Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبوات شرقا ومسيرات غربا: ليبيا تمر بليلة عصيبة أمنيا

اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي يعيد مخاوف الخلايا السرية واستهداف خزانات الوقود في الزاوية يرفع مستوى الخطر في الغرب

ما حدث بين بنغازي والزاوية يقدم، في المحصلة، إنذارين مختلفين للدولة الليبية (رويترز)

ملخص

بين عبوة ناسفة تستهدف مسؤولاً استخباراتياً في بنغازي ومسيرة تضرب خزاناً يحوي ملايين اللترات من الوقود في الزاوية، تبدو ليبيا أمام تحدٍ أمني مختلف، تهديدات أصغر حجماً من الحروب المفتوحة، لكنها أكثر قدرة على المباغتة وأشد خطراً على الاستقرار والمنشآت الحيوية.

في ليلة واحدة، حمل المشهد الأمني الليبي إشارتين بالغتي الخطورة من شرق البلاد وغربها، ففي بنغازي اغتيل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية بالقيادة العامة للجيش الليبي، اللواء فوزي المنصوري، بعبوة ناسفة زرعت بسيارته عقب خروجه من أحد المساجد بعد أداء صلاة العشاء، بينما كانت مدينة الزاوية غرب طرابلس تواجه هجوماً جديداً بطائرة مسيرة استهدف منشأة لتخزين الوقود، في ثالث حادثة من نوعها تطاول منشآت حيوية في المدينة خلال أيام قليلة.

ورغم اختلاف طبيعة الحادثتين والبيئة الأمنية المحيطة بكل منهما، فإن تزامنهما يفتح أسئلة تتجاوز هوية المنفذين إلى طبيعة التهديدات الأمنية التي باتت تواجه ليبيا، ولا سيما مع عودة أسلوب الاغتيال بالعبوات الناسفة إلى بنغازي، ودخول الطائرات المسيرة بصورة متزايدة إلى معادلة الصراعات المسلحة في غرب البلاد.

اغتيال يهز بنغازي

في بنغازي، استهدفت عبوة ناسفة سيارة اللواء فوزي المنصوري في منطقة الهواري مساء الإثنين، قرب مسجد السيدة عائشة، ما أدى إلى مقتله من دون تسجيل ضحايا آخرين، وفق المعلومات المتاحة حتى الساعات الأولى من الثلاثاء، وأكد مدير إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الليبي اللواء خالد المحجوب أن "المنصوري كان قد خرج لتوه من المسجد بعد أداء صلاة العشاء، وأن العبوة كانت مثبتة في سيارته وانفجرت عقب خروجه".

هذه العملية تكتسب خطورتها ليس فقط من هوية المستهدف، بل بشكل أكبر من طريقة تنفيذها، فالمنصوري يتولى رئاسة أحد أكثر الأجهزة العسكرية حساسية، بعدما كلف بإدارة الاستخبارات العسكرية في مايو (أيار) 2024، وكان قبل ذلك آمراً لمنطقة سبها العسكرية منذ أغسطس (آب) 2021.

من ثم فإن الوصول إلى مسؤول أمني بهذا المستوى، وزرع عبوة ناسفة في سيارته أو استهدافها بها، يطرح أسئلة جدية بشأن كيفية مراقبة تحركاته والوصول إلى المركبة وتحديد التوقيت المناسب للتفجير.

وتبدو هذه الأسئلة أكثر حساسية بالنظر إلى التحول الأمني الذي عاشته بنغازي خلال السنوات الماضية، بعد مرحلة طويلة من الاغتيالات والتفجيرات والقتال الذي شهدته المدينة منذ عام 2014، قبل أن يتمكن الجيش الليبي من القضاء على التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة التي كانت تسيطر على أجزاء منها.

لهذا يعيد اغتيال المنصوري إلى الذاكرة واحداً من أكثر فصول بنغازي دموية، عندما كانت العبوات اللاصقة والمفخخات وعمليات اغتيال الضباط والعسكريين جزءاً شبه يومي من المشهد الأمني.

هذه المقارنة يبدو أنها كانت قراءة أولية للحدث أيضاً بالنسبة للجهات الأمنية والعسكرية قبل استكمال التحقيقات، إذ قال اللواء خالد المحجوب إن "طريقة تنفيذ اغتيال اللواء فوزي المنصوري تشبه الأساليب التي استخدمتها الجماعات الإرهابية في ليبيا قبل عام 2014 لاستهداف الضباط والنشطاء"، مع تأكيده في الوقت نفسه أن "التحقيقات لا تزال جارية ولم تصل بعد إلى نتائج نهائية بشأن منفذي العملية".

وحتى استكمال التحقيقات وتحديد المسؤولين عن تنفيذ عملية الاغتيال تمثل الحادثة، بصرف النظر عن هوية منفذيها التي لم تحسم بعد، اختراقاً أمنياً واضحاً يستوجب مراجعة منظومة الحماية والمعلومات داخل المدينة، خصوصاً أن المستهدف ليس شخصية مدنية أو عسكرية عادية، بل رئيس الجهاز الذي يفترض أن يقع في قلب منظومة جمع المعلومات وكشف التهديدات.

المسيرات تغير قواعد الصراع

في غرب البلاد، وعلى بعد لا يزيد على 40 كيلو متراً عن قلب العاصمة طرابلس، عاشت مدينة الزاوية اختراقاً أمنياً من نوع آخر وتطوراً لا يقل خطورة، فقد تعرض خزان للوقود في مصفاة المدينة النفطية، مساء الإثنين، لاستهداف بطائرة مسيرة أدى إلى اندلاع حريق ضخم وانهيار الخزان، ما دفع المؤسسة الوطنية للنفط لإعلان حالة الطوارئ القصوى، مشيرة إلى "خطورة تكرار الاعتداءات التي استهدفت منشآت وأصولاً نفطية في المدينة خلال الأيام الأخيرة"، وبحسب المعلومات الأولية، كان الخزان المستهدف يحتوي نحو 4.5 مليون لتر من بنزين السيارات.

ولم يكن الهجوم الأول من نوعه في الأيام الأخيرة، إذ أعلنت شركة الزاوية لتكرير النفط قبل يومين، اصطدام طائرة مسيرة بخزان يحتوي على مادة "الديزل" غير المعالجة داخل المصفاة، ما أحدث ثقبين وتسرباً جرى احتواؤه من دون اندلاع حريق أو وقوع إصابات، وفي اليوم التالي أبلغ عن استهداف خزان مياه في محطة تحلية الزاوية المحاذية للمصفاة بطائرة مسيرة أيضاً.

وتأتي هذه التطورات بعد فترة من التوتر والاشتباكات بين مجموعات مسلحة في الزاوية ومحيطها بداية الأسبوع، وهي مدينة ظل المشهد الأمني فيها خلال السنوات الماضية محكوماً بتوازنات معقدة بين تشكيلات مسلحة تتنافس على النفوذ والسيطرة، لكن دخول الطائرات المسيرة إلى هذه البيئة ينقل مستوى الخطورة إلى مرحلة مختلفة.

فإذا أثبتت التحقيقات أن إحدى الجماعات المحلية المسلحة تقف وراء الهجمات الأخيرة، فستكون الدلالة الأهم أن بعض التشكيلات في غرب ليبيا لم تعد تمتلك الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والمدرعات فحسب، وإنما باتت قادرة على تشغيل مسيرات هجومية وضرب أهداف محددة عن بعد.

وهذا التطور يمكن أن يغير قواعد الاشتباك جذرياً، لأن المسيرة تمنح مستخدمها القدرة على تجاوز خطوط التماس واستهداف مخازن الوقود والمقار والمركبات والبنية التحتية من مسافة بعيدة، بما يجعل المنشآت المدنية والاقتصادية الواقعة خارج مناطق القتال التقليدية جزءاً من دائرة الخطر.

النفط يدخل دائرة النار

الصحافي الليبي الصديق الورفلي يصف الدلالات الخطرة للهجوم بمسيرة على أهم منشأة نفطية في غرب ليبيا بقوله "مصفاة الزاوية التي جرى استهدافها، ليست مجرد منشأة محلية عادية، وإنما واحدة من أهم مرافق التكرير وتخزين وتوزيع المحروقات في غرب ليبيا، وبالتالي فإن تكرار الهجمات في محيطها يمكن أن يحول نزاعاً بين مجموعات مسلحة إلى تهديد مباشر لأمن الطاقة الليبي وإمدادات الوقود".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "لهذا وصفت المؤسسة الوطنية للنفط الاعتداءات بأنها تصاعدت خلال الأيام الماضية بصورة خطرة، وأعلنت حالة الطوارئ القصوى وطالبت بفتح تحقيق شامل لتحديد مرتكبيها والجهات التي تقف وراءهم، محذرة من أن استهداف المنشآت النفطية يمثل تهديداً مباشراً لأمن البلاد ومقدراتها".

ورأى أن "الأخطر في استمرار استخدام المسيرات أنه قد يخلق نموذجاً جديداً للصراع في غرب ليبيا، تتحول فيه المنشآت النفطية ومحطات الكهرباء والمياه والمقار الأمنية إلى أهداف يمكن ضربها من دون اقتحامها أو السيطرة عليها ميدانياً".

إنذاران في ليلة واحدة

ما حدث بين بنغازي والزاوية يقدم، في المحصلة، إنذارين مختلفين للدولة الليبية، الأول في الشرق، حيث يكشف اغتيال مسؤول بحجم رئيس الاستخبارات العسكرية أن الاستقرار الأمني الذي تحقق في بنغازي يحتاج إلى حماية مستمرة من عودة أساليب الخلايا السرية والعبوات والاغتيالات، وأن انتهاء المعارك الكبرى لا يعني بالضرورة انتهاء التهديدات غير المرئية.

أما الثاني في الغرب، حيث توحي الهجمات المتكررة بأن الصراع بين الجماعات المسلحة قد يكون بصدد دخول مرحلة أكثر تطوراً تقنياً، يصبح فيها امتلاك الطائرات المسيرة عاملاً جديداً في موازين القوة.

في العموم، بين عبوة ناسفة تستهدف مسؤولاً استخباراتياً في بنغازي ومسيرة تضرب خزاناً يحوي ملايين اللترات من الوقود في الزاوية، تبدو ليبيا أمام تحدٍ أمني مختلف، تهديدات أصغر حجماً من الحروب المفتوحة، لكنها أكثر قدرة على المباغتة وأشد خطراً على الاستقرار والمنشآت الحيوية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير