ملخص
شكلت الجبهة السورية، خلال الأيام الأخيرة، حالاً من القلق المتزايد بعد الهجمات الواسعة التي نفذها الجيش الإسرائيلي وقام خلالها باقتحام بلدات وإجراء عمليات تفتيش، ومن ثم فرض حال التأهب القصوى في المناطق التي يسيطر عليها.
أثارت تحذيرات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وقياديين عسكريين وأمنيين من أن تقود سياسة المستوى السياسي على مختلف الجبهات إلى اشتعال أمني على مختلف الجبهات، صدى واسعاً في إسرائيل وتعالت التحذيرات من خطورة تداعيات سياسة الحكومة، سواء من قبل رئيسها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس أو زعماء أحزاب الائتلاف وفي مقدمتهم الوزيران بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير في الضفة وغزة، مروراً بلبنان وسوريا وحتى إيران. ولم تُخفِ جهات قلقها من أن يستغل أحدهم حدثاً في إحدى هذه الجبهات لتكون ذريعة لتصعيد أمني.
قلق يأتي ليس فقط من التهديدات والتصريحات من قبل متخذي القرار في المستوى السياسي، إنما أيضاً المشاريع التي يخططون لتنفيذها، والتي تضاعف التوتر وتخلق حالاً من الاحتقان الذي قد يؤدي إلى انفجار مفاجئ وسريع.
وشكلت الجبهة السورية، خلال الأيام الأخيرة، حالاً من القلق المتزايد بعد الهجمات الواسعة التي نفذها الجيش الإسرائيلي وقام خلالها باقتحام بلدات وإجراء عمليات تفتيش ومن ثم فرض حال التأهب القصوى في المناطق التي يسيطر عليها، بادعاء أن تنظيمات مُعادية تسعى إلى التمركز والاقتراب من الحدود الإسرائيلية، وهي بالتالي تشكل خطراً على السكان. وتحت هذه الذريعة تواصل إسرائيل عملياتها في مقابل ضغوطها لضمان بقاء وجودها هناك.
ولعل القصف الأخير داخل سوريا شكل نقاشاً واسعاً في إسرائيل، خصوصاً إزاء صمت المؤسسة الرسمية عن دوافعه، لكنها وعبر مصادر ومقربين منها روجت لما سمته الخطوط الحمراء التي ترفض تجاوزها وأيضاً ضغوطها على واشنطن لضمان تقسيم سوريا لأقاليم، كوسيلة لمنع احتكاك وتصعيد أمني.
يرى المحلل البروفيسور إيلي بودة القصف الأخير تعبيراً عن القلق الإسرائيلي من تنامي التدخل التركي في سوريا "بعدما أصبحت إحدى أهم الشركاء للنظام الجديد في دمشق، فهي تساعد في إعادة بناء الجيش السوري، وتدرب الضباط والجنود، وتستثمر في البنى التحتية، وبذلك تسعى إلى ترجمة تدخلها الممتد منذ سنوات في سوريا إلى نفوذ إقليمي. في المقابل فإن القلق الإسرائيلي يتزايد أيضاً من نشر رادار ومنظومات دفاع جوي متطورة من صناعة تركية قد يقلص حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا ولبنان، وقد يعرقل النشاط ضد إعادة التموضع الإيراني أو نقل وسائل قتالية إلى ’حزب الله‘".
ويرى بودة أن إسرائيل لا تستطيع أن تبقى غير مبالية من إمكان أن يقوم طرف إقليمي يتبنى تجاهها نهجاً عدائياً بنشر قدرات عسكرية متقدمة في سوريا. ومع ذلك، فإنه حتى المخاوف المبررة قد تؤدي إلى حسابات خاطئة وإلى رد فعل مبالغ فيه قد يقود إلى تدهور غير مرغوب فيه. ويسود في إسرائيل افتراض مفاده أن النظام السوري الجديد قد أخضع نفسه لمصالح أردوغان وطموحاته، إلا أن ذلك بعيد كل البعد من عكس الواقع.
في المقابل، يتزايد القلق من تصعيد على هذه الجبهة أو استغلال تطورات أمنية بهدف قلب الوضع الداخلي في إسرائيل، عشية الانتخابات وإزاء التراجع الكبير لنتنياهو وحزبه، وأيضاً أحزاب الائتلاف بالتالي جلب المنطقة إلى تصعيد واسع في شأنه أن يصل إلى حد تأجيل الانتخابات.
وبينما حذر عسكريون ومحللون من تداعيات خطوة كهذه دعت جهات متخذي القرار إلى الامتناع عن تفسير كل تعاون عسكري بين تركيا وسوريا على أنه دليل على أن الأخيرة تتحول إلى قاعدة أمامية لأردوغان "فمثل هذا النهج، الذي ينظر إلى علاقات الدول بمنطق اللعبة ذات المحصلة الصفرية، قد يؤدي في الواقع إلى خلق تصعيد. ومن الأهمية القصوى التمييز بين وجود تهديد حقيقي وبين التلاعب السياسي. غير أن المشكلة تكمن في أن غالبية الجمهور غير مطلعة على المعلومات الاستخباراتية، ولذلك فهي غير قادرة على التمييز بين الأمرين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
البروفيسور إيلي بودة من جهته يرى أن الهجوم الأخير على سوريا "يعكس تناقضاً في السياسة الإسرائيلية. فحكومة بنيامين نتنياهو ليست بالضرورة معنية بتعزيز السلطة المركزية في دمشق، انطلاقاً من افتراض أن سوريا الضعيفة والمنقسمة تمنح إسرائيل هامشاً أوسع من حرية العمل، وتمنع عودة التهديد من الشمال. وعلى المدى القصير، تمنح هشاشة سوريا المحدودة إسرائيل مزايا تكتيكية، إضافة إلى أنها أتاحت أيضاً احتلال مناطق إضافية تحت غطاء أمني".
ويقول، "مع ذلك، فإن المصلحة بعيدة المدى تكمن في وجود دولة سورية مستقرة ذات نظام يشكل عنواناً واضحاً، يفرض سيطرته على أراضيه، ويكبح الجماعات المسلحة، ويحارب شبكات التهريب، ويمنع إيران و’حزب الله‘ من إعادة بناء وجودهما. ولن يتحقق كل ذلك إلا إذا استقر النظام السوري، وكان جيشه قوياً بما يكفي للتصدي للتهديدات من الداخل والخارج. ولن تستفيد إسرائيل من استمرار الفوضى أو من وجود نظام سوري يعتمد بالكامل على تركيا من أجل بقائه الآلية التي ستستكمل المفاوضات مع سوريا".
وفي هذا الجانب جرت بلورة مقترحات لتفادي الوضع الحالي بينها إقامة آلية ثلاثية أو رباعية تضم إسرائيل وسوريا وتركيا والولايات المتحدة، تكون مهمتها منع الاحتكاك العسكري، وتقديم إنذار مبكر في شأن عمليات الانتشار والتدريبات، وتوضيح الخطوط الحمراء وإدارة الأزمات بصورة عامة.
وبحسب مسؤولين أمنيين فإن السياسة الإسرائيلية في سوريا تستند إلى أربعة مبادئ هي، "أولاً إنشاء حيز أمني عميق داخل سوريا، من هضبة الجولان حتى منطقة دمشق، مروراً بمحافظة السويداء. وثانياً منع إعادة بناء دولة سورية قوية عسكرياً فإسرائيل لا تريد أن تتمكن دمشق من إعادة تأهيل جيش قادر على تشغيل قوة مستقلة ذات شأن. وثالثاً منع دخول قوة إقليمية أخرى إلى الفراغ الذي نشأ فإيران خسرت جزءاً كبيراً من نفوذها وروسيا ضعفت والولايات المتحدة قلصت وجودها والآن تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها. أما المبدأ الرابع فهو تعزيز القوى المحلية مثل الأكراد والدروز والعلويين ومجموعات أخرى، التي قد تشكل ثقلاً موازناً للسلطة المركزية في دمشق".
الضفة وغزة ولبنان حتى إيران
وكما هو القلق من تصعيد على الجبهة السورية فإن المخاوف تتزايد أيضاً من تصعيد على الجبهات الأخرى. وتشكل الضفة في الوقت الحالي، الجبهة الأكثر تصعيداً ليس فقط في الخطة التي تنفذ لتفريغ المخيمات الفلسطينية والضربات التي لا تتوقف إنما أيضاً في السياسة التي يعززها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بتعزيز المشاريع الاستيطانية من جهة ودعم المستوطنين وانفلاتهم ضد الفلسطينيين، مما استدعى إلى التحذير من خطر فقدان السيطرة في هذه الجبهة.
وهنا يتحدث اللواء احتياط غيرشون هكوهن، الذي سبق وشغل منصب قائد الفيلق التابع لهيئة الأركان الإسرائيلية، عن أن انفلات المستوطنين ورعايتهم من قبل الجيش مقابل سياسة اللامبالاة تجاه تصرفاتهم "يقوض السيطرة وأخذ إمرة الحكم في الدولة السيادية على كل تنظيم لاستخدام القوة. ومن جهة، يلحق ضرراً بسلم الأولويات الذي يتضمن المصالح القومية لدولة إسرائيل في الضفة".
وكما هو الوضع في الضفة كذلك في غزة حيث التهديدات المتزايدة مع ظاهرة الطائرات الورقية وفي لبنان القصف الذي لا يتوقف والتحذير من خطوات تصعيدية واستثنائية في سلسلة علي الطاهر، والتي قد تؤدي إلى انفجار خطر وحتى في إيران تواصل إسرائيل ضغوطها على أميركا لتحقيق مطالبها في هذا الملف وتربط إيران مع جبهتي سوريا ولبنان بادعاء أنها تواصل تقديم الدعم لوكلائها هناك وتعزيز وجودها، خصوصاً في سوريا.
وفي تقرير إسرائيلي تطرق إلى موقف جهات مسؤولة في المؤسسة العسكرية جاء أن الجيش "يخشى من أن يجد نفسه مرة أخرى في موقف لم يكن فيه على معرفة كافية بالأخطار الأمنية الناشئة، ولم يتخذ إجراءات لمنعها، ولكن يبدو أنه يجب على هيئة الأركان العامة أن تأخذ في الحسبان الواقع الاستراتيجي الشامل، بداية من أن الاحتكاك العسكري مع تركيا وتصعيد التوتر مع الولايات المتحدة، ومع قوة عسكرية هي عضو في (الناتو). ويضاف إلى ذلك فإنه عشية الانتخابات الإسرائيلية من الأفضل للجيش ألا يسقط في فخ المقارنات على شاكلة "تركيا هي إيران الجديدة"، فهذا كله سيؤدي إلى تصعيد ينعكس على المنطقة برمتها.