Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصين تقلب موازين سوق النفط العالمية

بكين تستخدم المخزونات والطاقة والنقل لكبح الطلب

انخفضت مخزونات الصين النفطية بحلول يوليو الماضي بنحو 70 مليون برميل (اندبندنت عربية)

ملخص

تكشف تحولات سوق النفط عن أن قوة المستهلكين تتزايد في مقابل المنتجين، واستفادت الصين من مخزونات ضخمة، بخفض صادرات المشتقات، وتغيير أنماط النقل والطاقة.

تقليدياً، يردد المعلقون والمحللون في الغرب أن منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) تتحكم بأسعار النفط في السوق العالمية، من خلال تحديد حصص الإنتاج لأعضائها لضبط العرض مع استمرار نمو الطلب.

ودائماً ما تنفي "أوبك" ذلك، مؤكدة أن سياساتها تستهدف استقرار السوق العالمية وتوازن معادلة العرض والطلب، وهذا صحيح، إذ إن أي تغيير في سقف الإنتاج يرتبط بمعدلات الطلب لضمان عدم حدوث تخمة في السوق وتلبية احتياجات المستهلكين.

اعتمدت تلك النظرة على أن المنتجين لهم اليد العليا في سوق النفط العالمية، ويمكنهم "التحكم" في السوق والأسعار، أما المستهلكون فلا يملكون ضبط الطلب، لأن قرارات استهلاك الطاقة تعود في غالبها لشركات خصوصاً في الدول المستهلكة، كما أن تلك الدول ليس لديها منظمة مثل "أوبك" تعمل على توحيد سياسات الطاقة.

تظهر تطورات أسواق الطاقة العالمية أخيراً أن كل تلك الافتراضات ليست صحيحة تماماً، كما يخلص تحليل مطول في مجلة الـ"ايكونوميست" إلى أن "الصين الآن هي أكبر قوة نفطية في العالم"، وفي سوق النفط العالمية تعد الصين "زعيمة المستهلكين"، فهي أكبر مستورد للنفط في العالم، وعلى عكس "زعيمة المنتجين" حالياً، الولايات المتحدة، التي تنتج نحو 13 مليون برميل يومياً من النفط الخام.

ليس الأمر تنافساً على الزعامة بين أكبر اقتصاد في العالم، أميركا، وثاني أكبر اقتصاد عالمي، الصين، وإنما حقيقة أن المستهلكين عكسوا مفاهيم السوق ليصبحوا "المتحكم" الأكبر، وليس المنتجين، فتلك هي الخلاصة النهائية من تحليل المجلة في عددها هذا الأسبوع.

حرب إيران وتغيير دينامكيات السوق

على رغم أن تقرير "إيكونوميست" يركز على هذا التغير في سوق النفط وبروز الصين كأكبر قوة عالمية فيه، بربطه بتأثير الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز، إلا أن التغير في سوق الطاقة يعود لبداية الحرب على أوكرانيا عام 2022.

ومع أن تحليل المجلة لا يذكر ذلك، إلا أن ما حدث من تحول في جانب الاستهلاك، وليس فحسب الإنتاج والتصدير، منذ أربع سنوات لعب دوراً مهما في ما يتعرض له التقرير من بروز دور الصين.

الملمح المهم الذي بدأ مع حرب أوكرانيا ليس فحسب توقف أوروبا عن استيراد النفط الروسي والعقوبات الأميركية والغربية على روسيا، وإنما تعديل مسارات النفط عالمياً وتكيف كثير من الدول المستهلكة مع احتمالات نقص الإمدادات.

وذلك هو الأساس الذي بنت عليه الصين سياساتها النفطية، بالصورة التي جعلتها مع أزمة حرب إيران تصبح أكبر محرك لسوق النفط العالمية.

كانت التوقعات مع بداية حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، وما تلا ذلك من توقف مرور ما يزيد على 14 مليون برميل يومياً من النفط عبر مضيق هرمز، أن ترتفع أسعار النفط في السوق العالمية إلى 150 دولاراً للبرميل، وربما إلى 200 دولار، بحسب بعض المتشائمين.

لكن ما حدث أن أسعار النفط لم ترتفع إلا إلى مستوى 120 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة، قبل أن تعود لمستويات نطاق 80 أو 90 دولاراً، بل وهبطت في فترات الانفراج في الصراع إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل.

يرجع بعض المتابعين ذلك إلى قرار الدول المستهلكة، مثل أميركا واليابان، بالإفراج عن النفط من المخزون الاستراتيجي بمعدل نحو مليوني برميل يومياً، إضافة إلى ترشيد دول العالم استهلاك الطاقة، مما أدى إلى ضعف الطلب العالمي وتوازن السوق.

لكن العامل الأهم والأكثر تأثيراً في سوق النفط العالمية كان قرار الصين خفض وارداتها النفطية بنحو 5.5 مليون برميل يومياً، ما بين شهري فبراير ويونيو (حزيران) من العام الحالي.

إجراءات صينية حاسمة

بحسب تقرير المجلة، فإن خفض استيراد الصين للنفط بنحو النصف خفض أسعار النفط العالمية بنحو 30 دولاراً للبرميل.

المثير أن كمية النفط التي وفرها خفض الاستيراد الصيني للمعروض العالمي بلغت نحو نصف معدل تراجع الطلب العالمي في أزمة وباء كورونا، الذي بلغ 9 ملايين برميل يومياً. وفي كل الحالات لم يتأثر نمو الاقتصاد الصيني كثيراً، وإذا كان ينخفض منذ أزمة وباء كورونا، فإن ذلك يعود لأزمات داخلية مثل قطاع العقارات والإنفاق الاستهلاكي، وليس لتراجع الإنتاج والحاجة إلى الطاقة.

إذاً، بإمكان الصين التحكم في سوق النفط العالمية عبر معادلة العرض والطلب من دون أضرار ذات مغزى على أدائها الاقتصادي.

وتلك ميزة تضاف إلى حقيقة أن الصين دولة مركزية، بمعنى أن غالب النشاط الاقتصادي فيها بيد الحكومة في بكين.

وبالتالي يمكنها ضبط استهلاك النفط واستيراده وإعادة تصدير مشتقاته بسهولة، هذا على عكس الدول المستهلكة الأخرى التي يحكم استهلاكها واستيرادها للطاقة قطاع خاص واسع، كما أنها ميزة عن "أوبك" وتحالف "أوبك+" الذي يحتاج في تحديد سقف الإنتاج إلى اتفاق أعضائه كلهم على ذلك.

بحسب تقرير المجلة، فإن بكين اعتمدت على ثلاث ميزات للتحكم في سوق النفط بالصورة التي جعلها فعلاً "أكبر قوة نفطية في العالم" الآن.

ولجأت الصين إلى تلك الإجراءات مع حرب إيران، وإن كانت لها بوادر في سياساتها في شأن الطاقة منذ تغيرات السوق مع حرب أوكرانيا، واستفادت من تجارب الآخرين في تحويل مسار الإمدادات وتقليل الاعتماد على النفط ومشتقاته واستبدالها بمصادر طاقة أخرى.

نتيجة تطبيق بكين لتلك الإجراءات الثلاثة، تمكنت من جعل أسعار النفط في السوق العالمية تظل معقولة، على رغم أن إغلاق مضيق هرمز عطل تصدير ما يصل إلى خمس الإنتاج العالمي من النفط الوارد من منطقة الخليج.

المخزون الاستراتيجي والتجاري

مع وجود فائض معروض في السوق العام الماضي، وبالتالي انخفاض أسعار النفط، اشترت الصين ما يزيد على 200 مليون برميل بأسعار رخيصة، أضافتها إلى مخزونها الذي تجاوز 1 مليار برميل.

ومن بين 11.6 مليون برميل يومياً استوردتها الصين في فبراير2026، كان هناك في الأقل 1 مليون برميل زيادة عن حاجة الاستهلاك.

ما إن توقفت شحنات النفط إلى الصين في أبريل (نيسان) 2026، بدأت عمليات السحب من تلك المخزونات الهائلة.

وبحسب بيانات شركة "فورتكسا"، انخفضت مخزونات الصين النفطية بحلول يوليو (تموز) الماضي بنحو 70 مليون برميل، لكن تلك البيانات لا تأخذ في الحسبان السحب من المخزونات العائمة وغيرها من الاحتياطات المخفية.

وإذا أضيف ذلك السحب، تكون الصين استهلكت نحو 150 مليون برميل (أي نحو 1.5 مليون برميل يومياً) من كل مخزوناتها في الأشهر الثلاثة التي سحبت فيها من المخزونات.

إلا أن غالب ذلك السحب كان من مخزونات المصافي، التي تستهلكها وتعوضها كل شهر، كما يقول توم ريد من "أرغوس ميديا".

وبما أن غالب المصافي مملوكة للدولة، كان ممكناً أن تقرر بكين التوقف عن تخزين نحو 1 مليون برميل يومياً، تضاف إلى 1.5 مليون برميل يومياً التي تسحبها من المخزونات.

وهكذا، فإن خفض الصين استيراد النفط بنحو 5.5 مليون برميل يومياً تم تعويض نصفه تقريباً (2.5 مليون برميل يومياً) من المخزونات المحلية من دون تأثير كبير في الاحتياطات النفطية المخزنة لدى الصين.

بحسب المحللين في شركة "فورتكسا"، يمكن للصين الاستمرار على هذا النحو لمدة أربعة أشهر قبل أن يبدأ المسؤولون في بكين القلق في شأن مستوى مخزونات النفط.

هكذا اعتمدت الصين على مخزوناتها الهائلة، لتتمكن من خفض الطلب العالمي على النفط بنسبة خمسة في المئة تقريباً.

الحد من صادرات المشتقات

العامل الثاني، الذي اعتمد عليه صناع السياسة الصينية لضبط معادلة النفط، هو الحد من صادرات المشتقات. تعتبر الصين ثاني أكبر بلد في العالم من حيث صناعة التكرير وإنتاج مشتقات النفط، وإلى جانب تلبية احتياجات السوق المحلية، يتم تصدير فائض إنتاج المشتقات المكررة، حيث الصين هي أكبر مصدر للوقود إلى دول آسيا المجاورة.

في مارس (آذار) 2026، أصدرت الحكومة الصينية تعليماتها للمصافي كافة في البلاد بالتوقف عن توقيع عقود جديدة لتصدير المشتقات البترولية، ومحاولة الانتهاء من العقود السابقة بسرعة.

ما بين شهري فبراير وأبريل الماضيين، انخفضت صادرات الصين من المشتقات البترولية بنحو النصف تقريباً إلى 430 ألف برميل يومياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أسهم ذلك، إلى جانب تلبية الاحتياجات المحلية من المشتقات، في توفير قدر من النفط الخام الذي كانت المصافي تستخدمه لتكرير منتجات للتصدير.

وحولت الصين ذلك الفائض من نفط المصافي لإنتاج مشتقات كانت بكين تستوردها من دول الخليج، وتعطلت بسبب مشكلات الشحن عبر مضيق هرمز.

إلا أن السحب من المخزونات الهائلة وفرض قيود على تصدير المشتقات ليسا كافيين وحدهما، لتفسير خفض الصين وارداتها النفطية بنحو النصف تقريباً.

لذا هناك عامل ثالث لجأت إليه بكين، للحد من الطلب المحلي على النفط.

التحول في مجال الطاقة

لا يعني ذلك الاستعاضة بالطاقة المتجددة عن الطاقة من البترول، فذلك توجه صيني من أزمات الحروب، لكنه ليس كافياً بما يفسر الإجراءات الأخيرة.

في يونيو 2026، انخفض استهلاك المصافي الصينية من النفط الخام بنحو 2.7 مليون برميل يومياً مقارنة مع العام الماضي.

وانخفض إنتاج الصين من البنزين بنسبة 14 في المئة، بينما انخفض إنتاج الديزل ووقود الطائرات بنسبة 21 في المئة لكل منهما.

السبب وراء ذلك هو التحول في سلوك الصينيين، المدفوع بصورة أو بأخرى بسياسات حكومية. ليس بزيادة كبيرة في استخدام السيارات الكهربائية بديلاً للسيارات التي تعمل بالوقود، فذلك المنحى من التحول لم يشهد تغيراً كبيراً.

إنما سمحت الحكومة بارتفاع أسعار البنزين، فكانت النتيجة أن توقف الناس عن قيادة سياراتهم إلى العمل، ولجأوا إلى استخدام المترو والتاكسي والدراجات، وغالب وسائل النقل العام، إن لم يكن كلها، في الصين تعمل بالكهرباء.

في عطلة رسمية في مايو الماضي، سجل عدد السيارات الكهربائية التي توقفت لشحن الكهرباء على الطرق السريعة ارتفاعاً بنسبة 55 في المئة عما قبل عام.

كذلك حل السفر بالقطارات محل السفر بالطائرات في الرحلات الداخلية، التي انخفض عددها بشدة، كما أجلت السلطات الصينية مشاريع بنية تحتية لتقليل استهلاك الديزل.

ويقدر شياران هيلي من وكالة الطاقة الدولية أن استهلاك الصين من البنزين والكيروسين في الشهرين الأولين من حرب إيران تراجع، بأكثر من نسبة 10 في المئة.

أيضاً تكيفت صناعة البتروكيماويات الصينية للحد من استخدام النفط ومشتقاته المستوردة من الخليج، مثل النافتا وغاز البترول المسال المستخدمة في إنتاج البوليمرات التي تستهلكها الصناعات الصينية بكميات هائلة.

ولجأت شركات البتروكيماويات إلى صناعة البوليمرات باستخدام الفحم والإيثين، (وهو غاز ينتج جانبياً من عمليات تكرير البترول).

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز