدل التعافي الذاتي نبدأ في رصد مضاعفات حادة وخطرة تهدد حياتهم بصورة مباشرة".
وبحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية، فإن "الأطفال داخل غزة يعيشون في بيئة قهرية. حرمانهم من المغذيات الدقيقة والفيتامينات الأساس جعل من كبدهم عضواً هشاً وعاجزاً عن الصمود أمام الهجمات الفيروسية المتكررة".
العدوى في بيئة الخيام
لا ينتقل فيروس التهاب الكبد عبر الهواء أو الرذاذ التنفسي، بل يجد طريقه للانتشار عبر الطعام أو المياه الملوثة بفضلات شخص مصاب.
داخل مخيمات النزوح في غزة، تحول هذا المسار من حالة نادرة إلى نمط حياة يومي بسبب غياب المراحيض المستقلة واشتراك مئات النازحين في مرحاض واحد بدائي غير متصل بشبكات صرف صحي صالحة.
يقول رئيس برنامج الأمراض غير السارية يوسف شاهين "من الناحية العلمية يعيش فيروس التهاب الكبد ’A‘ في فضلات المريض لأسابيع، وله قدرة عالية على الصمود في البيئة الخارجية الملوثة".
ويضيف "عندما تضطر العائلات للعيش متلاصقة في ملاجئ تضم الخيمة الواحدة فيها أكثر من 10 أشخاص، ويتشاركون الأطباق ذاتها، ويعدون الطعام بأيدٍ تُغسل بماء ملوث، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد فرص لانتقال المرض، بل عن قنوات بث مفتوحة ومستمرة للفيروس يبتلعها الصغار يومياً مع طعامهم وشرابهم".
تؤكد تقارير الصحة العالمية أن عادات إعداد وجبات جماعية من معلبات شحيحة وافتراش الأرض الترابية الرطبة تمنحان الفيروس فرصة للتحرك، حيث يلتقط طفل واحد العدوى من مرحاض مشترك، ليعود وينقلها إكلينيكياً إلى خيمته، فتصاب الأسرة.
يقول رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي أحمد الفرا "أزمة هذا الفيروس في بيئة غزة الحالية أنه يتغذى على انعدام البدائل، إذ الطبيب يطلب من الأم عزل طفلها المصاب باليرقان وتخصيص أدوات طعام ومركبات صحية مستقلة له لمنع المسار الفموي للعدوى لكن الأم تنظر إلينا بعجز".
العطش والتلوث
ترتبط خطوط انتشار التهاب الكبد الفيروسي في قطاع غزة ارتباطاً وثيقاً بأزمة العطش، فلم يعد الحصول على كوب ماء نظيف سهل المنال.
وتشير بيانات بلدية غزة إلى أن 80 في المئة من شبكات المياه وآبار الجمع ومحطات التحلية المركزية في القطاع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، مما أخرج المنظومة المائية عن الخدمة بصورة شبه كاملة.
وأظهرت الفحوصات المخبرية التي أُجريت على عينات من هذه المياه احتواءها على نسب تلوث بيولوجي وبكتيري وفيروسي هائل، مما جعلها الناقل الأول والمباشر لأمراض النزلات المعوية الحادة والتهاب الكبد الوبائي وسط تجمعات الخيام.
يقول مدير البرامج الصحية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بشار مراد "إن انتشار مرض الكبد الوبائي من النوع "A" في عموم القطاع بات مؤشراً قطعياً وخطراً على تفاقم أزمة تلوث مياه الشرب. العائلات تضطر لنقل المياه بوسائل بدائية ملوثة، والفحوصات المخبرية التي أجرتها طواقمنا لعينات مأخوذة من مصادر المياه المتاحة والمنقولة للنازحين أثبتت بصورة قاطعة احتواءها على فيروسات وبكتيريا فتاكة، مسببةً التهاب الكبد".
هذا الشح والدمار في المياه أدى إلى هبوط حاد في حصة الفرد اليومية، إذ تشير تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن ما يجري تأمينه في بعض المخيمات بالكاد يصل إلى ستة ليترات فقط للفرد يومياً للشرب والطهي والنظافة.
شح الصابون
يعد انسياب مياه الصرف الصحي وشح مواد النظافة الوقود الذي يضمن استدامة هذا الانفجار الوبائي واستحالة محاصرته، إذ تطفح ملايين الليترات من المياه العادمة غير المعالجة لتتدفق في الشوارع وبين الممرات الضيقة لمخيمات النزوح.
يقول مدير دائرة المياه والصرف الصحي في بلدية غزة محمد الأغا "تعطل محطات ضخ الصرف الصحي وتدمير الخطوط الناقلة أفرزا كارثة بيئية وصحية غير مسبوقة في تاريخ القطاع، حيث تتدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة بين خيام النازحين في الشوارع والساحات العامة والمناطق المنخفضة".
ويضيف "هذه المياه الراكدة والمستنقعات العادمة تحولت إلى مستودعات مفتوحة لنمو وتكاثر الفيروسات والبكتيريا، وعلى رأسها فيروس التهاب الكبد الوبائي، وهي تنساب مباشرة نحو الخيام وتلوث التربة والمياه الجوفية السطحية، مما يجعل أي محاولة لتطويق الوباء الطبي أمراً مستحيلاً من الناحية البيئية والهندسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المشكلة الكبرى تكمن في الحصار الصحي المطبق الذي يمنع إدخال المواد الأساس للنظافة الشخصية والتعقيم، فالصابون ومساحيق الغسيل ومطهرات الأيدي تحولت جراء القيود المفروضة على المعابر إلى سلع نادرة.
وجاء في التقرير الدوري للأمم المتحدة "المنع المستمر لدخول شاحنات المساعدات الإنسانية المحملة بالمنظفات وحقائب النظافة الشخصية أسهم في تجريد النازحين من خط دفاعهم الأول ضد انتشار الأمراض الوبائية، مما يعيد تدوير الفيروس بيولوجياً داخل محيط الخيمة الواحدة ويؤدي إلى إصابة عائلات بأكملها بمتلازمة اليرقان والنزلات المعوية الحادة، من دون قدرة على كسر حلقة العدوى البيئية".
عجز التشخيص
يواجه الأطباء عاصفة التهاب الكبد الفيروسي بجبهة مستنزفة، فالأزمة تبدأ من استحالة تأكيد التشخيص مخبرياً، إذ تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة داخل قطاع غزة إلى أن نسبة النقص في مواد الفحص المخبري والكواشف الطبية تجاوزت عتبة 85 في المئة.
يقول مدير عام وزارة الصحة منير البرش "المختبرات عاجزة عن إجراء أبسط التحاليل الحيوية لمتابعة حال الكبد، وفي مقدمها فحص الدم الشامل وفحوصات الكيمياء السريرية والتحاليل المصلية المتخصصة لتحديد نوع الفيروس بدقة".
من الناحية الطبية، لا يحتاج المصاب بالتهاب الكبد الفيروسي من النوع "A" إلى مضادات فيروسية، إذ تعتمد بروتوكولات الشفاء عالمياً على الرعاية الداعمة، والتي تتلخص في ثلاثة مقومات هي الراحة التامة والتغذية المتوازنة الغنية بالسكريات لتعويض طاقة الكبد والترطيب المستمر بالمحاليل الوريدية لمنع الجفاف الناتج من القيء المستمر.
لكن في ظروف غزة، تتحول هذه المقومات الثلاثة البسيطة إلى مستحيلات. ويضيف البرش "نقف مكبلي الأيدي أمام عائلات الأطفال المصابين باليرقان، المنظومة الدوائية تعاني عجزاً حاداً، إذ إن 47 في المئة من قائمة الأدوية الأساس رصيدها صفر بالكامل في مخازننا".
ويتابع "لا نملك حتى الفيتامينات الداعمة للكبد أو محاليل الجفاف بالكميات التي تغطي حجم الانفجار الوبائي، الأخطر من ذلك، أننا نطلب من الأم منح طفلها أطعمة طازجة وسكريات طبيعية لمساعدة خلايا الكبد على التجدد".
بينما يحتل التهاب الكبد الفيروسي من النوع "A" واجهة المشهد الوبائي داخل غزة بسبب أعراضه الفجة وسرعة انتشاره بيئياً، ينمو في خفاء الركام كابوس طبي أكثر خطورة وهدماً لمستقبل السكان من نوع "B" و"C"، والذي يختلف تماماً في طريقة انتقاله ومساره المرضي، إذ لا ينتقل عبر المياه أو الطعام الملوثين، بل عبر الدم والسوائل الحيوية الملوثة.
يشرح استشاري أمراض الباطنة والجهاز الهضمي في غزة مروان شفيق "خطورة الفيروسين ’B‘ و’C‘ تكمن في أنهما لا يظهران بأعراض يرقان حادة، إذ يدخلان الجسد وينموان في خلايا الكبد بصمت مطلق قد يمتد لأعوام طويلة من دون أن يشعر المريض بوعكة واحدة".
ويقول شفيق "إذا تحول الفيروس ’B‘ أو ’C‘ إلى حالة مزمنة في أجساد المصابين، فإننا نتحدث عن جيل مستقبلي سيواجه نسباً مرتفعة من تليف الكبد، ومعالجة هذه الحالات المزمنة تتطلب بروتوكولات دوائية بالغة التعقيد ومضادات فيروسية باهظة الثمن، فضلاً عن الحاجة لعمليات زراعة الكبد".
المساءلة الدولية
تعاظم التهاب الكبد الفيروسي شهراً بعد آخر داخل غزة يرتبط بسلسلة من القيود الصارمة المفروضة على المعابر، والتي تحول من دون دخول شحنات اللقاحات الوقائية ومعدات الكلور وفحص المياه والكميات اللازمة من مواد التنظيف الشخصية والمكملات الغذائية للأطفال.
ويمثل ذلك انتهاكاً صارخاً لاتفاقات جنيف والبروتوكولات الدولية التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بتأمين الرعاية الصحية والوقائية للمدنيين.
يقول المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس "الظروف المعيشية داخل غزة غير إنسانية على الإطلاق، حيث يتفشى التهاب الكبد الوبائي ’A‘ وأمراض اليرقان كنتيجة مباشرة للاكتظاظ الشديد وغياب المياه النظيفة وانعدام الصرف الصحي والنظافة الشخصية".
ويضيف "منع تدفق المساعدات الطبية والوقائية واللقاحات بالكميات الكافية يحول القطاع إلى بيئة مواتية لانتشار الأمراض الفتاكة، ويجعل من الاستجابة الطبية تحدياً مستحيلاً يهدد بمزيد من الوفيات الناتجة من أمراض كان يمكن الوقاية منها بسهولة في ظروف طبيعية".
إسرائيل ترد: الوباء لا يمكن فصله عن انهيار البنية المدنية وسيطرة "حماس" على القطاع
في الجانب الآخر من الصورة، ترفض إسرائيل الرواية التي تُحملها المسؤولية المباشرة عن تفشي التهاب الكبد والأمراض المرتبطة بالمياه داخل قطاع غزة، وتقول إن الأزمة الصحية لا يمكن فصلها عن الانهيار الواسع للبنية التحتية المدنية، والاكتظاظ الناجم عن الحرب، والخلل في إدارة شبكات المياه والصرف الصحي داخل القطاع.
ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن إسرائيل لم توقف المساعدات الإنسانية بصورة مطلقة، بل أنشأت خلال الحرب منظومة تنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لإدخال الغذاء والمياه والمستلزمات الطبية والوقود، إلى جانب تسهيل عمليات إجلاء المرضى للعلاج خارج القطاع.
ويشير منسق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) إلى أن إسرائيل تعد نفسها مسؤولة عن تنسيق وتسهيل النشاط الإنساني، وليس عن إدارة النظام المدني داخل غزة، مؤكداً أن المساعدات شملت الغذاء والدواء والوقود ومعدات الإيواء والمياه، إضافة إلى دعم المستشفيات الميدانية وإجلاء المرضى.
إسرائيل: خطوط الإمداد لم تتوقف بالكامل
في ملف المياه، تقول الرواية الإسرائيلية إن الحديث عن انهيار كامل لمنظومة المياه لا يعكس جميع الوقائع على الأرض.
وبحسب بيانات COGAT الرسمية، توجد خطوط مياه تصل من إسرائيل إلى قطاع غزة، إلى جانب مرافق ضخ وتحلية تعتمد على الوقود والطاقة، فيما جرى تشغيل خط كهرباء إسرائيلي لتزويد محطة تحلية في خان يونس بالطاقة. وتقول إسرائيل إن الوقود يدخل كذلك لدعم محطات ضخ المياه والمنشآت الإنسانية.
وفي بيانات لاحقة، قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن ثلاثة خطوط مياه من إسرائيل إلى غزة كانت تعمل، وإن محطة التحلية الجنوبية رفعت إنتاجها بعد ربطها بشبكة الكهرباء الإسرائيلية، بينما أسهم مشروع إماراتي في إيصال المياه المحلاة إلى منطقة المواصي.
لكن هذه الرواية لا تعني، حتى وفق البيانات الإسرائيلية نفسها، أن منظومة المياه تعمل بصورة طبيعية، فالمصادر الإسرائيلية تقر بوجود أضرار واسعة في البنية التحتية والحاجة إلى الوقود وإعادة تشغيل محطات الضخ والتحلية.
الصرف الصحي... أزمة لا تنكرها إسرائيل
أما الصرف الصحي، فتشير الوثائق الإسرائيلية نفسها إلى أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية المدنية، وأن معالجة النفايات ومياه الصرف أصبحت من الملفات الإنسانية الحساسة.
وتقول COGAT إنها نسقت إدخال شاحنات جمع القمامة وشاحنات شفط مياه الصرف الصحي، كذلك عملت مع المنظمات الإنسانية على خطط للحد من الأخطار البيئية والصحية المرتبطة بتراكم المياه العادمة والنفايات.
وتقول الرواية الإسرائيلية إن مسؤولية تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي داخل غزة تقع بصورة أساس على السلطات والجهات المدنية العاملة داخل القطاع، وإن استمرار الحرب والعمليات العسكرية أضعف قدرة هذه المؤسسات على أداء وظائفها.
المساعدات الطبية
في المقابل، ترفض إسرائيل القول إن القطاع تُرك من دون إمدادات طبية، إذ بحسب منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي، دخل إلى غزة منذ بداية الحرب عشرات آلاف الأطنان من المستلزمات الطبية، كذلك جرى التنسيق لإخراج مرضى ومصابين للعلاج في دول أخرى.
ويضيف "عمليات التنسيق لم تقتصر على دخول الأدوية، بل شملت دعم المستشفيات ومصارف الدم والمولدات والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي في المنشآت الطبية".