Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتغير خريطة أمراضنا خلال الحروب؟

تعد النساء الفئة الأكثر تأثراً والمشكلات الصحية قد لا تظهر مباشرة

ثمة تغيير ملحوظ يسجل في خريطة الأمراض في زمن الحرب، وهي لا ترتبط حصراً بالاضطرابات النفسية كما قد يعتقد كثر (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

تزيد معدلات الإصابة بعدد من الأمراض خلال الحرب، منها أمراض الجهاز الهضمي ومشكلات ترتبط بالقلب والأوعية الدموية والدماغ، على رغم أن قلائل يربطون بينها وبين الحرب، فيما يعد التوتر الناتج من الحرب سبب هذه المشكلات الصحية غالباً.

لا تترك الحرب أثرها في الحجر فحسب، بل على صحة الإنسان أيضاً، فتحدث تغييرات كبرى فيها. وإذا كان الدمار من تداعياتها المباشرة والواضحة، إلى جانب الوفيات التي تسجل فيها، تعد آثارها المدمرة على الصحة الجسدية والنفسية من النتائج التي لا يتنبه إليها الكل، حتى إن الصلة بين التغييرات التي تسجل على مستوى الصحة والحرب لا تبدو واضحة للكل للوهلة الأولى.

على رغم ذلك، هناك تغيير أكيد يسجل ضمن خريطة الأمراض في فترة الحرب وفق ما يلاحظه الأطباء في المعاينات التي يقومون بها في عياداتهم. علماً أن معظم هذه النتائج ترتبط إلى حد كبير بالتوتر الذي تخلفه الحرب، وبما لها من آثار على الصحة النفسية تظهر من خلال مشكلات وأعراض جسدية سواء بصورة مباشرة وسريعة أو على المدى الأبعد.

أمراض خلفتها الحرب

في الحروب والمعارك، تسجل عادة الوفيات والإصابات الناتجة من القصف من إعاقات وحروق وغيرها، ويكون هناك تعداد دقيق لها، لكن لا تسلط الأضواء بصورة منصفة على المشكلات الصحية والأمراض التي تنتج من ظروف الحرب.

مع بداية الحرب في لبنان، جرى التركيز على الأمراض التي من المتوقع أن تنتشر في مراكز الإيواء بسبب ظروف النزوح والاكتظاظ، وهي بالفعل من الأخطار المتوقعة في فترة الحرب بسبب فقدان معايير النظافة الأساس والاكتظاظ في المراكز، إلا أنها لا تعد الأخطار الوحيدة التي يمكن مواجهتها.

في الواقع، ثمة تغيير ملحوظ يسجل في خريطة الأمراض في زمن الحرب، وهي لا ترتبط حصراً بالاضطرابات النفسية كما قد يعتقد كثر، بل أيضاً بأمراض ومشكلات جسدية، وإن كانت الإصابة بها قد ترتبط بصورة أو بأخرى بالضغوط النفسية.

ويبدو أن من يعانون أمراضاً أصلاً يشكلون الفئة الأكثر هشاشة في هذه الظروف. يؤكد طبيب العائلة الدكتور ماريو شحروري وجود زيادة ملحوظة في الاستشارات الطبية لمشكلات معينة ترتبط بصورة أو بأخرى بظروف الحرب، وخصوصاً بما تخلفه من قلق وخوف.

وعلى حد قوله، ما يحصل في هذه المرحلة أن الناس عامة يعانون ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات التوتر الزائد، مما يترك أثراً بيولوجياً واضحاً، وبعكس ما يعتقد كثر لا تحصل التغييرات في الجسم كأثر مباشر وسريع للتوتر بكل بساطة، فثمة آلية معقدة ترتبط بتغييرات هرمونية وتفاعلات كيماوية معينة تحصل في الجسم بمستويات متفاوتة بين شخص وآخر لدى التعرض للتوتر. أما الأعراض والمشكلات التي يمكن أن تظهر في مثل هذه الظروف، فتتعلق بوظائف عدة في الجسم. 

زيادة في الاستشارات الطبية لأوجاع في الرأس

من هذه المشكلات تلك المرتبطة بالدماغ والجهاز العصبي والصحة النفسية، إذ بدا واضحاً أن ثمة زيادة في الاستشارات الطبية لأوجاع في الرأس التي ليس لها سبب يبررها، وأيضاً بسبب اضطرابات النوم التي تعد من المشكلات الشائعة جداً في الحرب.

هذا إضافة إلى التعب المزمن وغير المبرر الذي لا تفسير طبياً له، على رغم النوم بمعدلات كافية. من جهة أخرى، تسجل زيادة في صعوبات التركيز نتيجة الإجهاد الذهني المرتبط بالقلق والتوتر في ظروف الحرب. وتبدو هذه المشكلات أكثر شيوعاً وحدة لدى من يعانون أصلاً مشكلات من هذا النوع، ومن تفرض عليهم ظروف عملهم التركيز المتواصل وبمعدلات زائدة.

أيضاً يتوقف الأطباء عند مشكلات في القلب والأوعية الدموية التي تزداد في الحرب، وهنا يتوقف الطبيب شحروري عند تسارع نبضات القلب، وتبدو أكثر شيوعاً بين النساء خصوصاً إذا كن ممن يعانين مشكلات في القلب أصلاً. وتعد المرأة أكثر عرضة للإصابة بتسارع نبضات القلب لأن الهواجس والمخاوف تؤثر فيها بمعدلات كبرى، ولأن استجابة الجسم للتوتر تظهر بهذه الصورة.

في المقابل، يشير شحروري إلى أن اضطرابات النوم الناتجة من التوتر في الحرب تبدو أكثر شيوعاً بين الرجال، وتعد مشكلة الإمساك الناتجة من الحرب أيضاً أكثر شيوعاً بين الرجال.

ومن المشكلات التي تسجل زيادة في معدلات الإصابة بها في الحرب أيضاً، الضيق في الصدر أو الوجع في الصدر، ولو لم يكن الشخص يعاني أي مشكلة في القلب سابقاً. فيبدو وكأنها مشكلة مستجدة لافتة في هذه الفترة بحسب شحروري. واللافت أن الفحوص لا تظهر وجود أية مشكلة لدى من يعاني هذا النوع من الأعراض، وسرعان ما يتبين أن التوتر هو السبب.

وهي ناتجة من التضيق في الأوعية الدموية والتشنج فيها مما يسبب هذا الإحساس المزعج الذي يوحي بالتعرض لذبحة قلبية. وبطبيعة الحال، يعد من يعاني أصلاً مشكلة في الأوعية الدموية أكثر عرضة للإصابة بمشكلة من هذا النوع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ارتفاع ضغط الدم 

أيضاً يعد ارتفاع ضغط الدم من المشكلات التي زادت في فترة الحرب، نظراً إلى تأثير التوتر أصلاً على مستوى ضغط الدم وهي مسألة مثبتة علمياً. واللافت أنه سجلت زيادة في حالات ارتفاع مستويات ضغط الدم حتى لدى من لم يعانوا يوماً مشكلة في هذا الإطار.

أما بالنسبة إلى ضيق النفس، فهذا أمر شائع أيضاً حتى لدى من لا يعانون أي مشكلة في الرئتين أو القلب، وذلك بسبب التوتر الزائد في فترة الحرب، وهي مشكلة يعانيها كثر.

ويضاف إلى ما سبق مشكلات المعدة والجهاز الهضمي، ويعد هذا النوع من المشكلات أولى النتائج المباشرة للتوتر، بحسب شحروري، لأن الأعصاب الموجودة حول المعدة والجهاز الهضمي توازي تلك الموجودة في مختلف مواضع الجسم. لذلك، تسجل في الحرب زيادة في الأعراض التي ترتبط بالجهاز الهضمي والمعدة مثل الغثيان والتقيؤ وانقطاع الشهية، أو بالنسبة إلى قسم من الناس الإفراط في الأكل وزيادة الوزن، إضافة إلى عسر الهضم، والنفخة والغازات وغيرها من مشكلات الجهاز الهضمي. ويمكن أن تنتج من التوتر مشكلات مثل القرحة في المعدة.

وأخيراً هناك زيادة في مشكلات على مستوى المناعة، إذ تتراجع مستويات المناعة نتيجة التعرض للتوتر. وفي مثل هذه الحالات، من السهل التقاط الفيروسات والأمراض، ويشعر كثر بالفعل بتراجع مستويات المناعة لديهم وبالإصابة بالأمراض بصورة متكررة ولفترات طويلة من دون سبب واضح.

حتى إن أوجاع العنق والظهر زادت بصورة ملحوظة في هذه الفترة بسبب التوتر الذي يؤثر في العضلات مباشرة.

استشارات بعد الحرب

قد تظهر المشكلات الصحية الناتجة من الحرب بسبب ما تخلفه من توتر وقلق، مباشرة وسريعاً في ظل الضغوط النفسية التي يُتعرض لها. لكن يبدو لافتاً بالنسبة إلى شحروري أن الناس لا يستشيرون الطبيب في الفترة الأولى أو خلال الحرب، بل إنهم يتنبهون لهذه التداعيات الصحية بعد انتهاء الحرب. على سبيل المثال، قد تظهر اضطرابات النوم الشائعة خلال الحرب لكنها تطول وقد تستمر لفترة طويلة ويُلجأ عندها إلى طبيب لمعالجتها.

ويميز شحروري هنا بين من يعرف أصلاً أنه يعاني مشكلة معينة وقد تكون تحت السيطرة، وتتفاقم الحال لديه أو يعاود ظهور الأعراض خلال الحرب فيكون أول من يلجأ إلى الاستشارة الطبية، ومن يعاني مشكلة لكنها لا تظهر مباشرة خلال الحرب ومن الممكن أن يتأخر أكثر في طلبها.

أما بالنسبة إلى المراهقين فتظهر تداعيات الحرب عليهم بصورة متأخرة. هذا، فيما تعد النساء أول من يلاحظ وجود مشكلة ما في مرحلة كهذه أو في أي أزمة، وأول من يعبر عنها. لذلك، ترتفع معدلات النساء اللاتي يلجأن إلى الاستشارة الطبية لتشخيص مشكلات معينة يعانينها وتكثر المشكلات التي تشخص لديهن في مثل هذه الحالات، خصوصاً مع زيادة المسؤوليات الملقاة على عاتقهن.

اقرأ المزيد

المزيد من صحة