Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترمب في مواجهة "حراس السندات"... معركة قد تهز الاقتصاد العالمي

تضخم الدين الأميركي إلى 40 تريليون دولار يدفع إدارة واشنطن إلى التدخل لدعم سوق أدوات الدين السيادية ومخاوف من ارتفاع كلفة الاقتراض

وصلت عوائد السندات في الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وفرنسا إلى أعلى مستوياتها منذ 2008 (اندبندنت عربية)

ملخص

تدخلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشراء مزيد من السندات الحكومية طويلة الأجل، في محاولة لتهدئة الأسواق وكبح ارتفاع العوائد

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب معركة جديدة مع سوق السندات الأميركية، في وقت يتضخم الدين العام إلى مستويات قياسية وتتزايد المخاوف من اهتزاز الثقة بأكبر سوق للديون السيادية في العالم.

ويأتي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في قلب هذه المواجهة، بعدما شهدت أسواق سندات الخزانة اضطرابات حادة دفعت الإدارة إلى التدخل لاحتواء ارتفاع العوائد.

وقبل أيام، قرر بيسنت مضاعفة مشتريات وزارة الخزانة من السندات الحكومية طويلة الأجل خلال الأشهر المقبلة إلى 4 مليارات دولار، في محاولة لدعم أسعارها وخفض عوائدها، أي الفائدة التي تدفعها الحكومة الأميركية مقابل الاقتراض.

وتقوم الفكرة على زيادة الطلب على السندات لرفع أسعارها وخفض عوائدها، وهو ما يمكن أن يوفر للحكومة، حتى مع تراجع محدود في العوائد، مبالغ ضخمة من كلفة خدمة الدين.

لكن المحاولة الأولى لم تحقق النتائج المرجوة بالكامل، إذ تراجعت العوائد عقب الإعلان قبل أن تعود إلى الارتفاع سريعاً، مما دفع بيسنت إلى الإشارة إلى إمكان شراء مزيد من السندات والبحث عن وسائل لخفض الاقتراض الحكومي.

"إذا أصيبت أميركا بالزكام"

حاول ترمب التقليل من أهمية اضطرابات سوق السندات، مؤكداً أن الاقتصاد الأميركي في وضع جيد، ومشيداً بقدرة وزير خزانته على التعامل مع الأسواق.

لكن كبير الاقتصاديين في شركة "آر أس أم" جوزيف بروسويلاس، حذر من أن تداعيات أي أزمة في سوق الديون الأميركية لن تتوقف عند حدود الولايات المتحدة. وقال بروسويلاس لصحيفة الـ"تلغراف"، "أميركا إذا أصيبت بالزكام، فسيصاب الجميع بالالتهاب الرئوي"، مضيفاً "ارتفاع كلفة الاقتراض في الولايات المتحدة قد يدفع عوائد السندات في دول أخرى إلى الصعود، ويزيد كلفة الرهون العقارية والقروض، ويقلص الإنفاق على البنية التحتية والخدمات العامة، وقد يجبر الحكومات على الاختيار بين خفض الإنفاق أو رفع الضرائب".

ويبدو أن ما يعرف في الأسواق بـ"حراس السندات" عاد إلى الواجهة، وهم المستثمرون الذين يعاقبون الحكومات التي يرون أن سياساتها المالية غير مستدامة من خلال بيع سنداتها والمطالبة بعوائد أعلى مقابل تمويلها.

عوائد عند مستويات ما قبل الأزمة

وصلت عوائد السندات في الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وفرنسا إلى أعلى مستوياتها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 و2008.

وخلال الأعوام التي أعقبت الأزمة، تمكنت الحكومات الكبرى من الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة للغاية، مما شجعها على تراكم الديون، لكن هذه المرحلة تبدو الآن في طريقها إلى النهاية.

وتجاوز الدين الحكومي الأميركي هذا الأسبوع 40 تريليون دولار، بينما لا يزال عجز الموازنة قريباً من ستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، على رغم أن بيسنت يستهدف خفضه إلى ثلاثة في المئة بحلول عام 2028.

وتزداد صعوبة تحقيق هذا الهدف مع استمرار الخفوض الضريبية وزيادة الإنفاق التي تبنتها إدارة ترمب، إلى جانب ارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والدفاع.

ومن المتوقع أن يصل الدين الحكومي الأميركي إلى نحو 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد المقبل، متجاوزاً المستويات التي سجلها عقب الحرب العالمية الثانية.

خليط قابل للاشتعال

يرى مدير المحافظ الاستثمارية في "دبل لاين كابيتال" بيل كامبل، أن الأسواق تواجه مزيجاً شديد الخطورة من العوامل، مع استمرار التضخم والحروب والتوترات الجيوسياسية وتأثر إمدادات الطاقة بالنزاعات وتصاعد الحروب التجارية.

وفي الوقت نفسه، لم تعد البنوك المركزية تشتري السندات الحكومية كما فعلت خلال الأزمة المالية وجائحة كورونا، بل بدأت تقليص حيازاتها، مما يزيد المعروض من السندات ويدفع عوائدها إلى الارتفاع.

وتسحب طفرة الذكاء الاصطناعي مئات المليارات من الدولارات بعيداً من أسواق السندات الحكومية، مع توجه المستثمرين إلى شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات.

وبدأت جهات كانت من كبار مشتري السندات الأميركية، مثل الصناديق السيادية الخليجية والبنوك الصينية وشركات التأمين اليابانية، في توجيه مزيد من استثماراتها إلى أسواقها المحلية.

ويقول كامبل إن العالم "بنى علبة ضخمة من البنزين" نتيجة هذه العوامل، لكن لا أحد يعرف ما الشرارة التي يمكن أن تشعلها.

أما المحلل المالي محمد العريان، فيرى أن الأسواق دخلت مرحلة "الضوء الأصفر الوماض"، محذراً من احتمال تحولها إلى الضوء الأحمر إذا ظهرت أزمة مالية جديدة أو انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي أو وقع حدث مفاجئ من نوع "البجعة السوداء".

بريطانيا وفرنسا واليابان أمام الاختبار

تواجه بريطانيا معضلة مشابهة، إذ إن ارتفاع عوائد سنداتها يزيد كلفة خدمة الدين ويحد من قدرة الحكومة على تمويل برامجها الاقتصادية.

ويقول بروسويلاس إن المملكة المتحدة تدفع بالفعل أعلى علاوة أخطار بين دول مجموعة السبع، مما يجعل هامش المناورة المالية أكثر ضيقاً، ويضع الحكومة أمام خيار خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب، وهي سياسة تعني عملياً العودة إلى "التقشف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي فرنسا، تسعى الحكومة إلى خفض العجز من 5.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى ثلاثة في المئة بحلول 2029، لكنها تواجه برلماناً منقسماً وصعوبة في تمرير الإصلاحات.

أما اليابان، التي تتجاوز فيها نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي مثلي النسبة المسجلة في فرنسا وبريطانيا، فتسير في الاتجاه المعاكس من خلال الخفوض الضريبية وزيادة الإنفاق لتحفيز الاقتصاد، وهي سياسة يرى كامبل أنها تنطوي على أخطار كبيرة إذا لم تؤد إلى نمو قوي.

ترمب يجرب كل الخيارات

تحاول إدارة ترمب استخدام أدوات متعددة في الوقت نفسه. فقد بدأت بمحاولات خفض الإنفاق، وتعهد بيسنت بتقليص العجز إلى النصف بحلول عام 2028، واستعان ترمب بإيلون ماسك لإجراء خفوض واسعة في الإنفاق الحكومي، لكن النتائج كانت محدودة.

ثم انتقلت الإدارة إلى مسار مختلف عبر حزمة من الخفوض الضريبية وزيادة الإنفاق تبلغ نحو 4 تريليونات دولار.

ومع تصاعد الضغوط، أصبح خفض كلفة خدمة الدين أولوية رئيسة لبيسنت. ومن المتوقع أن تبلغ مدفوعات الفائدة على الدين الأميركي 3.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ 2.1 في المئة.

وعندما أعلن بيسنت مضاعفة مشتريات السندات طويلة الأجل، انخفض عائد السندات لأجل 30 عاماً بنحو 0.1 نقطة مئوية، وهو أكبر تراجع يومي خلال عام، لكن الانخفاض لم يستمر طويلاً.

ويرى كبير استراتيجيي الاستثمار العالمي في "بي جي آي أم" غييرمو فيليسيس، أن تدخل بيسنت يمثل "سلاحاً ذا حدين"، لأنه قد يحد من المضاربات على انخفاض السندات، لكنه لن يغير نظرة المستثمرين طويلي الأجل إلى وضع المالية العامة الأميركية.

الدولار والذهب في قلب التداعيات

قد يؤدي التدخل لدعم سوق السندات إلى آثار جانبية، إذ أسهمت محاولة خفض العوائد في الضغط على الدولار، وأعادت التساؤلات حول مستقبله كعملة احتياطة رئيسة في العالم، وارتفع الذهب وسط مخاوف التضخم وتراجع الثقة في الأصول المالية التقليدية.

ولا يستطيع بيسنت الاستمرار في شراء السندات طويلة الأجل إلى ما لا نهاية، لأن تمويل هذه المشتريات يتطلب إصدار مزيد من الديون قصيرة الأجل، مما يعني أن جزءاً أكبر من الدين سيحتاج إلى إعادة تمويل بصورة متكررة وبأسعار السوق.

وتزداد حساسية السوق مع امتلاك صناديق التحوط نحو 8.5 في المئة من جميع سندات الخزانة الأميركية، بينما يحتاج نحو خمس الدين الأميركي إلى إعادة تمويل خلال فترات قصيرة.

اقرأ المزيد