ملخص
يعرقل وجود القوات الأجنبية في ليبيا، المنقسمة إلى سلطتين، جهود توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية في البلاد، التي لا تزال تتلمس طريقها نحو الاستقرار المؤسسي عبر انتخابات وطنية شاملة.
بعد تراجع وجودها العسكري في سوريا، ركزت روسيا على توسيع حضورها في منطقة الشرق والجنوب الليبي الواقعة تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي (شرق البلاد) الذي يقوده المشير خليفة حفتر.
وتحظى ليبيا بأهمية في الأجندة الروسية العسكرية، باعتبارها تتوفر على عوامل مساعدة لتغلغل موسكو في العمق الأفريقي وعلى رأسها موقع البلد الممتد على البحر الأبيض المتوسط والقريب من طرق العبور البرية، الأمر الذي يوفر لروسيا مجالاً واسعاً للتحرك العسكري واللوجستي باتجاه دول شمال أفريقيا، بخاصة إثر الانسحاب التدرجي للقوات الفرنسية من منطقة الساحل، وما أفرزه من فراغ أمني واستراتيجي تسعى موسكو إلى ملئه.
الوجود العسكري
وتأكد الوجود الروسي في ليبيا عام 2019 خلال الحرب التي شنها حفتر على طرابلس العاصمة والتي انتهت بتراجع قواته، وجرى تغيير اسم ما تعرف بـ"فاغنر" إلى قوات الفيلق الأفريقي التابع لوزارة الدفاع الروسية، الذي تعتمد عليه موسكو لتحقيق أهداف استراتيجية.
يأتي في مقدمة تلك الأهداف قدرتها على ممارسة ضغط متواصل على أوروبا والولايات المتحدة، مستفيدة من موقعها في ليبيا القريب من قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في المتوسط، إضافة إلى مخاوف غربية في شأن قدرتها على الوصول إلى مواقع إمدادات النفط والغاز لا سيما في ظل تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية.
ويعرقل وجود القوات الأجنبية في ليبيا، المنقسمة إلى سلطتين، جهود توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية في البلاد، التي لا تزال تتلمس طريقها نحو الاستقرار المؤسسي عبر انتخابات وطنية شاملة.
وهنا يقول منتدى الدفاع الأفريقي إن روسيا تخطط لتمويل وتنفيذ مشاريع بنية تحتية وتوفير أفراد للعمل في ست قواعد جوية ليبية، استناداً إلى بيانات مشروع "تير لاين" التابع للوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية المكانية، في مؤشر إلى توسع الحضور العسكري الروسي داخل ليبيا.
وبحسب التقرير، تشمل القواعد الجوية المستهدفة كلاً من الجفرة والخادم والقرضابية وبراك الشاطئ ومعطن السارة وتمنهنت، وهي قواعد موزعة جغرافياً بين وسط وشرق وجنوب ليبيا، وتضم معدات عسكرية ومنظومات دفاع جوي وطائرات "ميغ-29" وطائرات مسيرة، مع وجود أفراد عسكريين ومرتزقة روس فيها، وفق التقرير.
أهمية استراتيجية
وتبين مواقع هذه القواعد، الممتدة من الوسط نحو الشرق والجنوب الليبي، الأهمية الاستراتيجية التي تجعلها نقاط ارتكاز لموسكو داخل وخارج ليبيا، ففي أقصى الجنوب الشرقي تقع قاعدة معطن السارة الجوية ضمن نطاق بلدية الكفرة، في المثلث الحدودي الذي يربط ليبيا بالسودان وتشاد.
وتبعد القاعدة بنحو 320 كيلومتراً من مدينة الكفرة، ونحو 100 كيلومتر عن الحدود التشادية و300 كيلومتر عن الحدود السودانية، مما يمنحها أهمية استراتيجية باعتبارها من أبرز المواقع العسكرية القريبة من الحدود الجنوبية الشرقية، إذ تشكل برج مراقبة وتحرك باتجاه دول الساحل.
وتتربع قاعدة براك الشاطئ الجوية، في منطقة وادي الشاطئ بإقليم فزان، بالقرب من مدينة سبها، وسط بيئة صحراوية تمتد حولها مرافق ومناطق زراعية.
موقعها في جنوب البلاد يمنحها أهمية عسكرية ولوجستية، باعتبارها إحدى القواعد الجوية الرئيسة في الجنوب، وقريبة من الطرق البرية التي تربط مناطق فزان ببقية الأراضي الليبية.
وتقع قاعدة تمنهنت الجوية هي الأخرى بالجنوب الليبي على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال شرقي سبها، ضمن نطاق بلدية وادي البوانيس، وعلى مساحة تقدر بنحو 35 كيلومتراً مربعاً. وتشرف القاعدة على الطريق الرابط بين سبها ومنطقة الجفرة وشمال البلاد، مما يجعلها موقعاً مهماً للتحرك الجوي واللوجستي، وتعد من كبرى القواعد الجوية في جنوب ليبيا.
وتوجد قاعدة الجفرة الجوية بوسط الصحراء الليبية، بالقرب من مدينة ودان، على بعد نحو 300 كيلومتر جنوب سرت ونحو 600 كيلومتر جنوب شرقي طرابلس، موقعها المتوسط بين شرق البلاد وغربها وجنوبها يمنحها أهمية عسكرية، بخاصة أنها تتوفر على مدرجات وبنية تحتية تسمح باستقبال طائرات عسكرية وتنفيذ عمليات جوية ولوجستية على مسافات واسعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما قاعدة القرضابية الجوية فتقع على بعد نحو 15 كيلومتراً جنوب مدينة سرت التي تربط غربها بشرقها ضمن المحور الاستراتيجي الممتد بين سرت والجفرة، وبالقرب من منطقة الهلال النفطي. موقع يمنحها أهمية عملياتية، باعتبارها نقطة قريبة من المنشآت والموانئ النفطية، فضلاً عن موقعها الوسطي الذي يجعلها مناسبة للتحرك الجوي واللوجستي بين مناطق ليبيا المختلفة.
ونجد قاعدة الخادم أو الخروبة العسكرية شمال شرقي البلد، وتحديداً جنوب مدينة المرج بنحو 65 إلى 100 كيلومتر، وعلى مسافة تقارب 170 كيلومتراً من بنغازي، وتوجد القاعدة داخل مطار الخروبة العسكري، وتبلغ مساحتها نحو 15 كيلومتراً مربعاً، وتتضح أهميتها من استخدامها كموقع للإمداد والعمليات الجوية في شرق ليبيا.
دعم الصراعات
وحذر محللون عسكريون من هذا التوسع الذي "سيدعم الصراعات الإقليمية والدولية"، عبر استغلال موسكو هذه القواعد الجوية الليبية كنقاط ارتكاز لنقل العناصر القتالية والعتاد والأسلحة نحو دول أفريقية منها السودان والتشاد، إضافة إلى أخطار عرقلة استقرار الداخل الليبي.
وعلاقة بأسباب توسع روسيا لوجودها في الشرق والجنوب الليبي تجاه العمق الأفريقي، يقول الكاتب المتخصص بالشؤون الأفريقية محمد تورشين، إن موسكو بذلك تؤكد أنها تقف مع حكومة الشرق وذراعها العسكرية المتمثلة في قوات حفتر، لتقدم تطمينات لحلفائها في الداخل والخارج الليبي وتحثهم على الاعتماد عليها لمحاربة التهديدات الأمنية التي تواجه ليبيا ومنها الاتجار بالبشر والسلاح وتنقل التنظيمات الإرهابية.
ويؤكد تورشين أن توسع روسيا تجاه هذه القواعد الجوية هو أيضاً رسالة لحكومة طرابلس إذا ما كانت تفكر في السيطرة على الجغرافيا التي تقع تحت نفوذ حفتر، مضيفاً أن موسكو بذلك تحاول تأمين وجودها في الدول الأفريقية الأخرى، ومنها دول الساحل التي توجد فيها روسيا على غرار بوركينا فاسو ومالي والنيجر، أو دول أخرى باعتبار أن وجودها في ليبيا يسهل عليها نقل العتاد العسكري عن طريق الجو .
ويوضح أن تعزيز وجود موسكو في ست قواعد جوية ليبية سيمكنها من الحصول على مناطق جديدة على غرار الاتفاقية التي جرى توقيعها بين روسيا وتوغو وحصولها على قاعدة بحرية في لومي، إضافة إلى القاعدة المعروضة عليها في السودان.
ويقول إن هذا الانتشار أيضاً قادر على تهديد الدول الأوروبية من خلال البحر الأبيض المتوسط باعتباره الحاجز الذي يفصل بين الدول الأفريقية والأوروبية، ومن ثم انتشار روسيا في هذه المناطق سيثير مخاوف دول عدة بخاصة إيطاليا وفرنسا، مما يعني أنها ستعيد النظر في الشكل وحجم الدعم المقدم في إطار الحرب الروسية - الأوكرانية .
شبكة ارتكاز
ويرى عضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية، العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي مختار بالنصر، أن المؤشرات المتاحة تظهر أن تطوير القواعد الجوية في ليبيا يتجاوز بكثير مجرد تحسين بنية تحتية عسكرية أو الحفاظ على وجود روسي قائم، ففي يونيو (حزيران) الماضي نشر مشروع "تير لاين" التابع للوكالة الوطنية الأميركية للاستخبارات الجغرافية المكانية تقريراً خلص إلى أن أعمال التطوير في هذه القواعد الست ترتبط غالباً بتعزيز موطئ قدم روسيا في شمال أفريقيا والساحل، وتأمين وصول عملياتي لـ"فيلق أفريقيا" مع إبقاء موسكو قرب الجناح الجنوبي لحلف الناتو.
ويقول إن الهدف الأساس للوجود الروسي في هذه القواعد الجوية يتمثل في بناء شبكة ارتكاز عسكرية موزعة، لا تعتمد على قاعدة واحدة بعينها، حيث تمنح الجغرافيا الليبية موسكو ميزة لافتة، فقاعدة الجفرة تقع في قلب البلاد تقريباً، وقاعدتا الخادم والقرضابية تتيحان الوصول إلى الشرق والمتوسط، فيما توفر براك الشاطئ وتمنهنت ومعطن السارة عمقاً نحو الجنوب والحدود مع منطقة الساحل.
وينوه بالنصر بأن الاستثمار في المدارج وحظائر الطائرات ومرافق الصيانة والإيواء والحماية لا يهدف فقط إلى استقبال طائرات أو قوات، بل إلى إنشاء بنية تحتية مستدامة تسمح بالتناوب والإمداد والصيانة والاستطلاع والنقل الجوي، وربما تشغيل المسيرات والطيران القتالي.
منصة عمليات للساحل
وحول إمكان تحول ليبيا إلى منصة عمليات باتجاه الساحل الأفريقي، يقول عضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية إن هذا الأمر هو جوهر هذا التحول الاستراتيجي، فليبيا تشكل جسراً جغرافياً بين المتوسط والصحراء الكبرى والساحل، وهو ما لا توفره القواعد الساحلية في المتوسط وحدها، وهذه الميزة تسمح لروسيا بربط وجودها العسكري في ليبيا بشبكة "فيلق أفريقيا" في مالي والنيجر، مع إمكان تقديم إسناد لوجستي وجوي ونقل الأفراد والمعدات.
ويواصل حديثه قائلاً "يتوازى ذلك مع تنامي الوجود الجوي الروسي في مالي، حيث تشير تقارير 2026 إلى إنشاء مجموعة طيران قتالية روسية هناك، مما يعزز فرضية وجود سلسلة ارتكاز جوية تمتد من ليبيا إلى عمق الساحل، وفي هذا السياق، يرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن انخراط روسيا في ليبيا والسودان يسمح لها بإسقاط القوة بشكل أعمق داخل أفريقيا".
وفي شأن إذا ما سيتحول هذا الوجود العسكري الروسي في ليبيا إلى نفوذ طويل الأمد، يؤكد العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي مختار بالنصر، أن هذا هو الهدف الأساس لموسكو، لأن هناك فرقاً استراتيجياً جوهرياً بين وجود قوة أجنبية في قاعدة قائمة، وإعادة بناء شبكة قواعد وتأمين التمويل والإنشاء والكوادر اللازمة لتشغيلها، فالحال الثانية تنتج قدرة على البقاء والتوسع.
ويقول بالنصر إن تقرير "تير لاين" يقدر على وجه التحديد أن روسيا توفر التخطيط والتمويل والبناء والأفراد لتوسعة هذه القواعد، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذا لا يعني بالضرورة أن الكرملين يمول كل مشروع بصورة مباشرة، فبعض الأنشطة قد تكون ليبية المنشأ، ولهذا، من الأدق الحديث عن ترسيخ بنية نفوذ روسية.