ملخص
بعد قصف إسرائيلي استهدف مستشفى ناصر، هرع الصحافيون وفرق الإنقاذ إلى المكان لإسعاف الضحايا، قبل أن تقصف القوات الإسرائيلية الموقع مجدداً بعد دقائق، مما أودى بحياة مريم أبو دقة وآخرين، وسط أدلة تثير شبهة التعمد والتنسيق المسبق. وبعد عام، لا يزال التحقيق المستقل غائباً، رغم أن خبراء في القانون الدولي يرون أن الوقائع قد ترقى إلى جرائم حرب تشمل تعمد استهداف المدنيين وتنفيذ هجوم لا تتناسب خسائره في صفوف المدنيين مع الهدف العسكري المزعوم.
9.30 صباحاً - 25 آب (أغسطس) 2025
على وقع قصف متواصل بنيران قاتلة مصدرها دبابات إسرائيلية، كانت مريم أبو دقة تتشارك مع الصحافية براء لافي صديقتها المقربة وزميلتها في السكن، ما تبقى لديها من مخزون شحيح من القهوة.
إنه يوم اثنين آخر في هذه المذبحة التي لا هوادة فيها. الصحافية البالغة من العمر 33 عاماً والتي تعمل لصالح "اندبندنت عربية" ووكالة "أسوشيتد برس"، كانت تجلس في مبنى تعرّض لتدمير جزئي، وكانت تتشاركه مع صحافيات أخريات في منطقة "خان يونس" جنوب غزة. وفي وقت ما خلال هذه الحرب، كانت جرافات الجيش الإسرائيلي قد شقت طريقها عبر جانب من الجدار، الذي جرى ترميمه لاحقاً بالركام والإسمنت والحجارة. وتقول براء إن الغرفة كانت "مدمرة ومخربة". لكنها إلى اليوم، هي دارها.
كانت المرأتان تتحدثان عن تقريرهما الإخباري المشترك الأخير حول الاكتظاظ في "مستشفى ناصر"، المؤسسة الطبية الواقعة على الجانب الآخر من الشارع. وكانتا قد أجرتا مقابلة مع صديقتهما أماندا، وهي ممرضة كندية فلسطينية في قسم الطوارئ ومتطوعة دولية، وتصادف أن إسم عائلتها ناصر.
قطعت حديثهما مكالمة من والدة براء للاطمئنان عليهما. فطمأنتاها إلى أنهما بخير. لكن الحقيقة أن مريم لم تكن بخير على مدى أسابيع. فقد كانت مشتاقة للغاية لإبنها الوحيد غيث، البالغ من العمر 14 عاماّ، والذي تمكنت من إرساله من قطاع غزة إلى الإمارات العام الماضي. وكانت في المقابل ما زالت تعيش في حال حزن على فقدان والدتها التي توفيت في مايو (أيار) العام 2024 وسط القصف، جراء مرض السرطان، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم حصولها على العلاج. أما والدها، الذي تبرعت له مريم بإحدى كليتيها قبل الحرب، فلم يكن في حال جيدة هو الآخر. وكانت الأسرة - شأنها شأن عائلات كثيرة في قطاع غزة - قد فقدت منزلها في "خان يونس"، وتعرضت لنزوح قسري مرّات عدة، ونجت من الجوع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي ظل أجواء الموت المحيط بها، كتبت مريم سراً وصية لإبنها وتركتها مع صديقتها براء. وقبل ثلاثة أيام من ذلك، كانت قد بعثت أيضاً برسالة صوتية إلى هادي الطرفي، محررها في موقع "اندبندنت عربية"، تحذره فيها من أنها قد تضطر إلى الفرار للمرة الرابعة. وكان العاملون في "مستشفى ناصر" قد أبلغوا الصحافيين - في تكرار لنمط بات مألوفاً تتبعه إسرائيل في قصف المستشفيات وتطويقها وفرض الحصار عليها - بأن "مستشفى ناصر" والمنطقة المحيطة به سيكونان الهدف التالي.
قالت في ذلك التسجيل قبل أن تنقطع كلماتها بسبب نوبات سعال عميقة هزت صدرها: "آمل أنكم ما زلتم تعرفون مكاني، أليس كذلك؟ لا أعرف إلى أين أذهب. ليس لدي مكان أذهب إليه".
داخل المستشفى، كانت أماندا ناصر - التي تطوعت للعمل مع المؤسسة الطبية الخيرية الكندية "غليا" GLIA - تشعر بالاستياء، لأنه كان عليها أن تغادر المكان للانضمام إلى قافلة. فقد تم إبلاغ جميع الأطباء الدوليين في المستشفى في الليلة السابقة بوجوب حضور تدريب إلزامي تجريه "منظمة الصحة العالمية" حول العنف القائم على النوع الاجتماعي، خارج المستشفى.
أجنحة المستشفى الخانقة التي تفوح منها رائحة الموت والتحلل، كانت مزدحمة ازدحاماً يفوق طاقتها الاستيعابية، لذلك بدت مغادرة أي فرد من الطاقم الطبي للموقع أمراً غير منطقي. وتستذكر قائلة: "في العادة يمكننا تلقي (التدريب) من خلال نوع من الدروس التي نستطيع متابعتها من بُعد عبر الإنترنت. كما أن العنف القائم على النوع الاجتماعي هو مشكلة تحدث هنا أيضا. لكن من الواضح أننا كنا وسط إبادة جماعية".
متطوع دولي آخر من مؤسسة "غليا"، وهو طبيب التخدير الدكتور ترافيس ميلين، كان هو الآخر يستهجن الأمر بالمقدار نفسه. فذلك اليوم كان آخر يوم له في غزة، ولماذا يحتاج للخضوع لهذا التدريب الآن؟
يتذكر قائلاً: "عادة ما يُجرى التخطيط للأمور مسبقاً. وما بدا غريباً بالنسبة إلينا أنهم قالوا لنا فجأة: "مهلاً.. هناك تدريب إلزامي الآن".
في الخارج، كان فناء المستشفى الذي تحول الآن إلى مدينة خيام تعج بالحركة، يستفيق تحت حرارة الصباح الصيفية الحارقة. وقد نصب أفراد مدنيون، فروا من منازلهم المدمرة في أنحاء القطاع الممتد على 40 كيلومترا، خيامهم داخل مجمّع يُفترض وفق موجبات القانون الدولي أن يكون محصناً.
نشأ في المكان نظام حياة متكامل: فعند البوابة الرئيسية، كان الناس يبيعون ما يتوافر من مؤن شحيحة، ومن بين هؤلاء علي أبو لطيفة. الخيمة الأكبر في باحة المستشفى كانت طويلة، تعلوها أغطية قماش مشمع ذات لون أزرق فاتح، وتمتد على طول الجانب الشرقي للمجمّع. وقد خُصصت للصحافيين الذي شُرّدوا هم أيضا، وباتوا يعيشون فعلياً هنا.
9.45 صباحاً
داخل هذه الخيمة، كان الصحافي المستقل عبد الله العطار البالغ من العمر 27 عاما، ومصور الفيديو معاذ أبو طه الذي استقطب قاعدة واسعة من المتابعين له على وسائل التواصل الاجتماعي، يستريحان بين تقرير وآخر. وكان عبد الله يتقلب بين النوم واليقظة في غفوات متقطعة، فيما لا ينقطع أزيز طائرات المراقبة الإسرائيلية المسيّرة في الأجواء فوقهما.
مراسل قناة "تلفزيون الغد" المخضرم إبراهيم قنان، الذي يبلغ 53 عاماً، التجأ هو الآخر إلى الخيمة للاحتماء من الحر. هذا الرجل ينظر كثيرون إليه باعتبار أنه بمثابة أب روحي للمراسلين الأصغر سنا.
كان يتحدث إلى مصور وكالة "رويترز" حسام المصري، البالغ من العمر 49 عاماً وهو أب لأربعة أطفال، وقد انتابه قلق من أن تتسبب أشعة الشمس القاسية بارتفاع حرارة كاميرته وتعطيل البث المباشر على الدرج الخارجي في الجانب الشرقي من المستشفى. غادر حسام المكان ليتفقد الكاميرا ويعيد ضبطها، فيما كان إبراهيم يستعد لبثه المباشر عند الساعة العاشرة صباحاً في الجهة المقابلة. وتبادل الصديقان الوداع.
توجه حسام عبر الشارع إلى الدرج الإسمنتي الخارجي الشرقي، المعروف بأنه "درج الطوارئ"، والذي أصبح، تحت مظلة خشبية، نقطة تجمع معروفة للصحافيين لإجراء المداخلات المباشرة، أو تدخين سيجارة، أو التقاط إشارة الهاتف خلال الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي.
جدير بالذكر هنا أنه قبل نحو أسبوع ونصف، التقطت مريم أبو دقة صورة لحسام وهو يقف إلى جانب كاميرته وقد غطاها بسجادة صلاة خضراء وبيضاء لحمايتها من الحرارة. وكانت مريم تقضي معظم أيامها هناك أيضا، تراجع منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وتبعث بتقاريرها الإخبارية.
في الواقع، يبدو أن مريم نفسها هي التي ظهرت في تسجيلات التقطتها طائرة مراقبة إسرائيلية بلا طيار قبل أربعة أيام، وفقاً للقطات شاشة حصلت عليها "اندبندنت". كانت تجلس في جوار قاعدة الكاميرا والعدسة، رأسها منحن، وهي منهمكة في النظر إلى هاتفها.
الصورة قدمها رافاييل حايون وهو إسرائيلي مدني يقول إنه يراقب الوضع في غزة، لكنه رفض الكشف عن مصدرها، مدعياً أنها تظهر كاميرا تابعة لحركة "حماس" تعرّض الجنود الإسرائيليين للخطر.
لكن وكالة "رويترز" أكدت لاحقاً أن تلك الكاميرا كانت مخصصة لبثها المباشر من "خان يونس"، وأن الجيش الإسرائيلي كان يعلم بوجود فرق تابعة للوكالة تعمل داخل "مستشفى ناصر." وقالت وكالة الأنباء البريطانية إن البث المباشر كان قد التقط خلال الأيام التي سبقت الضربة، مشاهد لجرافات الجيش الإسرائيلي وهي تدمر أجزاء من جنوب غزة.
10.09 صباحاً
سماهر التي تبلغ من العمر 39 عاماً هي زوجة حسام المصري، وقد اتصلت بزوجها بينما كان يقف إلى جوار كاميرته على الدرج. تمكنت للتو من شراء بعض الخضروات بسعر باهظ جدا، وكانت تحتاج منه أن يحوّل بعض المال إلى حسابهما. بدا حسام متعباً ومنهكا. وفي الآونة الأخيرة، كانت سماهر - التي تصارع إصابتها بسرطان المبيض في منطقة محاصرة لا يتوافر فيها العلاج - تشعر بالقلق من أن زوجها بات سوداوياً أكثر فأكثر.
قال لها مجدداً وقد غلب عليه اليأس: "أريد فقط أن أستريح. أريد أن أستشهد كي أتمكن من أن أستريح أخيرا".
لكن حديثهما انقطع فجأة. فقد هزّ المكان انفجار هائل، وانقطع الاتصال الهاتفي.
كان مراسل "تلفزيون الغد" إبراهيم قنان، يقف عند المدخل الشرقي للمجمّع، مستعداً للظهور على الهواء في بث مباشر، عندما شق الأجواء انفجاران يصمّان الآذان.
سقطت إحدى القذيفتين على الجانب الشمالي للمستشفى، واخترقت ما تلقَب بـ "تايتانيك" - وهي مساحة مشتركة تحيط بها نوافذ كبيرة قرب غرفة العمليات، يستريح فيها عادة أفراد الطواقم الطبية بين العمليات الجراحية. أما القذيفة الثانية فاخترقت الدرج الخارجي في الطابق الرابع.
استطاع إبراهيم أن يرى من خلال عدسة كاميرته، فتحة بعرض نحو متر اقتُلعت من الدرج، في المكان نفسه تماماً الذي كان يقف فيه صديقه حسام قبل لحظات. وفي مكانه، لم تعد تشاهَد سوى سحابة من الرماد والغبار.
بعث إبراهيم على الفور برسالة إلى الاستوديو الرئيسي لـ "تلفزيون الغد" في القاهرة طالباً الانتقال إليه حالاً بالبث. وكرر مذهولاً: "المستشفى يتعرض للقصف".
في خيمة الصحافيين، استيقظ الصحافيان عبدالله العطار ومعاذ أبو طه على وقع الانفجارات. لم يجد عبدالله حتى الوقت لانتعال حذاء مناسب، وانطلق مع معاذ باتجاه موقع الانفجار. وبينما كانا يركضان، سألهما إبراهيم عما يحدث. ولم يستطع معاذ أن يقول سوى: "حسام، حسام، حسام".
هزّ الانفجاران أيضاً المباني المقابلة. أمسكت براء بسترتها الصحافية واندفعت خارج الشقة أسرع من مريم، وهي لا تزال تنتعل خفيها. وقبل أن تغادر، التفتت إلى صديقتها التي كانت لا تزال تجمع أغراضها وقالت: "سأسبقك إلى هناك، تمام؟".
كان حاتم عمر - وهو متعاقد آخر مع وكالة "رويترز" - يُهرع أيضاً نحو موقع الانفجار، ويقوم بتصوير الحشود التي كانت تتوجه إلى موقع القصف وتبتعد عنه في الوقت نفسه. ووسط حال الفوضى، عبر أمامه أحمد أبو عزيز الصحافي المتعاون مع موقع "ميدل إيست آي" الإخباري البريطاني، معتمراً قبعة سوداء، وكان هو أيضاً كان يقوم بالتصوير بهاتفه المحمول.
وسط الفوضى، انقسم الصحافيون من غير قصد إلى مجموعتين. بدأ حاتم وأحمد ومعاذ ومريم، إلى جانب مصور "تلفزيون فلسطين" جمال بدح ومحمد سلامة الذي يعمل مع شبكة "الجزيرة"، بالصعود عبر الدرج في اتجاه جثمان حسام. أما الآخرون - من بينهم إبراهيم الشقيق الأصغر لمحمد سلامة وهو صحافي أيضاً وبراء - فبقوا يصورون مدخل قسم الطوارئ في الطابق الأرضي.
علي أبو لطيفة شاهد من داخل كشكه قرب المدخل، مجموعة من المدنيين النازحين المقيمين داخل المجمّع وقد وصلوا إلى الطابق الرابع وهم يصرخون: "هناك شهداء، هناك شهداء!". فقام بشكل غريزي بالانضمام إليهم للمساعدة في نقل الجرحى إلى الأسفل، في ممارسة أصبحت مألوفة لدى أهالي غزة واضطر الجميع إلى تعلمها.
عندما وصل إلى المكان، رأى رجلاً يرتدي قميصاً بلا أكمام وينتعل خفّين، كان يرفع امام الحشود في الأسفل بقايا ما بدا أنها كاميرا حسام المدمرة وأجهزة البث المباشر الخاصة به.
وسط الارتباك الذي ساد، بدأ الناس يلاحظون وجود مسيرة إسرائيلية رباعية المراوح تحلق في الجو فوقهم، وقد صرخ أحدهم: "هناك طائرة أخرى، قد يقصفوننا، انزلوا"!".
اندفع علي إلى أسفل الدرج خوفاً من ضربة أخرى وشيكة، وفي طريقه تقاطع مع جارته وصديقته مريم، التي كانت حريصة على التغطية. كانت تضع على رأسها حجاباً أبيض وترتدي عباءة سوداء. وكعادتها، كانت مريم من أوائل الذين وصلوا إلى الموقع. وكانت أيضاً المرأة الوحيدة الموجودة على الدرج.
10.10 صباحاً إلى 10.16 صباحاً
الدكتور محمد صقر مدير التمريض في "مستشفى ناصر"، كان يستفيق من ذهوله على أثر ذلك الدوي الهائل الذي وصفه بأنه أشبه بـ "زلزال". نظر من نافذة مكتبه في مبنى آخر، فرأى الدخان يتصاعد من الجهتين الشمالية والشرقية لمبنى ياسين، الذي يضم ثلاثة من أهم الأقسام الحيوية في المستشفى هي: قسم الطوارئ، وغرف العمليات، والعناية المركزة. فسارع للاطمئنان على طواقمه.
وفي طريقه إلى قسم الاستقبال في الطابق الأرضي، صادف سجى، وهي إحدى طالباته في الطب، مغطاة بالدماء وهي تترنح أثناء نزولها من الطابق الرابع. ففي الجهة الشمالية، كانت إحدى القذائف قد اخترقت الجدران وأصابت أفراداً من الطواقم الطبية أثناء عملهم.
تعرضت سجى لإصابة في رأسها، وقامت بتسليم ملابسها الطبية الملطخة بالدماء إلى مدير التمريض، الذي حملها إلى الأسفل ليعرضها أمام الصحافيين المنتظرين، وأمام العالم بأسره.
وكانت براء تصور بهاتفها عندما دخل الدكتور صقر في إطار الكاميرا وهو يحمل الملابس الطبية. وقال، وقد بدا عليه الهول: "هذه الثياب كانت لممرضة تنتظر داخل قسم العمليات. لقد تم استهدافها".
على بعد بضع مئات من الأمتار، في المقر المحلي للدفاع المدني، كان الفريق يبدأ مناوبته التي تستمر أربعاً وعشرين ساعة. وكان يقودهم الرائد رائد محمود صقر، رجل الإنقاذ المخضرم ورئيس الإطفاء.
وصل إلى الموقع برفقة سائقي الإسعاف أحمد صيام وباسم أبو نمر وأسامة مصبح، إضافة إلى عماد الشاعر، الذي كان قد أنهى مناوبته للتو، لكنه على رغم ذلك انضم إليهم للمساعدة.
وصلت المجموعة إلى الدرج في الطابق الرابع من المبنى، بعد أقل من خمس دقائق من القصف. وكان الجميع - باستثناء عماد - يرتدون سترات برتقالية شديدة الوضوح ومميزة للدفاع المدني. أخذوا يجمعون أشلاء الجثث التي قال أحمد لاحقاً إنها كانت "متناثرة في كل مكان" وسط بركة من الدماء.
كان هناك في تلك اللحظة أكثر من عشرين شخصاً موزعين على مستويات مختلفة من الدرج، إضافة إلى آخرين في الطابق الأرضي. وكانت العملية تُبث مباشرة على الهواء وتُصور من زوايا متعددة، فيما كان صحافيون يعملون لبعض أكبر وكالات الأنباء في العالم يغطون ما يحدث. وكان من الواضح أن عملية إنقاذ كاملة قد بدأت بالفعل.
حاتم عمر الذي يعمل مع وكالة "رويترز" (والمعروف مهنياً بإسم حاتم خالد)، كان يقف عند أعلى نقطة من الدرج مرتدياً قميصاً أحمر وبنطال جينز، وإلى جانبه محمد سلامة. الجدران خلفهما كانت تحمل آثار ارتطام شظايا عالية السرعة، التي انتشر من مركز الضربة إلى الخارج كأنها رسومات ماندالا دائرية من الدموع.
وبينما كانت كاميرا الصور معلقة حول رقبته، كان حاتم ينتقل بخفة بين التقاط الصور لما يجري وتسجيل المشاهد الدامية بهاتفه المحمول. وقد التقطت كاميرته محمد وهو يبدأ النزول عبر الدرج باتجاه مريم وأحمد أبو عزيز ومعاذ أبو طه وعامل الدفاع المدني أسامة مصبح، الذي كان يعتمر خوذة ويقف في المستوى الأدنى.
عاد حاتم إلى هاتفه المحمول، وبدأ ينزل بحذر نحو فرق الإنقاذ ليحصل على لقطة أقرب. وفي الوقت نفسه، نادى الرائد صقر على فريقه في الأسفل طالباً المزيد من أكياس الجثث.
10.17 صباحاً
فجأة، دوى انفجاران هائلان كانا متقاربين في التوقيت إلى درجة أنهما اندمجا تقريباً في نبضة واحدة قاتلة، ومزقا الأجواء والهواء والصوت والضوء معا.
غمرت كتلة من الغبار والخرسانة وشظايا المعدن والخشب البث المباشر الذي كان يقوم به إبرهيم لـصالح "تلفزيون الغد". وقد أخذ يصرخ على الهواء وهو في حال من الصدمة، بجمل غير مكتملة: "يا إلهي ... أفراد الدفاع المدني، اختفوا. لقد قتلوا الناس. الدفاع المدني، اختفوا".
أما هاتف حاتم المحمول، الذي استمر في التصوير، فابتلعه الانفجار. وظهر على يسار الشاشة طيف ذراع ترتدي سترة برتقالية عاكسة للضوء. أما الصوت فكان صامتاً على نحو مرعب.
كان قد مرت حتى تلك اللحظة نحو سبع إلى ثمان دقائق على الانفجار الأول، وهي مدة كافية تماماً لتجمع الطواقم الطبية وعمال الإنقاذ والصحافيين بأعداد كبيرة في المكان.
استعاد جمال بدح وعيه، لكنه لم يكن قادراً على السمع أو الرؤية لمدة نحو 30 ثانية. كان الألم الذي عانى منه شديداً إلى درجة جعلته مقتنعاً بأن ساقيه قد بُترتا. وعندما تمكن أخيراً من فتح عينيه، رأى مريم ملقاة بلا حراك. وكان محمد سلامة قد أصيب في مؤخر رأسه وراح يتقيأ. وعلى أحد الجانبين، كان أحمد أبو عزيز ينزف بغزارة. وفي مكان قريب، كان معاذ أبو طه قد فقد نصف رأسه. أخذ جمال يتوسل تلقي المساعدة من أي شخص.
قال في وقتٍ لاحق: "رأيت ظلاماً دامساً، وسمعت الضجيج من حولي، وشممت رائحة المتفجرات والخشب والخرسانة، ورائحة الجثث، ورائحة الدم".
وفي عز ارتباكه، زحف فوق جسد زميله عماد - الذي علم لاحقاً أنه كان قد قُتل - ظناً منه أنه يجر نفسه في اتجاه مكان آمن.
لكن في الواقع، ومع انقشاع الغبار، ظهر في بث مباشر وهو يمد يديه عبر الجانب المدمر من بئر الدرج ويتقدم ببطء نحو فراغ يمتد لأربعة طوابق. وقال: "كنت على وشك السقوط من أعلى الدرج، لولا أن الناس في الأسفل أخذوا يصرخون بي كي أتراجع خطوة إلى الوراء".
الشظايا استقرت في عينيه، ما جعله غير قادر على الرؤية، وكان الألم لا يُحتمل. أخذ ينادي زملاءه بأسمائهم التي يعرفون بها: "أبو محمود، أبو أحمد، أين أنتم؟ أبو أحمد، أنت هل انت بخير؟". لم يسمع سوى صوت من مكان أعلى منه بقليل يجيبه: "أنا هنا، أسمعك". ثم قال: "بعدها اختفى الصوت. سألته: أين أنت؟ لكن الصوت كان قد انقطع".
في الطابق الأرضي، كان الصحافي إبراهيم سلامة مصاباً وما زال تحت هول الصدمة. كانت كتل الإسمنت والشظايا تنهال على قسم الطوارئ، فتقتل أشخاصاً في الطوابق العليا والسفلى، فيما تناثرت الأشلاء في أرجاء المكان. ولم يكن ثمة ما يشغل بال ابراهيم سوى أمر واحد: شقيقه محمد، الذي كان قد رآه قبل لحظات على بيت الدرج الذي بات الآن مدمّرا.
أما أحمد صيام الذي فقد بصره، فراح يتعثر نزولاً على الدرج، وإلى جانبه شاب لم يكن في وسعه رؤيته هو الآخر. ويقول: "سألته: على ماذا ندوس؟ فأجابني: لا شيء على الإطلاق. لكنني سرعان ما أدركت أننا كنا ندوس فوق أشلاء وجثث".
كان هناك ما لا يقل عن 18 جثماناً مكدّساً في تلك المساحة الضيقة. كما ظهر الرائد صقر في تسجيل مصور وهو يترنح أثناء نزوله الدرج. أما فرق الإنقاذ، فكانت تخشى الصعود مجددا، خشية أن تشن إسرائيل ضربة أخرى.
محمد غندور أحد زملاء مريم في فريق التحرير في "اندبندنت عربية"، كان في إجازة سنوية عندما تلقى على هاتفه إشعاراً بنبأ الضربة المزدوجة التي استهدفت "مستشفى ناصر".
كان آنذاك في لبنان للاهتمام بأفراد من عائلته، بعدما دمرت إسرائيل منزل طفولته في جنوب البلاد، في وقت كانت تخوض فيه حرباً أخرى مع جماعة "حزب الله" اللبنانية المسلحة. وقبل أيام فقط، كانت مريم قد بعثت إليه برسالة للاطمئنان عنه، فهي تدرك تماماً وطأة الضغوط الاستثنائية التي تنطوي عليها رعاية عائلة عاشت لعقود تحت النيران الإسرائيلية.
وسرعان ما بدأ قلقه يتحول إلى هلع: "مستشفى ناصر" هو المكان الذي تعيش فيه مريم. وقد قال موضحاً: "بدأت أبعث إليها برسائل، لكن لم أتلقَّ أي رد. واصلتُ مراسلتها، لكن الاتصال كان مقطوعا".
ومع تعذر الوصول إلى مريم وغياب أي معلومات مؤكدة عنها، كان هادي الطرفي مساعد رئيس تحرير "اندبندنت عربية" يحاول بدوره الاتصال بها بلا توقف، فيما أرسل مراسلاً آخر من مدينة غزة في محاولة لمعرفة ما حدث.
كان الإثنان يصليان ويتضرعان أن تحدث معجزة.
اكتظت غرف الطوارئ بالجرحى والمصابين الذين أخذوا يتوافدون مترنحين والدماء تنزف منهم، مستغيثين طلباً للمساعدة.
في خضم هذا الهلع، كان أفراد العائلات يبحثون بيأس عن أحبائهم. راح إبراهيم يفتش عن شقيقه محمد سلامة، مقتنعاً بأنه لا بد أن يكون قد قُتل في الهجوم، لكنه لم يعثر عليه لا في قسم الطوارئ ولا في المشرحة.
أما براء، وقد تشبّع بنطالها بدمائها، فكانت تبحث عن مريم برفقة شقيق الأخيرة. وعلى رغم تحذيرات من طائرات "كوادكابتر" إسرائيلية كانت تحلق على مسافة "قريبة على نحو غير طبيعي" ما أثار مخاوف من وقوع ضربة ثالثة، صعدت براء بيت الدرج لتعرف ما جرى.
كان أحد جوانب بيت الدرج قد دُمّر بالكامل، فيما بعثر الانفجار ألواح المظلة الخشبية وشرّعها حتى بدت كهيكل سمكة عظمي.
وتقول: "كان الدرج مغطى بالدماء والأشلاء وقطع اللحم المتناثرة في كل مكان. وعندما وصلت إلى الطابق الرابع، التقيت بشابين. نظر إليّ أحدهما وقال: "هل تبحثين عن صديقتك؟ لقد أنزلناها للتو شهيدة. عندها انهرت تماماً".
من موقع البث المباشر المقابل للمستشفى، كان إبراهيم قنان يتوسل الاستوديو أن يسمح له بالمغادرة للاطمئنان على الصحافيين الأصغر سناً الذين كان يشعر بالمسؤولية تجاههم. ويقول: "لم أستطع تمالك نفسي. كنت الأكبر سناً والأكثر خبرة".
وفي قسم الطوارئ، وُجدت براء وآخرون يبكون بحرقة، فيما كانوا لا يزالون عاجزين عن العثور على مريم. وفي إحدى الزوايا، كان حاتم عمر مغطى بالدماء وتحت وطأة الصدمة. بينما كان جمال بداح، الذي بُترت إحدى أطرافه، يُنقل إلى خارج وحدة العناية المركزة.
كانت الجثث في كل مكان. ووصف أحد الشهود العيان المكان لاحقاً بأنه "مشهد من يوم القيامة".
في الزاوية الشمالية الغربية، لمح إبراهيم جثماناً وحيداً لم يكن هناك أحد إلى جواره، وقد غطته ملاءة من ملاءات المستشفى. ويقول: "سألت أحد الأطباء: هل الشخص المسجى تحت الملاءة امرأة؟". وعندما
أومأ الطبيب برأسه، انقبضت أحشاء إبراهيم، فطلب الإذن بالكشف عن وجهها.
كانت مريم. وقال في وصف شعوره: "تخيل شخصاً كنت تتحدث إليه على مدار الساعة، صديقة، كانت تقف أمامك قبل دقائق فقط... وقد أصبحت ميتة".
على مسافة نحو 20 دقيقة بالسيارة، وصل إلى الطواقم الطبية الدولية المشاركة في تدريب "منظمة الصحة العالمية" نبأ تعرض "مستشفى ناصر" للهجوم، بعد وقت قصير من إلزامهم جميعاً بمغادرته ضمن قافلة.
بلغ عدد القتلى نحو 22 شخصا، بينهم خمسة صحافيين وخمسة من المستجيبين الأوائل والعاملين في المجال الطبي. وتقول أماندا: "عندما سمعت أن مريم كانت من بينهم، انهرت. ظللت أردد: "لا، علينا العودة إلى المستشفى الآن".
لكن "منظمة الصحة العالمية" رأت أن عودة الأجانب في تلك الليلة تنطوي على خطورة بالغة، ربما خشية وقوع ضربة أخرى، وربما أيضاً خشية أن يعتقد السكان المحلّيون أن المجتمع الدولي كان على علم مسبق بما سيحدث، وأن أفراده غادروا المكان عمداً.
وتقول أماندا: "ظللت أبكي بلا توقف طوال ساعة كاملة. كانت مشاعر الخوف والغضب تجتاحني. ما حدث واضح تماماً، وكذلك سبب استدراجنا إلى خارج المبنى حتى يتسنى قصف المستشفى. بدا الأمر وكأنه تحذير: أنهم يستطيعون فعل ما يشاؤون".
وتقول إن تحركات المتطوعين الدوليين لا بد أنها كانت منسقة مع الجيش الإسرائيلي في إطار بروتوكول منع التضارب، وبالتالي لا بد أن الجيش كان على علم بها. فهم يتعقبون تحركاتنا كلها".
تابع العالم لحظة بلحظة إسرائيل وهي تنفذ هجوماً مزدوجاً على صحافيين ومستجيبين أوائل وأطباء داخل مستشفى وفي وضح النهار. وحتى لو كان المجتمع الدولي قد بات يتعامل بلا مبالاة قاسية مع معاناة سكان قطاع غزة، فإن ما حدث تجاوز ذلك إلى مستوى آخر.
الجيش الإسرائيلي أصدر في البداية بياناً أعلن فيه فتح تحقيق جديد، مضيفاً أنه "يأسف لأي أذى يلحق بأشخاص غير مشاركين في القتال"، وأنه "لا يستهدف الصحافيين لكونهم صحافيين".
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو - الصادرة بحقه مذكرة توقيف عن "المحكمة الجنائية الدولية" بتهم ارتكاب "جرائم حرب"، من بينها القتل باعتباره "جريمة ضد الإنسانية" - فوصف ما حصل بأنه "حادث مأسَوي"، مدعياً أن إسرائيل "تقدّر عمل الصحافيين والطواقم الطبية وجميع المدنيين".
لكن الأدلة التي جمعتها "اندبندنت" تروي قصة مختلفة. فقد قال الجيش الإسرائيلي لاحقاً إن "لواء غولاني"، وهو أحد ألوية المشاة في إسرائيل، رصد كاميرا قال إن "حركة حماس نصبتها" لمراقبة القوات.
غير أن وكالة "رويترز" أكدت أن تلك الكاميرا كانت في موقع البث المباشر التابع لها، وهو ما أكده أيضاً ستة صحافيين واثنان من أبناء المنطقة، إلى جانب مسعفين دوليين كانوا يعملون في المستشفى. وكانت مريم نفسها قد التقطت صورة للكاميرا، وهي مغطاة بسجادة صلاة، ونشرتها قبل الهجوم بأيام.
ويقول الدكتور صقر، مدير التمريض، إن إسرائيل كانت على اتصال مباشر بطواقم المستشفى، وكان في إمكانها بسهولة إثارة أي اعتراض لديها في شأن أي كاميرا. وأضاف: "إنهم يعرفون أرقام هواتفنا. ولو كانت لديهم أي تحفّظات على أي شيء، لكانوا قد اتصلوا بنا كما يفعلون عادة، ولكنا قد تعاملنا مع أي أمر يثير اعتراضهم".
أما الجيش الإسرائيلي فنشر أسماء ستة أشخاص قال إنهم "إرهابيون" قُتلوا في الضربات التي استهدفت المستشفى.
وكان عمر أبو تيم من بين الأسماء التي نشرها. لكن إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي الذي تديره حركة "حماس" في غزة، قال لـ "رويترز" إن أبو تيم قُتل بالفعل في 25 أغسطس (آب) العام 2025، لكن مقتله لم يكن في "مستشفى ناصر". وتواصلت "اندبندنت" مع الثوابتة، لكنها لم تتلق أي جواب.
وأدرج الجيش الإسرائيلي أيضاً اسم عماد الشاعر، الذي أكد عدد من أفراد الدفاع المدني أنه كان يعمل في الموقع ضمن فريق الإنقاذ. وتمكنت "اندبندنت" كذلك من التعرف إليه في مقاطع فيديو عدة، ظهر فيها بوضوح وهو يشارك في عمليات الاستجابة الطارئة. وبعد الضربة الثانية، أظهرت تسجيلات جثمانه متدلياً من حافة الطابق الرابع حيث كان يعمل.
كما عرّفت صفحة "مستشفى ناصر" على منصة "فيسبوك" شخصاً ثالثاً ورد إسمه في القائمة الإسرائيلية على أنه أحد العاملين في المستشفى. وتحدثت "رويترز" إلى أفراد من عائلتي رجلين آخرين ورد إسماهما في القائمة، وقالوا إنهما كانا يزوران مرضى في المستشفى ويشاركان في جهود الإنقاذ عندما قُتلا في الضربة الثانية.
وتحدثت "اندبندنت" إلى سبعة شهود كانوا في موقع الهجوم وأفادوا بأنهم شاهدوا طائرات "كوادكابتر" تحلق فوق المنطقة مباشرة بعد الضربة الأولى. وصوّر الصحافي المستقل خالد شعث إحداها بعد دقائق قليلة من الهجوم الأول. وقال الشهود إنهم شعروا بأنهم يخضعون لمراقبة شديدة فيما كان الناس يتجمعون على بيت الدرج لتقديم المساعدة ونقل ما يجري.
تحدثت "اندبندنت" أيضاً إلى واشيين اسرائيليين، كلاهما من جنود الاحتياط الذين خدموا في وحدات دبابات في جنوب غزة. وقال أحدهما إن طبيعة الهجوم لا تدل فقط على أنه كان "متعمداً"، بل إن "الأمر يبدو أنه كان مخططاً له بعناية".
وأضاف الإثنان أن استهداف كاميرا يُعد "إجراءً اعتياديا" ولا يتطلب موافقة من قيادة عليا، لكن إطلاق النار على مستشفى مرات عدة كان يستلزم موافقة على مستوى الكتيبة من القيادة الجنوبية.
ويقول الواشي الأول: "كان لا بد من مشاركة عدد كبير جداً من الأشخاص في عملية اتخاذ القرار لاختيار هذا الهدف تحديدا، وهذه الطريقة بعينها في إطلاق النار".
وقال جنديا الاحتياط إن استخدام "أسلوب إطلاق خاص يقوم على قذيفتي دبابة"، بعد نحو 10 دقائق من الهجوم الأول، يعني أنهم "رأوا الحشد بالتأكيد"، ما يشير إلى تعمّد تنفيذ ضربة مزدوجة.
وأضافا: "من المفترض أن تخترق القذيفة الأولى الساتر، فيما تقتل الثانية الأشخاص"، موضحين أن ذلك إجراء متّبع لإحداث أكبر قدر ممكن من الضرر.
وخلص المُبلغ إلى أن ذلك كله يأتي في إطار "ثقافة" تشجع على تحقيق "أكثر النتائج فتكا".
وقال: "إنه ليس خطأ. إنها طريقة متعمّدة تستخدمها حكومتنا... طمست كل شيء وجعلته أكثر التباساً وفوضوية وفتكا".
وأشار إلى أن هذا كان ينطبق بصورة خاصة على خان يونس، حيث خدم ضابط الدبابات، وشعر بأن الجيش الإسرائيلي أبقى قواته هناك "كل هذه المدة لمجرد إحداث هذا النوع من الفوضى".
أما المُبلغ الآخر فقال إن الأمر لا يقتصر على "سهولة الضغط على الزناد"، بل إنه "لا توجد أي مساءلة على الإطلاق".
وتظهر لقطة ثابتة مأخوذة من أحد التسجيلات الواسعة للهجوم، قذيفتين تصيبان الهدف في تتابع سريع، بفاصل زمني أقصر من أن تكونا ناجمتين عن إطلاق دبابة واحدة، ما يشير مجدداً إلى وجود تنسيق.
وأجرت منظمة "إيرشوت" - وهي منظمة غير حكومية تجري تحقيقات صوتية لأغراض الدفاع عن حقوق الإنسان - تحليلاً صوتياً معمقاً للهجوم، قارنت خلاله تسجيلات التقطتها خمس كاميرات على الأقل أثناء الضربة الثانية التي قُتلت فيها مريم.
وقال مؤسس "إيرشوت" لورانس أبو حمدان إن المنظمة ترجح أن المقذوف المستخدم كان قذيفة دبابة من طراز M329 عيار 120 ملم، من تصنيع شركة "إلبيت سيستمز"، وأن إحدى القذائف ضُبطت على وضع مضاد للأفراد، بما "يُنشئ نطاقاً فتاكاً للانفجار".
ومن خلال تحليل الصوت ومسار المقذوفات والمسافة بين لحظة الارتطام وسماع دوي إطلاق المدفع، تمكن المحققون من تقدير المسافة إلى الدبابة التي أطلقت النار وتحديد موقعها: على بعد كيلومترين ونصف شمال شرق المستشفى.
وفحصت "اندبندنت" صور أقمار اصطناعية قدمتها "بلانيت لابس" في 25 أغسطس (آب) 2025، أظهرت وجود قاعدة للدبابات محاطة بسواتر ترابية على بعد كيلومتر ونصف شمال المستشفى، تتمركز فيها ست دبابات.
كما حقق في الهجوم كل من الخبير العسكري كريس كوب - سميث، و أن. آر. جنزن جونز، مدير شركة "آرمامنت ريسيتش سيرفيسز" Armament Research Services الاستشارية المتخصصة في أبحاث الأسلحة والذخائر. وفحص الاثنان شظايا عُثر عليها في الموقع وصورتها وكالة "أسوشيتد برس"، وخلصا إلى أنها أجزاء من قذيفة دبابة إسرائيلية عيار 120 ملم.
وقال جنزن جونز إن التسجيلات المصورة من الموقع "تشير أيضاً إلى استخدام مقذوفات شديدة الانفجار أو "متعددة الأغراض"، وهو ما يُتوقع عند استخدام نيران الدبابات لاستهداف أشخاص داخل مبان".
وقال كيفن جون هيلر، أستاذ القانون الدولي في مركز "الدراسات العسكرية" في "جامعة كوبنهاغن"، إنه بعد فحص الأدلة المتعلقة بالضربة المزدوجة، يمكن لمدعٍ عام أن "يخلص بصورة معقولة" إلى أن منفذي الهجوم ارتكبوا جريمتي حرب تتمثلان في "تعمّد مهاجمة المدنيين وشنّ هجوم غير متناسب، لا سيما في ما يتعلق بالهجوم الثاني".
وتابع: "لم تكن هناك، على سبيل المثال، أي محاولة على الإطلاق لتحذير المستشفى. فثمة واجب واضح تماماً بموجب القانون الدولي الإنساني يقضي بتحذير المستشفى ومنحه وقتاً معقولاً لمعالجة المشكلة المزعومة، أياً كانت".
وتُطرح هنا أيضاً مسألة التناسب، بالنظر إلى أن الهدف الذي تقول إسرائيل إنها سعت إلى تحقيقه كان تدمير كاميرا، في مقابل الخسائر المدنية الهائلة الناجمة عن هجوم مزدوج.
وسأل هيلر: "هل تحتاج حقاً إلى قذيفتي دبابة شديدتي الانفجار لتدمير كاميرا؟".
لم تقع ضربات 25 أغسطس (آب) 2025 بمعزل عن سياق أوسع.
"لجنة حماية الصحفيين" CPJ تقول إن إسرائيل قتلت أكثر من 200 من العاملين الفلسطينيين في مجال الإعلام منذ العام 2023، أي صحافيين أكثر مما قتلت أي حكومة أخرى منذ أن بدأت اللجنة جمع بياناتها في العام 1992. وكانت اللجنة قد حذرت سابقاً من أن الجيش الإسرائيلي يشن حملات تشويه ضد صحافيين، ويتهمهم زوراً بأنهم مسلحون، كما حدث مع أنس الشريف الذي قُتل في عملية اغتيال مستهدفة قبل أسابيع قليلة من هجوم "مستشفى ناصر"، وذلك بهدف "تهيئة الرأي العام للقبول بقتلهم".
وقالت اللجنة: "من خلال إسكات الصحافة، تُسكت إسرائيل أولئك الذين يوثقون ويشهدون على ما تتفق منظمات حقوق الإنسان وخبراء الأمم المتحدة على أنه إبادة جماعية".
وفي تصريحات لـ "اندبندنت"، نفت إسرائيل بشدة على نحو متكرر أنها تستهدف الصحافيين، أو أن أفعالها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
لكن المقّررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي، التي تحقق في الوقت الراهن، في الهجمات على الصحافيين الفلسطينيين، قالت إن عمليات القتل في الضربة المزدوجة على "مستشفى ناصر" تندرج ضمن نمط من "جهدٍ منسّق وتوافق ضمني داخل القيادة الإسرائيلية على ضرورة إسكات الصحافيين الفلسطينيين بجميع الوسائل الممكنة".
وقالت: "استناداً إلى التحقيقات، أخلص إلى أن الصحافيين قد استُهدفوا عمداً بمنعهم من توثيق الإبادة الجماعية ونقلها. وهناك تصريحات لقادة إسرائيليين، وكذلك لجنود، يصفون فيها صوت الصحافيين بأنه يشكل سلاحاً وتهديدا".
وتابعت: "يجب حماية الصحافيين أثناء النزاعات. لكن الصحافيين الفلسطينيين يشعرون بأن ارتداء سترة الصحافة يجعلهم هدفاً متعمّدا".
وشاركت "اندبندنت" جميع ما توصلت إليه من نتائج مع الجيش الإسرائيلي، لكنه امتنع عن الرد، مكتفياً بالقول: "لا تزال المراجعة جارية في إطار آلية تقصّي الحقائق والتقييم التابعة لهيئة الأركان العامة".
مضى عام، ولا تزال العدالة غائبة عن مريم وعن سائر الذين قضوا في ذلك الهجوم. وكما وصف إبراهيم قنان ما حدث، فقد قُتلت مريم "في عملية إعدام نُفذت على الهواء مباشرة، على مرأى من العالم أجمع".
ولم يُجر حتى اليوم أي تحقيق مستقل في عمليات القتل التي تصنّفها "لجنة حماية الصحافيين" بجرائم قتل. فلا عدالة أنصفت عائلة مريم، ولا نهاية للمذبحة التي لا تزال مستمرة.
في المقابل، لا توجد أي ضمانات بألا يكون الصحافيون الذين بقوا على قيد الحياة في غزة هم الضحايا التاليين.
وتقول براء، التي تولّت مهمة تسليم وصية مريم إلى إبنها المراهق المفجوع برحيلها: "لمن لم يعرفها، كانت مريم إنسانة بكل ما في الكلمة من معنى، عميقة وصادقة في إنسانيتها، ولم تكن مجرد صحافية".
وتختم بالقول: "في كل مرة كانت مريم تذهب لتصويرها، كانت تشعر بآلام الأشخاص الذين يعيشونها ومعاناتهم. كانت إنسانة تعجز الكلمات عن وصفها. لقد أحبّها كل من عرفها، صغيراً كان أم كبيرا. كانت أفضل من فينا".
© The Independent