ملخص
نشرت وزارة الداخلية البريطانية كتيباً من تسع صفحات يشرح للاجئين ما هو متوقع منهم داخل المملكة المتحدة، من المساواة بين الجنسين إلى الرضا الجنسي وآداب السلوك في الفضاء العام، محذراً من أن مخالفة القانون قد تكلف صاحبها مأواه ودعمه المالي وطلب لجوئه معاً، وأثارت الوثيقة انقساماً سياسياً حاداً بين مؤيد ورافض، وجاء الجدل متزامناً مع بيانات رسمية جديدة تفيد بتسجيل 80286 عملية إعادة للمهاجرين من بريطانيا بين يوليو (تموز) 2024 والشهر ذاته من العام الحالي.
نشرت وزارة الداخلية البريطانية على الموقع الرسمي للحكومة وثيقة بعنوان "فهم السلوكيات والتوقعات داخل المملكة المتحدة: دليل لطالبي اللجوء"، موجهة إلى من ينتظرون البت في طلباتهم، وتشرح لهم ما يُنتظر منهم وما قد يترتب على مخالفته.
وتفتتح الوثيقة بجملة تحدد موقعها "أنت في المملكة المتحدة لأنك تطلب اللجوء"، ثم تضيف أن الوزارة تدرك صعوبة الانتقال إلى بلد جديد، وأن القوانين والأعراف هنا قد تختلف عن بلد المنشأ، وتحذر من أن عدم الالتزام بالقانون قد يفضي إلى مشكلات مع الشرطة، أو فقدان الدعم المخصص لطالبي اللجوء، أو التأثير في الطلب نفسه.
وتتوزع الوثيقة على ستة أقسام: العيش في المملكة المتحدة، والمساواة بين الجنسين، والعنف الأسري، والجنس والرضا، والاحترام في الأماكن العامة، وطلب المساعدة، وتشدد على أن القواعد المتضمنة فيها "ليست لطالبي اللجوء وحدهم، بل تنطبق على كل من يعيش هنا"، وهي عبارة تكررت في مطلع النص ومتنه.
وفي قسم المساواة، يوضح النص أن النساء يستطعن العمل وكسب المال والدراسة والسفر واختيار الزواج من عدمه، وأنهن "لا يحتجن إلى إذن من زوج أو أب أو أخ أو أي رجل آخر"، ثم يُعدد ما يُمنع على أفراد الأسرة: منع المرأة من العمل أو الدراسة، أو التحكم في ملبسها ووجهتها، أو منعها من رؤية أهلها وأصدقائها، أو اتخاذ قرارات عنها من دون موافقتها.
وفي قسم العنف الأسري، تصنف الوثيقة العنف الجسدي والتهديد والسلوك التحكمي والإساءة النفسية وحجز وثائق الهوية ضمن الجرائم الخطرة، وتشير إلى أن الإبلاغ عن التعرض للإساءة "لن يؤثر سلباً في طلب اللجوء"، أما قسم الجنس والرضا فينص على أن الطرفين يجب أن يوافقا بحرية ومن دون تهديد أو ضغط، وأن الموافقة قابلة للسحب في أية لحظة، وأنها لازمة في كل مرة حتى داخل الزواج، ويوضح أن ممارسة الجنس من دون رضا تسمى اغتصاباً، وأن سن الرضا القانونية هي 16 سنة، مضيفاً "لا استثناءات لهذه القاعدة، وحتى لو قالوا نعم يبقى الأمر غير قانوني".
وفي قسم الاحترام في الأماكن العامة، يطلب النص من طالبي اللجوء عدم توجيه تعليقات جنسية إلى أحد "حتى لو ظننت أنها مجاملة"، وعدم الصفير أو إصدار أصوات تقبيل، وعدم تتبع شخص أو اعتراض طريقه، وعدم إصدار إشارات فظة أو مسيئة، وعدم التقاط صور أو مقاطع من دون موافقة أصحابها.
وتنتهي الوثيقة بلائحة أرقام: خدمات الطوارئ (999) والشرطة لغير الطوارئ (101) والخط الصحي (111)، إضافة إلى خطوط دعم ضحايا العنف الأسري في إنجلترا وإسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، وخطوط مراكز أزمات الاغتصاب، ووحدة الزواج القسري، وخط للصحة النفسية.
ورافق الكتيب حزمة مواد أخرى نشرتها الوزارة في الصفحة ذاتها، من بينها كراسة بعنوان "حماية الأطفال في المملكة المتحدة"، تنبّه إلى أن تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية وتزويج الأطفال جريمتان خطرتان، ومنشور عن حقوق ضحايا العنف الأسري، وسلسلة ملصقات مصورة مخصصة لأماكن الإيواء، ونقلت صحيفة "ديلي ميل" أن الكتيب سيصدر لاحقاً بعدد من اللغات الأجنبية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انقسام سياسي
اشتعل السجال قبل أن تجف الوثيقة، وقال وزير الداخلية في حكومة الظل المحافظة، كريس فيلب، إن "كل يوم تقريبا يحمل تقريراً جديداً عن مهاجر غير شرعي يغتصب أو يعتدي على نساء وفتيات"، مضيفاً أنه بدلاً من "تدريب هؤلاء الشبان على التصرف بطريقة متحضرة تجاه النساء، ينبغي ترحيلهم".
ومن مقاعد المحافظين أيضاً، كتبت النائب كيتي لام أن من لا يعرف مسبقاً أن الاغتصاب خطأ، وأن ممارسة الجنس مع الأطفال خطأ، "فالحل ليس إبلاغه بذلك عند وصوله، بل ألا يدخل البلاد أصلاً"، واعترض النائب غاريث ديفيز على صياغة النص نفسه، متوقفاً عند تعبيري "قد تُعتقل" و"قد يؤثر ذلك في طلبك".
من جهته، وصف المتحدث باسم حزب "ريفورم" لشؤون الداخلية ضياء يوسف الوثيقة بأنها "عار"، عاداً أن نشرها يعني أن الحكومة "تعرف أنهم يشكلون خطراً"، أما زعيم الحزب نايجل فاراج فركز على الكلفة، قائلاً إن الوزارة "أنفقت أموالكم" على إنتاج الملصقات.
في المقابل، دافع رئيس الوزراء آندي بيرنهام عن الخطوة خلال زيارة إلى برادفورد في يوركشير الغربية، قائلاً إن مبدأ الحكومة واضح، "إن خالفت القانون البريطاني ستُرحّل من البلاد، وقد رأينا ذلك في ملف الهجرة حين ارتفعت عمليات الإبعاد بصورة كبيرة"، مضيفاً أن هذا النهج يُوجب توضيح "ما هو القانون البريطاني؟ وما هي الأعراف المجتمعية؟".
أما وزيرة التعليم لوسي باول فقالت لإذاعة "إل بي سي" إن على القادمين فهم التوقعات وعواقب مخالفة القانون، وإن الوضوح في هذه المسألة أمر بديهي، أما وزيرة معايير التعليم جورجيا غولد فحذرت في حديث إلى صحيفة "تايمز" من التعميمات الكاملة، مستشهدة بتجربتها مع عائلات أفغانية جرى إجلاؤها إلى بريطانيا، ووصفتها بأنها أرادت أن تسهم في بلدها الجديد.
وأوضحت متحدثة باسم وزارة الداخلية أن الوزارة تتوقع من كل من يأتي إلى المملكة المتحدة احترام قوانينها، وإن لم يفعلوا فسيواجهون عواقب تشمل رفض طلب اللجوء والإبعاد، مضيفة أن عمليات إعادة طالبي اللجوء المرفوضين بلغت أعلى مستوى لها منذ عام 2010 في عهد هذه الحكومة.
ولم ترفق الوزارة الكتيب بوثيقة تبرير تستند إلى بيانات جرمية محددة، ولم تنشر تقديراً لحجم المشكلة التي يعالجها، مما يجعل ربط النشر بموجة اعتداءات بعينها استنتاجاً صحافياً، لا معطى رسمياً، وكذلك ينص الكتيّب صراحة على أن قواعده تسري على الجميع، لا على طالبي اللجوء وحدهم، ويخصص جزءاً كبيراً من صفحاته لحماية الضحايا لا لردع الجناة، وهو ما يضعف قراءته بوصفه لائحة اتهام جماعية.
في المقابل، فإن اختيار الفئة المستهدفة واللغة التبسيطية المستعملة يفتحان الباب أمام قراءة الخصوم، ويصعب على الحكومة أن تنفي أن مادة موجهة حصراً إلى طالبي اللجوء، تحمل افتراضاً ضمنياً في شأنهم، والربط بين الجنسية والجريمة يحتاج إلى قراءة دقيقة تراعي التركيب العمري والاجتماعي، لا إلى استخلاص مباشر.
عمليات الترحيل
وفق أحدث بيانات وزارة الداخلية، تقدم 93525 شخصاً بطلبات لجوء في المملكة المتحدة بين أبريل (نيسان) 2025 ومارس (آذار) 2026، بانخفاض نسبته 12 في المئة عن الفترة نفسها من العام السابق، وفي اليوم ذاته الذي نُشرت فيه "مدونة السلوك للاجئين"، إن جاز التعبير، أصدرت وزارة الداخلية بيانات جديدة عن عمليات إعادة المهاجرين، وأفادت بأن 80286 عملية إعادة سُجلت بين الأول من يوليو 2024 والـ31 من يوليو 2026، تشمل الإعادة القسرية والطوعية معاً، من بينها 19622 إعادة قسرية.
وشملت عمليات الترحيل نحو 12 ألفاً من المدانين الأجانب، بينهم نحو 6 آلاف أُعيدوا ضمن "برنامج الإبعاد الباكر"، فيما بلغت العمليات المرتبطة بملفات لجوء ما يزيد قليلاً على 24 ألفاً، وعمليات إعادة الواصلين على متن قوارب صغيرة 6103 أشخاص، وسُيّرت خلال الفترة نفسها 163 رحلة طيران مستأجرة إلى وجهات في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية.
وفي مقارنة تشمل عامين متتالين، سجلت الوزارة 78137 عملية إعادة بين يوليو 2024 ويونيو (حزيران) 2026، بزيادة 52 في المئة على 51542 عملية خلال العامين السابقين، أما في الأشهر الـ12 المنتهية في يوليو الماضي، فبلغ العدد 39690، بارتفاع خمسة في المئة فقط، منها 9679 إعادة قسرية بارتفاع خمسة في المئة كذلك، و3427 من الواصلين بالقوارب بارتفاع 39 في المئة.
وأشارت الوزارة إلى أن البيانات مبدئية ومستخرجة من أنظمة تشغيلية حية في الرابع من أغسطس (آب) الجاري، وأن الفترات الحديثة تنطوي على تعداد ناقص، لأن مغادرات كثيرة تُسجل بأثر رجعي، وهو ما ينطبق على رقم يوليو من عام 2026 البالغ 2149 عملية، ومن المقرر صدور النشرة الفصلية الشاملة في الـ27 من أغسطس الجاري.
وتكشف النشرة الفصلية الأخيرة، التي تغطي السنة المنتهية في مارس 2026، إلى أين تتجه هذه الأعداد، فمن أصل 39007 عمليات إعادة، كانت ثلاثة أرباعها طوعية والربع قسرياً، إضافة إلى 17623 حالة رفض دخول عند المنافذ ومغادرة لاحقة.
وظل الألبان الجنسية الأكثر حضوراً في الإعادة القسرية بواقع 2247 حالة، أي قرابة الربع، بانخفاض 11 في المئة، يليهم الرومانيون بـ1681 حالة، ثم البرازيليون بـ813 بارتفاع 18 في المئة، والهنود بـ703 حالات، بارتفاع 31 في المئة.
أما في العودة الطوعية، فشكّل الهنود (9473) والبرازيليون (4794) والألبان (1921)، وهو ما يزيد على نصف الإجمالي البالغ 29284، وبلغت إعادة المدانين الأجانب 5858 حالة، وهي الأعلى منذ عام 2017، وتصدرتها ألبانيا ورومانيا وبولندا وليتوانيا وبلغاريا، مع كون جرائم المخدرات السبب الأول للإدانة بنسبة 41 في المئة.
وفي المقابل، تصطدم الإعادة بجدار في وجهات أخرى، فعمليات الإعادة إلى أفغانستان والسودان معلقة، وإيران وسوريا لا تقبلان الإعادة القسرية، على رغم أن 128 أفغانياً و93 سورياً ممن وصلوا بالقوارب أُعيدوا خلال العام نفسه.
شبكة الاتفاقات
على هذه الخلفية تتحرك وزارة الداخلية لتوسيع شبكة اتفاقاتها، ووفق طلب حرية معلومات تقدم به "مرصد الهجرة" في جامعة أكسفورد، كان لدى بريطانيا 19 اتفاق إعادة سارية مطلع مارس 2026، تشمل ألبانيا والجزائر وبنغلاديش والصين وإثيوبيا وفرنسا وجورجيا والهند والعراق والكويت ومولدوفا ونيجيريا وباكستان وصربيا والصومال وكوريا الجنوبية وسويسرا وفيتنام وزيمبابوي، ولاحظ المرصد أن نصف عمليات الإعادة تقريباً في عام 2025 توجهت إلى دول لا اتفاق رسمياً معها.
وأضافت الحكومة إلى هذه الشبكة اتفاق فيتنام في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، الذي تعهدت بموجبه هانوي خفض زمن معالجة ملفات الإعادة بنحو 90 في المئة، ثم انتزعت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 موافقة ناميبيا وأنغولا، وفي يناير (كانون الثاني) 2026 موافقة جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد تلويح وزيرة الداخلية شبانة محمود بعقوبات على التأشيرات، وقدّرت الحكومة أن أكثر من 3 آلاف شخص من هذه الدول باتوا مؤهلين للإبعاد.
وآخر حلقات هذه السلسلة كانت اتفاقاً مع مصر، ففي الـ 18 من أغسطس الجاري، وقّع وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي ووزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستيفن داوتي في القاهرة "إعلان نيات" في شأن الهجرة، أعلنته وزارة الخارجية البريطانية في اليوم التالي، ووفق بيان الوزارة فإنه أول اتفاق بين البلدين يخصص للتعاون في ملف الهجرة، وسيقلص الوقت اللازم لإعادة المصريين غير المصرح لهم بالبقاء في بريطانيا بنسبة تصل إلى 90 في المئة، إضافة إلى تقديم خبرة بريطانية وتدريب ومساعدة تقنية للجانب المصري، وذلك بعد توسيع تمويل بريطاني لمساعدة دول شمال أفريقيا على إدارة ضغوط الهجرة الناجمة عن نزاعات المنطقة.
ويظل الاختبار الأصعب في مكان آخر، فاتفاق "واحد مقابل واحد" مع فرنسا، الذي دخل حيز التنفيذ في السادس من أغسطس 2025، أعاد 377 شخصاً، وقبِل 380 حتى مارس 2026، بمعدل 12 حالة أسبوعياً، في مقابل هدف معلن مقداره 50، ومُدّد الاتفاق حتى الأول من أكتوبر المقبل، فيما رصدت السلطات حتى السادس من أغسطس الجاري 49 شخصاً، عادوا لبريطانيا بعد إعادتهم لفرنسا.