Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد انفجار "علي الطاهر"... "حزب الله" أمام أصعب خياراته

يتسلط الضوء ليس على سقوط التلة أو موقع تابع للحزب بل على سقوط نموذج عسكري كامل

تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من مقطع فيديو نشره الجيش الإسرائيلي في 10 سبتمبر 2026، انفجارات قالت إسرائيل إنها دمرت بنية تحتية رئيسة تحت الأرض أنشأها "حزب الله" في مرتفعات علي الطاهر (ا ف ب - الجيش الإسرائيلي)

ملخص

"محور الممانعة" الذي كان يفترض أن تتحرك جبهاته دفاعاً بعضها عن بعض، أصبح مجموعة جبهات تحاول كل واحدة منها النجاة منفردة، فإيران لم تستطع إنقاذ "علي الطاهر"، والحزب لم يستطع فرض كلفة تمنع تدميرها، والتهديد المتبادل لم يغير مسار العملية.

لم تكتف إسرائيل في الساعات الأخيرة عن إعلان انتهاء عملياتها في مرتفعات "علي الطاهر"، بل حرصت على تحويل الحدث العسكري إلى مشهد سياسي وإعلامي متكامل، عبر تفجير واسع لشبكة الأنفاق، إذ سجلت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر تزامناً مع الانفجار، ونشر مشاهد التدمير، ثم صدر بيان مشترك عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يعلنان تحقيق "السيطرة العملياتية" فوق المرتفعات وتحتها، واستكمال إنشاء ما تسميه إسرائيل "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان. 

وبحسب الرواية الإسرائيلية تجاوز طول الشبكة المكتشفة كيلومترين، واحتوت على غرف قيادة وسيطرة، ومستودعات أسلحة، وصواريخ وطائرات مسيرة ومضادات للدروع وعبوات، إضافة إلى مولدات كهربائية وأماكن إقامة ومطابخ وحمامات تسمح ببقاء المقاتلين تحت الأرض فترات طويلة. وقال الجيش الإسرائيلي إن قلب المنشأة كان مركز قيادة تابعاً لـ"قوة بدر" في "حزب الله"، وهي القوة التي تتولى الجبهة الممتدة شمال نهر الليطاني وصولاً إلى صيدا، ولا سيما قطاع النبطية وإقليم التفاح. وذهب نتنياهو وكاتس أبعد من التوصيف العملياتي، إذ قدما "علي الطاهر" باعتبارها منشأة استراتيجية بنيت خلال عقدين بتمويل وتخطيط إيرانيين.

سقوط نموذج عسكري كامل

هنا يتسلط الضوء ليس على سقوط التلة أو موقع تابع للحزب، بل على سقوط نموذج عسكري كامل بناه "حزب الله" وروج له طويلاً بوصفه الضمانة التي تمنع إسرائيل من التفكير في اجتياح لبنان، وبعد عقدين من التحضير للحرب، تدمر النفق أيضاً.

فيما ادعى بعض الصحافيين الإسرائيليين أن المجمع الذي جرى تفجيره هو منشأة "عماد 4"، التي كثيراً ما تفاخر بها الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله، ضمن ما أطلقت عليه إيران اسم "مدن الصواريخ".

"وزارة الدفاع" لا مجرد نفق

ولا يأتي توصيف منشأة "علي الطاهر" بأنها وزارة دفاع "حزب الله"، كمبالغة صحافية، فالمنشأة وفق ما كشف عنه، لم تكن مخبأً معزولاً أو ممراً تكتيكياً يستخدمه عدد محدود من المقاتلين، بل كانت مركزاً متكاملاً للقيادة والسيطرة والتخزين والإقامة وإدارة العمليات، أي بنية تستطيع أن تستمر في العمل حتى مع تعرض سطح المنطقة للقصف، لهذا السبب فإن وجود مركز قيادة لـ"قوة بدر" داخلها يرفع أهمية الموقع من منشأة ميدانية، إلى عقل عملياتي لإحدى أهم الجبهات العسكرية التابعة للحزب، وإذا صحت المعلومات الإسرائيلية المتعلقة بحجمها ووظيفتها، كما ادعت تل أبيب، تكون الأخيرة قد حصلت على صورة تفصيلية عن عقيدة الحزب في إدارة الحرب جنوباً، ومراكز القيادة، وطرق الاتصال، ومخازن السلاح، ومسالك الحركة، وأنظمة الطاقة، وآليات البقاء تحت الأرض، وربما وثائق وأجهزة حاسوب ومواد استخباراتية تساعد على رسم خريطة منشآت مشابهة.

خسارة مزدوجة

وعليه، مني الحزب هنا بخسارة مزدوجة، بمعنى أنه خسر الموقع بما يحويه، لكنه خسر أيضاً سره، والمنشأة التي تطلب بناؤها عقدين من الزمن، وأمكن اختراقها والوصول إليها وتفكيكها خلال أسابيع.

وبهذا المعنى قدم "حزب الله" لتل أبيب هدية مجانية جديدة، تضاف إلى الهدايا التي قدمها لها منذ قراره فتح "حرب الإسناد" في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي إعادة الاحتلال العسكري إلى أجزاء من الجنوب، وتهجير السكان وتدمير القرى، ومنح إسرائيل ذريعة لإنشاء منطقة أمنية جديدة، ثم الكشف عن واحدة من أهم المنشآت العسكرية التي أنفقت إيران والحزب أعواماً وأموالاً طائلة وجهوداً كبيرة في بنائها. وما كان يفترض أن يحمي الجنوب، صار سبباً لاحتلال مزيد منه، وما كان يفترض أن يمنع إسرائيل من الدخول، انتهى بفتح الطريق أمامها إلى عمق البنية العسكرية للحزب.

هل كانت "علي الطاهر" منشأة إيرانية؟

من دون أدلة مستقلة لا يمكن الجزم بأن "علي الطاهر" كانت قاعدة إيرانية مباشرة أو أن الحرس الثوري كان يديرها بنفسه. تحدثت إسرائيل عن منشأة شيدت بتمويل وتخطيط إيرانيين، فيما تداولت تقارير خلال المعركة معلومات عن وجود عناصر من الحرس الثوري، بينهم ضباط، داخل المجمع، لكن هذه المعلومات لم تثبت حتى الآن بوثائق معلنة أو بأسماء وأدلة مادية مستقلة. ومع ذلك، ثمة فرق بين أن تكون المنشأة "إيرانية" بالملكية والإدارة المباشرة، وأن تكون جزءاً من المنظومة العسكرية الإيرانية في لبنان.

تضاف إلى ما سبق التحذيرات التي أطلقتها إيران من مهاجمة المجمع، كاشفة عن أن طهران لم تكن تنظر إلى "علي الطاهر" كموقع لبناني عادي، فالدول لا ترفع مستوى التحذير لحماية تلة لا تعني لها شيئاً. والأهم أن إيران هددت، وإسرائيل واصلت عمليتها ودخلت المنشأة وفككتها ثم فجرتها، من دون أن يتحول التهديد الإيراني إلى رد يمنع السقوط أو يرفع كلفته، وهنا تكمن الإهانة الاستراتيجية لطهران، فقدان منشأة أسهمت في بنائها وتمويلها، ثم الوقوف عاجزة أمام تدميرها بعدما أعلنت، أو أوحت، بأن الاقتراب منها سيستدعي رداً.

سقوط التلة وسقوط سردية الردع

منذ تأسيسه، بنى "حزب الله" شرعية سلاحه على ثلاث حجج، تحرير الأرض، وحماية لبنان، وردع إسرائيل، لكن ما جرى في "علي الطاهر" يضرب الحجج الثلاث في مكان حساس.

فالسلاح لم يمنع إسرائيل من العودة إلى الأراضي اللبنانية، ولم يحمِ القرى من الدمار والتهجير، ولم يردع الجيش الإسرائيلي عن البقاء أسابيع داخل منطقة، يصفها الحزب بأنها من أهم مراكزه العسكرية، ثم زرعها بالمتفجرات وتفجيرها في وضح النهار. كذلك فإن الردع لا يقاس بعدد الصواريخ الموجودة في المخازن ولا بحجم الأنفاق تحت الجبال، بل بقدرة هذه الترسانة على منع الخصم من تنفيذ ما يريده. وكانت إسرائيل قد أعلنت عن هدفها في "علي الطاهر" مسبقاً، وحشدت قواتها، وعزلت المنطقة، وقطعت مسالكها، وراقبت مداخل الأنفاق العسكرية، ثم قالت إنها قتلت بعض الموجودين وأجبرت آخرين على الفرار قبل أن تدمر البنية التحتية، وبعد ذلك لم يصدر عن الحزب حتى بيان يشرح ما جرى أو ينفي الرواية الإسرائيلية.

وهذه ليست مجرد خسارة عسكرية، بل انهيار في الوظيفة التي برر بها الحزب احتفاظه بسلاح مستقل عن الدولة، فإذا كان السلاح لا يستطيع الدفاع عن واحدة من أكثر المنشآت تحصيناً، فكيف سيقنع اللبنانيين بأنه قادر على الدفاع عن لبنان؟ وإذا كان لا يستطيع منع إنشاء منطقة أمنية إسرائيلية جديدة، فما القيمة العملية لشعار "حماية السيادة"؟ وإذا كان الرد على سقوط مركز قيادة بهذا الحجم هو الصمت، فأين أصبحت معادلة الردع؟

وفي أول رد صادر عن أحد نواب الحزب، رفض النائب إبراهيم الموسوي الرواية الإسرائيلية في شأن العملية العسكرية في مرتفعات "علي الطاهر"، واعتبر أن تل أبيب تحاول تحويل ما جرى إلى صورة "نصر وإنجاز عسكري هائل"، ضمن حرب نفسية وإدراكية تستهدف التأثير في الوعي. وفي منشور عبر منصة "إكس"، قال الموسوي "معادلتنا في المقاومة ثابتة لا تهزها الجغرافيا، بل تعضدها العقيدة والإرادة"، وأكد استمرار هذا النهج حتى دحر القوات الإسرائيلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نموذج قابل للتكرار

ويبدو أن الأسوأ بالنسبة إلى الحزب، أن إسرائيل لا تعرض "علي الطاهر" كعملية منفردة، بل كنموذج قابل للتكرار، فبعد بنت جبيل والشقيف ثم "علي الطاهر"، تبدو شهية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مفتوحة لنقل السيناريو نفسه إلى جبل الريحان وإقليم التفاح وسائر المرتفعات التي تمنحها إشرافاً نارياً واستخبارياً على الشمال الإسرائيلي.

كذلك فإن النموذج أصبح واضحاً، عزل المنطقة، وقطع الإمداد، ومراقبة المنافذ، والضغط بالنار والاستهدافات، ومن ثم تفكيك المساحة إلى قطاعات صغيرة، فالتقدم الموضعي من دون التورط في اجتياح واسع، وهكذا تستولي إسرائيل على الجغرافيا قطعة بعد أخرى، بينما يحتفظ "حزب الله" بسلاحه نظرياً ويفقد الأرض عملياً.

إسرائيل "تنجز المهمة"

في السياق قالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن "قواتنا انسحبت من مرتفعات ’علي الطاهر‘ وتتمركز حالياً في خطوط خلفية بمنطقة قلعة الشقيف، وسنواصل السيطرة على مرتفعات ’علي الطاهر‘ من بعد بالنيران والمراقبة".

فلماذا تعلن إسرائيل الآن عن سحب قواتها من المرتفعات؟ هنا لا يعني الإعلان عن سحب القوات أن إسرائيل تخلت عن مرتفعات "علي الطاهر"، أو أعادتها إلى السيادة اللبنانية، بل يعني أنها انتقلت من "السيطرة المادية" إلى "السيطرة العملياتية" من بعد، بعد إنجاز الهدف الذي دخلت من أجله، أي تفريغ الأنفاق، وجمع المواد الاستخباراتية، ومصادرة ما أمكن من الأسلحة والمعدات، ثم تفجير المنشأة تحت الأرض.

فإسرائيل لم تعد في حاجة إلى إبقاء جنودها فوق التلة بعد تدمير شبكة الأنفاق، لذلك سحبت القوة المهاجمة إلى خطوط خلفية أكثر تحصيناً قرب قلعة الشقيف، لكنها أبقت التلة داخل دائرة النار والاستطلاع، بما يمنع "حزب الله" من العودة إليها أو إعادة بناء موقعه فيها.

كذلك فإن المهمة العسكرية انتهت، وبقاء الجنود على أرض مكشوفة بعد تفجير المنشأة لا يحقق مكسباً إضافياً، بل يحولهم إلى أهداف محتملة للصواريخ والمسيرات والمكامن والعبوات. وتبعاً لرصد العقيدة العسكرية الإسرائيلية لا ضرورة للاحتفاظ بكل موقع جرى احتلاله، إذا أمكن منع الخصم من استخدامه بواسطة الطيران والمدفعية والمسيرات ووسائل المراقبة.

أيضاً تريد إسرائيل تجنب إعطاء "حزب الله" فرصة لتنفيذ عملية ضد قوات ثابتة فوق التلة، يستطيع من خلالها الادعاء بأنه أجبرها على الانسحاب، لذلك بادرت هي إلى إعلان الانسحاب، وربطته بانتهاء المهمة، حتى تحتكر تفسير الحدث قبل أن يصدر أي بيان عن الحزب، كذلك فإن إعادة التموضع قرب قلعة الشقيف لا تعني عودة القوات إلى الحدود الإسرائيلية، فقلعة الشقيف نفسها موقع استراتيجي عميق داخل الأراضي اللبنانية، يتيح مراقبة مساحات واسعة والتحكم بطرق الحركة والإمداد، أي إن القوات لم تغادر "المنطقة الأمنية" التي أعلنت إسرائيل إنشاءها، بل انتقلت داخلها من نقطة متقدمة إلى خط خلفي يمكن الدفاع عنه بصورة أفضل.

الصمت المطبق معضلة "حزب الله"

في المقابل، وحتى اللحظة لم يصدر عن الحزب أو دائرة علاقاته الإعلامية أي بيان يشرح ما يحصل فعلاً، في الأقل من وجهة نظره، ولكن صمت الحزب ليس دليلاً على الهدوء، بل على ضيق الخيارات، فإذا نفى وجود المنشأة فسيواجه صور الأنفاق والأسلحة وغرف القيادة التي نشرتها إسرائيل، وإذا اعترف بها يكون قد أقر بخسارة مركز استراتيجي، وبأن إسرائيل اخترقت واحداً من أكثر أسراره العسكرية حساسية. وإذا أعلن مقتل عناصره فسيفتح باب الأسئلة حول أعدادهم، ومصير قيادات "قوة بدر"، وإمكان وجود إيرانيين بينهم، أما إذا كشف عن أسماء القتلى أو المفقودين فقد يساعد ذلك إسرائيل على استكمال صورتها الاستخباراتية، لذلك يختار الصمت لأنه أقل الخيارات كلفة، لا لأنه يمتلك مفاجأة مؤجلة بالضرورة.

أضف إلى ذلك أن هناك أيضاً مأزقاً سياسياً، فالحزب صور معركة "علي الطاهر" في بدايتها كأنها مواجهة وجودية ورفع سقف التهديد، ثم تراجع خطابه كلما اتضح أن إسرائيل مصممة على دخول المجمع، وأي اعتراف بالنتيجة سيكشف الفجوة بين التعبئة الإعلامية والقدرة الميدانية الفعلية. وعلاوة على ذلك يخشى الحزب أن يرد بطريقة واسعة فتمنح إسرائيل المبرر للانتقال إلى مرحلة أشد، في وقت خسر فيه أجزاء من قيادته وبنيته العسكرية وخطوط إمداده، وأصبحت مناطق نفوذه مكشوفة أمام التفوق الجوي والاستخباري الإسرائيلي، لكنه يخشى في الوقت نفسه ألا يرد، لأن الامتناع يكرس صورة العجز أمام بيئته ويشجع إسرائيل على تكرار عملية "علي الطاهر" في مواقع أخرى، بمعنى أنه عالق بين رد قد يجر عليه حرباً أكبر، وصمت يسمح لإسرائيل بقضم ما تبقى من مواقعه.

هل سيرد "حزب الله"؟

يبدو أن الرد الواسع غير مرجح في المدى القريب، إلا إذا قررت إيران نقل المواجهة إلى مستوى إقليمي جديد، والأقرب أن يلجأ الحزب إلى واحد أو أكثر من الخيارات المحدودة، أي أن يتابع ما يفعله الآن، إطلاق مسيرات، واستهداف موضعي لقوات إسرائيلية، أو تنفيذ عملية محسوبة لا تؤدي تلقائياً إلى حرب شاملة.

لكن حتى هذا النوع من الردود لن يعيد "علي الطاهر" ولن يرمم الردع، فالرد الذي سيأتي بعد انتهاء إسرائيل من العملية وتفجير المنشأة سيكون أقرب إلى محاولة لحفظ ماء الوجه منه إلى تغيير النتيجة الاستراتيجية، والردع الحقيقي كان يفترض بمنع القوات الإسرائيلية من بلوغ قلب المجمع، لا إطلاق مسيرة بعد خروجه من الخدمة. من هنا قد يختار الحزب تأجيل الرد أو ربطه بجبهة أخرى، ثم يقدمه لاحقاً باعتباره جزءاً من "حساب مفتوح".

لماذا لم ترد إيران؟

إيران أمام المأزق نفسه ولكن على نطاق أكبر، فهي تريد الحفاظ على "حزب الله" باعتباره أهم أصولها وأذرعها الإقليمية، لكنها لا تريد استنزاف ما تبقى من قدراته في معركة قد لا تستطيع ضبطها، كذلك فإن الرد المباشر من الأراضي الإيرانية يحمل خطر توسيع المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وربما استهداف منشآت أكثر أهمية داخل إيران، لهذا استخدمت طهران التهديد كأداة ضغط، على أمل أن تؤدي القنوات الأميركية أو المفاوضات غير المباشرة إلى وقف العملية أو تسليم الموقع إلى الجيش اللبناني.

ومع هذا لا يعني عدم الرد أن إيران تخلت عن "حزب الله"، لكنه يعني أن أولوياتها تغيرت، فطهران التي كانت تستخدم الحزب لحماية مشروعها الإقليمي باتت اليوم تحاول حماية الحزب من الانهيار، وحماية نفسها من الانجرار إلى مواجهة، قد تهدد النظام ومؤسساته وبنيته العسكرية والاقتصادية.

وهذا التحول بالغ الدلالة، فـ"محور الممانعة" الذي كان يفترض أن تتحرك جبهاته دفاعاً بعضها عن بعض عبر "وحدة الساحات"، أصبح مجموعة جبهات تحاول كل واحدة منها النجاة منفردة. إيران لم تستطع إنقاذ "علي الطاهر"، والحزب لم يستطع فرض كلفة تمنع تدميرها، والتهديد المتبادل لم يغير مسار العملية.

في المحصلة سيتحول سلاح "حزب الله"، الذي يقول إنه موجود لتحرير الأرض، إلى الذريعة التي تستخدمها إسرائيل للبقاء فيها. أما نتنياهو فقد حصل على إنجاز يستطيع تسويقه داخلياً، عبر تدمير منشأة ضخمة، وإبعاد التهديد عن مستوطنات الشمال، وإقامة منطقة أمنية من دون خسائر إسرائيلية كبيرة معلنة. وفي توقيت انتخابي حساس، تمثل صور تفجير الأنفاق مادة دعائية مثالية لرئيس حكومة يريد القول إنه لا يكتفي بإدارة التهديد، بل يغير الخريطة الأمنية ويزيل البنية التي صنعتها إيران على مدى عقدين.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل