Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ودع المصريون كليات القمة لمصلحة الذكاء الاصطناعي؟

طلاب حصلوا على درجات تؤهلهم للالتحاق بكليات مرتفعة الدرجات لكنهم فضلوا مجال الرقمنة والحاسبات ومتخصصون: أصبح هناك وعي بحتمية مواكبة التطورات لإيجاد فرص عمل

ارتفعت أعداد كليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي من 92 كلية إلى 106 كليات (فيسبوك - كلية الذكاء الاصطناعي جامعة كفر الشيخ)

ملخص

تغيراً طرأ على خريطة التعليم الجامعي بمصر، إذ أصبحت كليات الذكاء الاصطناعي والبرمجيات تزاحم وبقوة كليات القمة التقليدية والنظرية، فلم تعد رغبات الطلاب "حبيسة" كليات بعينها مثلما كان في السابق وأصبح المجال متسعاً أمامهم.

لم يدر بخلد آلاء عبد الله، ابنة الـ18 ربيعاً، أن تتخلى يوماً عن حلمها الذي لطالما راودها طوال سنوات دراستها قبل الجامعية، بالالتحاق بكلية الطب، حباً في تلك المهنة العريقة ومساعدة المرضى والتفاخر بارتداء "البالطو الأبيض والسماعة" بين أبناء بلدتها، لتجد هذا الحلم بين عشية وضحاها يتبدد تدريجاً، أمام نصائح أسرتها المتكررة وزملائها المقربين منها بضرورة التماشي مع تطورات العصر والالتحاق بإحدى كليات الذكاء الاصطناعي لدراسة البرمجيات الحديثة.

بعد تفكير عميق، وجدت آلاء نفسها تستجيب رويداً رويداً لتلك النصائح، لتقرر لحظة تسجيل ورقة رغبات الالتحاق الجامعي هذا العام، أن تكون كلية الذكاء الاصطناعي بمحافظة كفر الشيخ (شمال مصر) التي تقطنها هي الخيار الأول، يليها كلية حاسبات وتكنولوجيا المعلومات، ثم كلية الطب البيطري في المرتبة الثالثة، رغم حصولها على مجموع في الثانوية العامة يزيد على 90 في المئة يؤهلها للالتحاق بتلك الكلية الطبية.

تنفست آلاء الصعداء، وشعرت أن عقلها استجاب للخيار الأنسب، كون أن هذا المجال، وفق رؤيتها، أصبح بمثابة المستقبل الحقيقي، ويواكب التطور التكنولوجي، ويتيح مزيداً من فرص عمل بالداخل والخارج برواتب مُجزية عقب التخرج الجامعي، على عكس الكليات التقليدية التي قد يواجه الخريج فيها صعوبة نوعاً ما في إيجاد فرص عمل عقب التخرج بسبب كثرة أعداد الملتحقين بها وتشبع السوق من تلك المهن.

لغة العصر

أيضاً لجأت سما أسامة للخيار ذاته، إذ وضعت كليات الذكاء الاصطناعي في مقدمة أولوياتها سواء أثناء مرحلة تدوين الرغبات أو الالتحاق بكلية خاصة، قائلة: "حصلت في الثانوية العامة على مجموع 79.69 في المئة، سجلت في رغباتي بالمرتبة الأولى كلية الذكاء الاصطناعي ثم حاسبات وتكنولوجيا المعلومات ثم تجارة، لكن تخوفت ألا يسمح مجموعي بتحقيق حلمي وشغفي الذاتي في الالتحاق بما أرغب فيه، فقررت تقديم أوراقي للالتحاق بكلية الذكاء الاصطناعي بإحدى الجامعات الخاصة بمحافظة الدقهلية (شمال القاهرة) وسددت كامل المصروفات لحين إعلان نتائج التنسيق رسمياً".

لم تفلح محاولات أقارب سما (18 سنة)، في إثنائها عن رأيها بالالتحاق بكلية طبية خاصة بدلاً من الذكاء الاصطناعي لصعوبة دراستها وحتى لا تهدر الأموال التي ستنفقها، إلا أنها رفضت وأصرت على موقفها، قائلة: "الذكاء الاصطناعي أصبح لغة العصر ومتداخلاً في كل المجالات الحالية، وكثير من أصحاب الوظائف الحاليين أصبحوا يستغنون عن العمالة التقليدية لمصلحة من يملكون خبرات الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية الحديثة، لذا من لن يتمكن من الالتحاق به سيكون أشبه بمن فاته قطار المستقبل". مضيفة أن والدها ووالدتها كانا أكثر الداعمين لرأيها بضرورة الالتحاق بمجال يفتح الباب أمامها للحصول على فرصة عمل لائقة ومناسبة.

 

وفق سما، فإن أكثر ما شجعها أيضاً لاختيار هذا المجال أنه يعد من التخصصات السريعة النمو، ويشهد تطورات وتحديثات يومية، مما يجعله ممتعاً في دراسته مقارنة بالعلوم النظرية والتخصصات التقليدية.

وأولت الدولة المصرية اهتماماً بالغاً خلال السنوات الماضية، بتعزيز مجالات العلوم والتكنولوجيا في الجامعات ودراسة تخصصات الذكاء الاصطناعي والرقمنة والبرمجيات الحديثة، وهو ما برز جلياً في ارتفاع أعداد كليات الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي من 92 كلية يدرس بها أكثر من 112 ألف طالب في مايو (أيار) 2025 إلى 106 كليات ومعاهد حالياً، موزعة ما بين 28 كلية حاسبات ومعلومات وذكاء اصطناعي في 28 جامعة حكومية، و25 كلية حاسبات ومعلومات وذكاء اصطناعي في 36 جامعة خاصة، و28 كلية للحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي في 32 جامعة أهلية، و15 معهداً للحاسبات والمعلومات بالمعاهد العليا الخاصة، و10 كليات حاسبات وذكاء اصطناعي بالجامعات المنشأة باتفاقات دولية وأفرع الجامعات الأجنبية، بحسب ما صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبدالعزيز قنصوة في أغسطس (آب) الجاري.

هل تغيرت خريطة التعليم الجامعي بمصر؟

في تقدير الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، فإن هناك تغيراً طرأ على خريطة التعليم الجامعي بمصر، إذ أصبحت كليات الذكاء الاصطناعي والبرمجيات تزاحم وبقوة كليات القمة التقليدية والنظرية، فلم تعد رغبات الطلاب "حبيسة" كليات بعينها مثلما كان في السابق وأصبح المجال متسعاً أمامهم.

يتماشى هذا مع ما صرح به المشرف على مكتب التنسيق بوزارة التعليم العالي بمصر الدكتور أحمد الجيوشي في تصريحات تلفزيونية أخيراً، بأن توجهات الطلاب بدأت تتغير، مع تزايد الاهتمام بتخصصات حديثة مثل الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي، التي وصفها بـ"التخصصات البازغة"، لافتاً إلى أن وظائف هذه المجالات تقتحم سوق العمل بقوة.

ويجزم شوقي، خلال حديثه لـ"اندبندنت عربية"، بأنه أصبح هناك وعي طلابي بأهمية تلك الكليات باعتبار أنها تمثل "فرصة ذهبية" واعدة لهم في المستقبل، إذ تغير مفهوم إقبال الطلاب، فلم يعد الطالب يختار الكلية ككل، إنما يتجه إلى برامج محددة داخلها تتمتع بمعدلات توظيف مرتفعة محلياً وإقليمياً ودولياً. موضحاً أن الطلاب وأولياء الأمور لم يعودوا ينظرون إلى "المجموع" فقط، إنما إلى مستقبل الوظيفة بعد التخرج، بعدما أثبتت الشركات العالمية أن المهارات الرقمية أصبحت العملة الأكثر قيمة في الاقتصاد الجديد.

وفي رأي الخبير المختص، فإن مطالبات ونداءات الدولة المتكررة بمختلف أجهزتها بأهمية زيادة أعداد طلاب كليات الذكاء الاصطناعي ودراسة البرمجيات والمجالات التكنولوجية الحديثة، كانت بمثابة البوصلة لتعريف الطلاب بما سيكون عليه شكل سوق العمل واحتياجاته بالمستقبل.

 

وقبل ساعات، عقد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اجتماعاً موسعاً لمتابعة الاستعدادات الجارية لبدء العام الدراسي الجديد، وجه خلاله "بإعطاء أولوية متقدمة لإعداد أجيال مؤهلة بأحدث الوسائل العلمية لمواكبة احتياجات سوق العمل"، مشيراً إلى أهمية مواصلة تنفيذ إجراءات الرقمنة والاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عملية التحديث، بما يضمن تعظيم العائد من جهود تطوير التعليم.

جانب آخر يُسلط الخبير المتخصص بالشأن التربوي الدكتور عاصم حجازي الضوء عليه، إذ يرى أن كليات القمة التقليدية لا تزال تحتفظ بتأثيرها وأهميتها، لكن دخول كليات الذكاء الاصطناعي والبرمجيات خريطة التعليم الجامعي منح الطلاب الذين أخفقوا في الالتحاق بكليات القمة، شعوراً بعدم فقدان الأمل أو الحزن أو ضياع المستقبل، ومنحتهم فرصة جديدة، مردفاً "الذكاء الاصطناعي أصبح طوق نجاة لكثير من الطلاب وأنعش آمالهم مُجدداً وجدد طاقتهم نحو الالتحاق بكليات تؤهلهم لسوق العمل مباشرة عقب التخرج".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي رأي الدكتورة سوسن الفايد، أستاذ علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث، فإن أولياء الأمور أصبح لديهم إدراك بضرورة دخول أبنائهم الكليات التكنولوجية الحديثة، بل ويشجعونهم أيضاً، بعد أن تنبهوا أن خيار الحصول على الوظيفة أصبح يرتبط بـ"المهارة والكفاءة الرقمية"، مما يستوجب ضرورة التسلح بالأدوات التقنية الحديثة ليحجز كل شخص لنفسه مكاناً في سوق العمل ويحصل على رواتب مجزية في المستقبل، قائلة: الأجيال الجديدة أصبحت ترى أن الطبيب لكي يحصل على عائد مجزٍ في وظيفته، قد يستمر لسنوات طويلة حتى يكتسب كافة الخبرات عكس من يملكون المهارات الرقمية الحديثة ويحصلون على دخول مرتفعة".

وتضيف أستاذ علم النفس السياسي أن التطور التكنولوجي لا يعني بالضرورة، إهمال التخصصات التقليدية، فمن يملك موهبة عليه أن يلتحق بالكلية التي يرغب فيها، شريطة تطوير أدواته الرقمية والتكنولوجية ليكون متماشياً مع متغيرات العصر الحالي، منوهة أن هذا التوجه ليس مقصوراً على مصر فقط، بل أصبح نمطاً متبعاً في العالم برمته.

صعود لافت للتخصصات الرقمية

ويُفند خبير الإعلام الرقمي والمحاضر بالجامعة الأميركية الدكتور فادي رمزي عديداً من الشواهد التي تشير إلى التغير الواضح الذي طرأ في عقلية الأجيال الجديدة بشأن التوجه لدراسة تخصصات الذكاء الاصطناعي والمناهج التكنولوجية الجديدة، منها تزايد أعداد الطلاب الراغبين في الالتحاق بتلك الكليات، والشغف في دراسة التخصصات التكنولوجية الحديثة، إضافة إلى عمليات البحث المتكررة من قطاع عريض من المصريين على مواقع الإنترنت عن الكورسات التدريبية في مجالات تعلم الذكاء الاصطناعي أو صناعة التطبيقات الرقمية أو البرمجيات.

يضيف رمزي، خلال حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أن تلك المجالات أصبحت تزداد أهميتها يوماً تلو الآخر، مشيراً إلى أن الجميع أصبح يرى كثيراً من الوظائف التقليدية أوشكت على الاندثار أو اختفت بالفعل، مما يجعل من الضروري اكتساب الخبرات الرقمية الجديدة، لافتاً إلى أن أي شخص في وظيفة تقليدية إذا لم يكتسب خبرات العصر الرقمية سيكون أشبه بموظف لكن بأدوات "عفا عليها الزمن".

 

ويرى أن السنوات الأخيرة كشفت عن صعود لافت للتخصصات الرقمية وتراجع الإقبال على الكليات التي تواجه تحدياً حقيقياً في توفير فرص عمل لخريجيها، مشيراً إلى أن الكليات التقليدية ينبغي عليها إدخال تخصصات جديدة لتدريس الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والرقمنة، لكي تتماشى مع تطورات العصر وخلق أجيال مؤهلة للالتحاق بسوق العمل.

يُعضد الخبير المختص في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي الدكتور محمد محسن الطرح السابق، موضحاً أن كثيراً من الطلاب في مراحل عمرية مختلفة أصبح لديهم شغف بحضور الدورات التدريبية المتخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتطبيقات الرقمية، قائلاً: "كنت أتعجب أحياناً حين أرى أكثر من 80 في المئة من طلاب من شرائح عمرية بالمرحلة الإعدادية والثانوية يحضرون ورشاً تدريبية من أجل دراسة وتعلم تلك المهارات التكنولوجية، مما يؤكد أن المجال الرقمي لم يعد حكراً على شريحة عمرية بعينها، لكن أصبح محط اهتمام كبير من عديد من الشرائح لتحديد مساراتهم المستقبلية".

وفي اعتقاد الخبير المختص في الذكاء الاصطناعي أن الأجيال الجديدة تعد أكثر حظاً من السابقة، لأنها أصبحت تملك أدوات التعلم الذاتي والآلي في الوقت ذاته، بالتالي أصبحت مُمكنة من تملك كل الأدوات التي تساعدها على تحديد رغباتها ومهاراتها المستقبلية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات