ملخص
تتسع أزمة إنفانتينو داخل "فيفا" مع رحيل مسؤول بارز وانتقادات آسيوية ورفض اتحادات دعمه، تزامناً مع طعن قانوني في أحقيته بولاية رابعة.
دخلت أزمة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" جياني إنفانتينو مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما انتهت علاقة العمل بين الهيئة الحاكمة ومدير العمليات التنفيذي كيفن لامور، تزامناً مع تحرك منظمة حقوقية للطعن في أحقية الرئيس السويسري - الإيطالي في الترشح لولاية رابعة، وتصاعد الخلاف داخل القارة الآسيوية حول موقف الاتحاد من قيادة المؤسسة الدولية.
وأعلن "فيفا" أن علاقة العمل مع لامور انتهت في الـ17 من أغسطس (آب) 2026، بعد أسابيع من انتقاد المسؤول الفرنسي علناً مشروع إنفانتينو المثير للجدال لفتح الباب أمام مستثمرين من القطاع الخاص للحصول على حصة في الحقوق التجارية لبطولات الاتحاد، ومن بينها كأس العالم.
ويأتي رحيل لامور بعد استقالة كبير مستشاري إنفانتينو، كارلوس كورديرو، احتجاجاً على المشروع نفسه، الذي كان يستهدف إنشاء شركة تابعة بقيمة 20 مليار دولار وإتاحة ما يصل إلى 20 في المئة من أسهمها أمام مستثمرين خارجيين، للحصول على تمويل يزيد على أربعة مليارات دولار.
وبينما تراجع "فيفا" عن المشروع تحت ضغط الاتحادات القارية والوطنية، لم تتوقف تداعياته، بل تحولت إلى أزمة ثقة أوسع تهدد محاولة إنفانتينو الفوز بولاية رابعة خلال الجمعية العمومية المقررة في المغرب في مارس (آذار) 2027.
رحيل لامور بعد انتقادات مباشرة
وقال متحدث باسم "فيفا" إن علاقة العمل بين الاتحاد الدولي ولامور، بصفته مدير العمليات التنفيذي، انتهت في الـ17 من أغسطس، موجهاً الشكر إليه على خدماته خلال العامين الماضيين ومتمنياً له التوفيق في المستقبل.
ولم يوضح الاتحاد الدولي أسباب إنهاء العلاقة، مكتفياً بالتأكيد أنه لن يدلي بمزيد من التعليقات.
وكان لامور قد انضم إلى مجموعة القيادة العليا في "فيفا" في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، بعدما كان جزءاً من الدائرة المقربة التي قادت حملة إنفانتينو الانتخابية لرئاسة الاتحاد الدولي عام 2016.
لكن موقفه تغير بصورة حادة بعد الكشف عن مشروع الاستثمار الخاص، إذ قال إن موظفي "فيفا" تعرضوا للتضليل في شأن الخطة، ووصفها بأنها "مشروع شخص واحد".
وقال لامور في انتقاد علني نادر من مسؤول داخل الدائرة القيادية للاتحاد الدولي إن مهمة "فيفا" هي خدمة كرة القدم وليس خدمة المصالح الشخصية لشخص يعتقد أنه يجسد الاتحاد، بينما يتمثل دوره الحقيقي في خدمة المؤسسة.
وجاءت تصريحات لامور بعد ساعات فقط من استقالة كورديرو، الذي وصف المقترح بأنه "صفقة سيئة لكرة القدم"، مؤكداً أنه لم يشارك في إعداده ويعارضه بصورة قاطعة.
مشروع الاستثمار أشعل الخلاف
وكان إنفانتينو اقترح فصل الحقوق التجارية لكأس العالم والبطولات الأخرى التي ينظمها "فيفا" ضمن شركة تابعة تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، مع بيع حصة تصل إلى 20 في المئة لمستثمرين من القطاع الخاص بهدف جمع نحو 4.2 مليار دولار.
وكان المقترح يتضمن أيضاً منح الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 اتحاداً نحو 20 مليون دولار خلال الدورة التمويلية المقبلة، مع إمكان مضاعفة المبلغ في حال الموافقة على الاتفاق.
وأدى المشروع إلى خلاف غير مسبوق داخل المؤسسة، بعدما اعتبرت اتحادات أوروبية وآسيوية وأميركية شمالية أن طريقة طرحه تجاوزت المؤسسات القارية ولم توفر القدر المطلوب من التشاور والشفافية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتراجع "فيفا" في نهاية المطاف عن المشروع، قبل أن يعتذر إلى الاتحادات الأعضاء عن الأخطاء التي صاحبت إدارته ويعلن إجراء مراجعة للإجراءات المتبعة.
لكن التراجع لم يُنهِ الأزمة، بل نقلها إلى مستوى آخر، بعدما طالبت اتحادات قارية بإجراء مراجعة مستقلة لأداء إنفانتينو، فيما رأت مصادر مطلعة أن الرسالة التي وجهتها الاتحادات الثلاثة إلى رئيس "فيفا" كانت فرصة أمامه للتنحي مع الحفاظ على كرامته.
الطعن في الولاية الرابعة
وفي خضم هذه التطورات، تحركت منظمة "فير سكوير" المعنية بحقوق الإنسان في الرياضة ضد محاولة إنفانتينو الترشح لولاية رابعة، مطالبة لجنة الحوكمة والتدقيق والامتثال في "فيفا" بإعلان عدم أهليته لخوض الانتخابات.
ويقتصر شغل منصب رئيس "فيفا" وفق اللوائح على ثلاث ولايات، لكن إنفانتينو نجح عام 2022 في إقناع اللجنة بأن الفترة التي قضاها بين 2016 و2019 لا تحتسب ضمن الحد الأقصى، لأنها كانت استكمالاً لولاية لم تكتمل.
وكان إنفانتينو تم انتخابه للمرة الأولى في مؤتمر استثنائي عام 2016، بعد استقالة سيب بلاتر على خلفية فضيحة فساد، ثم أعيد انتخابه من دون منافس في 2019 و2023.
وتقول "فير سكوير" إن تفسير الولاية الأولى يتعارض مع لوائح الاتحاد الدولي، وإن احتسابها يعني أن إنفانتينو استوفى بالفعل الحد الأقصى المسموح به.
وقال مدير المنظمة، نيكولاس ماكغيهن، إن الشكوى تتضمن أدلة واضحة على ما وصفه بـ"انتهاك صريح للقواعد"، محذراً من سابقة خطرة في حال السماح بالالتفاف على قاعدة تحديد الولايات الرئاسية.
وأضاف أن القواعد تنص بوضوح على أن ثلاث ولايات هي الحد الأقصى، ولا يمكن تجاوز هذه القاعدة، التي يفترض أن تكون وسيلة للحد من سلطة الرئيس، بمجرد القول إن الولاية الأولى لا تحتسب.
قرار 2022 تحت المجهر
ولم تكتفِ المنظمة بالطعن في تفسير الولاية، بل شككت أيضاً في شفافية القرار الذي اتخذه "فيفا" عام 2022، مشيرة إلى أن حيثياته لم تنشر للرأي العام.
وقال ماكغيهن إن عدم تقديم أسباب تدعم استبعاد الولاية الأولى، إلى جانب الإعلان عن القرار قبل يومين فقط من نهائي كأس العالم 2022 في قطر، يثير تساؤلات حول الأساس الذي استند إليه.
وساعد المسؤول البارز السابق في "فيفا" ورئيس لجنة الحوكمة والتدقيق المستقلة سابقاً، ميغيل مادورو، في صياغة خطاب المنظمة.
وقال مادورو إن تحديد مدد الرئاسة كان ركناً أساساً في إصلاحات عام 2016 الهادفة إلى الحد من السلطة، وإن القاعدة واضحة في أن رئيس "فيفا" لا يجوز له تولي المنصب لأكثر من ثلاث ولايات.
وأضاف أن محاولة استثناء إنفانتينو من القاعدة تكشف، بحسب رأيه، عن مقاومة لمبدأ تحديد الولايات، وتظهر أن بعض المسؤولين داخل الاتحاد ينظرون إلى القواعد باعتبارها عقبات يمكن الالتفاف عليها بدلاً من كونها أحكاماً واجبة الاحترام.
ولم يرد "فيفا" على طلبات التعليق في شأن شكوى "فير سكوير"، لكنه كان قد أكد في ديسمبر (كانون الأول) 2022، بالإجماع، أن الفترة بين 2016 و2019 لا تدخل في احتساب ولايات إنفانتينو.
جبهة قارية تتحدى القيادة
وتزامنت هذه التطورات مع استمرار الضغط من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، والاتحاد الآسيوي، واتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي "كونكاكاف"، التي دعت الأسبوع الماضي إلى مراجعة مستقلة لأداء إنفانتينو.
وتقف الاتحادات الثلاثة في صف المعارضة، على رغم أن رئيس "فيفا" لا يزال يحظى بدعم الاتحادين الأفريقي "كاف" واتحاد أميركا الجنوبية "كونميبول".
وأعلنت اتحادات وطنية مواقف أكثر وضوحاً، إذ قال الرئيس التنفيذي للاتحاد الاسكتلندي لكرة القدم، إيان ماكسويل، إن اتحاده لن يدعم إعادة انتخاب إنفانتينو.
وفي المقابل، لم تتوقف الاتحادات الداعمة للرئيس عن إعلان مواقفها، ما يعكس انقساماً واسعاً قبل الانتخابات المقررة في الـ18 من مارس 2027 في المغرب.
وكان إنفانتينو يبدو في وقت سابق متجهاً بسهولة نحو ولاية رابعة، لكن مشروع الاستثمار الخاص نقل المنافسة من انتخابات كانت شبه محسومة إلى معركة مفتوحة حول مستقبل قيادة "فيفا" وقواعدها وآليات اتخاذ القرار فيها.
خلاف آسيوي على طريقة مواجهة إنفانتينو
ولم تقتصر الانقسامات على العلاقة بين الاتحادات القارية وقيادة "فيفا"، بل انتقلت إلى داخل الاتحاد الآسيوي نفسه، بعدما دخل رئيس الاتحاد الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة في مواجهة علنية مع الاتحاد القطري لكرة القدم.
ورفض رئيس الاتحاد الآسيوي اليوم الثلاثاء اتهامات الاتحاد القطري بتجاوز صلاحياته عندما انضم إلى "يويفا" و"كونكاكاف" في توجيه انتقادات إلى إنفانتينو والمطالبة بمراجعة إدارته.
وكان رئيس الاتحاد القطري وعضو اللجنة التنفيذية للاتحاد الآسيوي ومجلس "فيفا"، الشيخ حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني، بعث الأسبوع الماضي برسالة إلى الاتحاد القاري أكد فيها أنه لم تتم استشارته، ولا استشارة الاتحاد القطري، قبل إصدار الرسالة المفتوحة المشتركة للاتحادات الثلاثة.
ورد الاتحاد الآسيوي برسالة اطلعت عليها وكالة "رويترز"، نفى فيها بصورة قاطعة تجاوزه لصلاحياته، مؤكداً أن مسؤولياته تخوله التحرك لحماية مصالح الاتحاد الآسيوي ومكانة كرة القدم في القارة عندما تتعرض مصالح اللعبة للخطر.
وقال إن صمت الاتحاد الآسيوي في الظروف التي سبقت إصدار البيان المشترك كان سيتعارض مع مسؤوليته القانونية تجاه كرة القدم الآسيوية.
هجوم على الموقف القطري
انتقد رئيس الاتحاد الآسيوي ما وصفه بالاعتراض "المفاجئ والانتقائي" من الاتحاد القطري، مشيراً إلى أن الاتحاد الآسيوي ورؤساءه سبق أن أصدروا بيانات عامة في شأن قضايا تخص كرة القدم في القارة، من بينها دعم قطر خلال استضافتها كأس العالم 2022 في مواجهة الضغوط الدولية.
وقال المسؤول البحريني، البالغ 60 سنة، إنه لا يتذكر أن الاتحاد القطري أثار اعتراضاً إجرائياً عندما كان النهج المتبع يخدم مصالحه المباشرة، معتبراً أن ذلك يجعل من الصعب التوفيق بين موقفه الحالي ومواقفه السابقة.
وأضاف أن موقف الاتحاد القطري خلال الأسابيع الأخيرة أسهم في إضعاف وحدة كرة القدم الآسيوية وتقويض دور الاتحاد القاري، معتبراً أن تغليب الاعتبارات الإجرائية على الدفاع عن مصالح اللعبة يمثل اختياراً للمسائل الفنية على حساب حماية كرة القدم الآسيوية والعالمية.
ولم يرد الاتحاد القطري على طلب للتعليق أرسل عبر البريد الإلكتروني.
وكانت قطر إضافة إلى المغرب، أحد مستضيفي كأس العالم 2030، من بين ستة اتحادات عربية أعلنت في وقت سابق هذا الشهر دعمها لإنفانتينو، فيما جدد "كاف" بدوره دعمه لرئيس "فيفا".