ملخص
مع استمرار الحرب على غزة والقتل فيها منذ نحو ثلاث سنوات، لم يستطع مهرجان البندقية السينمائي (الثاني - الـ12 الجاري) أن يغمض عينيه عما يحدث.
أمس، تكرر مشهد "صوت هند رجب" الذي شهدناه العام الماضي، مع فيلم "نازا" للمخرجين يوفال أبراهام وراشيل زور: تصفيق دام أكثر من 20 دقيقة، وهذا وحده صار مؤشراً لـ"عظمة" الأفلام في زمن وسائط التواصل الاجتماعي.
المخرجان إسرائيليان معارضان، وقد سبق أن فازا بـ"أوسكار" أفضل فيلم وثائقي عن "لا أرض أخرى" (2024)، الذي تشاركا في إخراجه مع الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال. أضيف "نازا" إلى مسابقة الدورة الـ83 في مرحلة لاحقة لإعلان البرنامج الرسمي، وعرض أمس، أي في اليوم ما قبل الأخير من اكتمال عروض المسابقة، وعشية اجتماع لجنة التحكيم برئاسة الأميركية ماغي غيلنهال، لاختيار الفيلم المتوج بـ"الأسد الذهبي". وذهب بعض المتابعين إلى ترشيحه للجائزة الكبرى، ولا سيما مع وجود المخرجة التونسية كوثر بن هنية، المعروفة بمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية، ضمن لجنة التحكيم.
بعيداً من الحسابات السياسية والأيديولوجية، يصعب القول إن "نازا" هو بالضرورة أقوى أفلام المسابقة سينمائياً. فالمهرجانات، كما نعرف، لا تمنح منابرها وجوائزها دائماً وفق معيار فني صرف، إذ كثيراً ما تتداخل الاعتبارات السياسية الراهنة مع الاختيار، وقد يكافأ الموضوع الذي يحمله الفيلم بقدر ما تكافأ الطريقة التي عولج بها سينمائياً. وفي مهرجان عريق كالبندقية، حيث تتقاطع السينما مع السياسة والتاريخ والمزاج العالمي، يصبح هذا التداخل أكثر وضوحاً.
"نازا" وثائقي من 80 دقيقة، يعتمد على شهادات مجموعة عناصر في الاستخبارات الإسرائيلية وغيرهم من قادة عمليات، وافقوا على التحدث إلى المخرجين، شرط ألا تظهر وجوههم، وأن تخضع أصواتهم للتعديل بواسطة تقنيات حديثة، وما يروونه من فظائع ارتكبت في غزة يتجاوز في وقعه ما يمكن للكلمات أن تنقله. ومهما سمعنا عن هذه الوقائع في نشرات الأخبار، فإن مشاهدتها على شاشة كبيرة، على لسان ضالعين في هذه الجرائم، ووسط جمهور يضم آلاف المشاهدين، تمنحها بعداً آخر تماماً.
الفيلم وثيقة اتهام لإسرائيل من داخل منظومتها الأمنية، لكنه في الوقت نفسه، موجه إلى جمهور دولي واسع، أمام مئات الصحافيين وممثلي وسائل الإعلام القادمين من مختلف أنحاء العالم لتغطية المهرجان الإيطالي. وهو أيضاً، في جانب منه، مواجهة يخوضها المخرجان مع نفسيهما ومع ضميريهما. فهما لا يكتفيان بكشف الوقائع، وإنما يطالبان بالمحاسبة، وصولاً إلى أعلى مستويات القرار.
قسوة مشهدية
ومن بين ما يكشف عنه الفيلم أن استهداف المدنيين من نساء وأطفال، لم يكن دائماً نتيجة ما تسميه إسرائيل "أضراراً جانبية"، وإنما كان، وفق الشهادات التي يقدمها، فعلاً ممنهجاً. وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم قسوة، يسأل يوفال أبراهام مشاركاً في هذه العمليات: "هل هي إبادة؟"، فيأتي الجواب مقتضباً وحاسماً: "نعم".
صحيح أن نقطة انطلاق الفيلم هي العدوان الذي شنته إسرائيل على غزة بعد السابع من أكتوبر، لكنه لا يبقى أسير الحاضر، وإنما يعود للماضي عبر مقاطع أرشيفية ترصد طريقة تعاطي الدولة العبرية مع الفلسطينيين، واضعاً ما يحدث اليوم في سياق تاريخي أوسع.
وفي هذا الصدد، يقول المخرجان: "أنجزنا هذا الفيلم انطلاقاً من شعور بالمسؤولية، ومن واجب استخدام موقعنا كإسرائيليين لفحص المنظومات التي تقف وراء القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين، الذي تتحمل دولتنا مسؤوليته. خلال التصوير الذي امتد على مدى السنوات الثلاث الماضية، وجدنا أنفسنا نطرح الأسئلة نفسها التي طرحها أجدادنا، التي ظلت مطروحة طوال القرن الـ20: كيف يمكن لمجموعة من البشر أن تسمح بنزع الإنسانية عن مجموعة أخرى؟ وكيف تعمل منظومة من هذا النوع من الداخل؟ يتيح لنا الفيلم أن نذهب أبعد مما كان ممكناً في عملنا الصحافي الاستقصائي: فهو لا يكتفي بما يقال، وإنما يتوقف أيضاً عند ما لا يقال، أي عند الصمت، وكسر هذا الصمت مسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً".
المتحدثون في الفيلم ليسوا مراقبين أو معلقين على الحدث، وإنما أشخاص شاركوا في هذه العمليات. ومن هنا قيمة شهاداتهم، ذلك أنهم يتحدثون من داخل دوائر القرار، ويشرحون كيف تجمع المعلومات، وكيف تتحول إلى أهداف، وكيف يمنح القرار غطاء إدارياً يمكن أن يخفف من وطأة المسؤولية الأخلاقية عن صاحبه.
وفي هذا السياق، يحتل الذكاء الاصطناعي موقعاً محورياً، فالتكنولوجيا تتيح الوصول إلى الهواتف والبيانات وتعقب الأشخاص، قبل أن تدخل هذه المعلومات في منظومة تحديد الأهداف.
المقلق أن هذه الشهادات، التي تروى في كثير من الأحيان بحياد يخلو من أي إحساس بالذنب، تكشف عن آلية أخطر من مجرد تنفيذ الأوامر. فعندما يتحول دور العنصر في الاستخبارات أو الجيش حلقة في سلسلة تقنية وإدارية طويلة، يغدو من السهل عليه أن يفصل بين الفعل ونتيجته، وأن يقنع نفسه بأنه لا يقتل إنساناً، وإنما "ينفذ إجراء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من سطح أحد المباني، إذ وضع المخرجان الكاميرا، نرى تل أبيب من خلال واجهاتها الهادئة وحياتها اليومية الرتيبة، كأنها بقعة جغرافية تعيش في عالم منفصل عما يجري على مسافة غير بعيدة منها. ولعل هذا التناقض هو ما دفع بعضهم إلى عقد مقارنة مع "منطقة الاهتمام" لجوناثان غلايزر، إذ تعيش عائلة نازية حياة تبدو طبيعية خلف جدران منزلها، فيما تجري جرائم معسكر أوشفيتز على الجانب الآخر. غير أن المقارنة تتوقف عند هذا الحد، فبين الفيلمين مسافة شاسعة على المستوى الفني والجمالي، ولا يبدو "نازا" معنياً بصناعة ذلك التوتر البصري والصوتي الذي جعل من فيلم غلايزر عملاً سينمائياً استثنائياً.
اختار يوفال أبراهام وراشيل زور أن يرويا ما جرى من دون الاتكاء على صور المأساة، إسرائيل تدان هنا بأصوات إسرائيلية، لتصبح الشهادة نفسها أداة لمواجهة الجريمة، من دون الحاجة إلى الصورة التي تثبتها، فالقيمة الأهم في العمل تكمن في الأشخاص الذين وافقوا على الكلام. في الفيلم الوثائقي الاستقصائي، قد تكون الشهادة لحظة التحول التي تمنح المشروع بأكمله سبباً للوجود. وما إن يعثر المخرج على شهود وفاعلين مستعدين للكشف والبوح، حتى تبدأ الخيوط في التشابك، وتتحول الروايات الفردية إلى صورة أوسع للمنظومة. وفي "نازا"، لا تكمن أهمية هذه الشهادات في المعلومات التي تقدمها فحسب، ولكن أيضاً في النحو الذي تقال به. غياب الانفعال، والتعامل مع القتل كما لو أنه إجراء مهني عادي، يصنعان صدمة تتجاوز في أحيان كثيرة ما كان يمكن لصور المأساة أن تفعله.
وعلى رغم أهمية الفيلم كوثيقة وشهادة، يصعب تخيله منافساً جدياً على "الأسد الذهبي"، إذ لا يملك، على المستوى السينمائي الخالص، ما يكفي من المزايا التي تضعه في مصاف أقوى أفلام المسابقة مثل "داو" أو "جندي مطيع" أو "الحصان البري التاسع". لكن الضغوط المحيطة بالفيلم ليست قليلة، ولا سيما في الإعلام الغربي، الذي يبدو أن جزءاً منه اكتشف القضية الفلسطينية بالأمس، بعدما التزم الصمت طوال سنوات. وقد ذهبت مجلة "فالتشر" إلى حد عنونة مراجعتها: "هذا واحد من أهم أفلام عصرنا".
مثل هذه المواقف قد تضيف ضغطاً على لجنة التحكيم، إذ يصبح رفض الفيلم قابلاً لأن يقرأ كموقف من القضية التي يحملها، لا حكماً على الفيلم نفسه.