Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كل أنواع الأفلام تتعايش في مهرجان "كارلوفي فاري" التشيكي

الجمهور يتدافع بالألآف واعتراض أوكراني غير مقنع على فيلم روسي

جمهور غفير في المهرجان التشيكي (اندبندنت عربية)

كلّ عام، يفتتح "كارلوفي فاري" مهرجانات الصيف في أوروبا. تلك التي تأتي في أعقاب "كان"، وتجري في وقار بعيداً من الادعاءات، بل تحت أشعة الشمس الحارقة، وفي جو أقرب إلى العطلة الصيفية. روّاد المهرجان وهم مزيج من أهل المهنة وشباب متحمّسين لمشاهدة سينما لا تنال فرصاً كبيرة، يمضون في هذه المدينة الأنيقة، تسعة أيام موزعين بين الصالات المنتشرة في أرجاء المدينة التي تعيش فجأة على إيقاع الحدث. تمتلئ الساحات بعدد كبير من الناس وتصدح الموسيقى من كل زاوية. تسعة أيام هي مناسبة للمّ شمل الشعب التشيكي حول أشياء لا يختلفون عليها، من ضمنها السينما والموسيقى. 

عندما بدأتُ أشارك في "كارلوفي فاري" قبل 15 عاماً، كان لا يزال جمهوره محدوداً. بضع مئات من الأشخاص كانوا يجتمعون في باحة فندق ترمال حيث يجري معظم النشاطات. لكن، قبل نحو عشر سنوات، بدأ يتغيّر المشهد: حفل الافتتاح صارت تحضره الآلاف، ووصل العدد ليلة الجمعة الفائت إلى 50 ألفاً. شهد محيط فندق ترمال، حيث أقيمت الحفلة الموسيقية، فيضاناً بشرياً. واعتبر البعض أن الزحف البشري الذي شهده المهرجان في ليلة الافتتاح وفي الويك اند الأول، من أسبابه أن الناس ضاقوا ذرعاً من العزلة المفروضة عليهم خلال فترة الكورونا التي امتدت لسنتين متتاليتين. قد يكون هذا صحيحاً، لكن الحق يُقال اأن المهرجان عمل كثيراً على بناء علاقة قوية بجمهوره، فباتت له سمعة طيبة، خصوصاً عند الشباب الذين يسارعون إلى التوجّه إلى هنا في مطلع تموز من كلّ عام ولا يمانعون من النوم في خيم على أرض مخصصة لذلك.  

قبل تناول برنامج هذا العام للمهرجان الذي تُقام دورته السادسة والخمسون من 1 إلى 9 يوليو (تموز)، لا بد من الحديث عن مدينة كارلوفي فاري التي كان لها دور كبير في تشكيل شخصية المهرجان، على غرار لوكارنو أو سان سيباستيان أو البندقية. فهذه من أكثر المدن الأوروبية هدوءاً وجمالاً. مياه ينابيعها تتدفّق من باطن الأرض بحرارة قد تصل إلى سبعين درجة مئوية، وطرازها المعماري يترك الزائر في شعور أنه ينتقل إلى حقبة تاريخية أخرى. بعد أكثر من عامين على تفشّي الوباء، أُلغيت خلالهما دورة (2020) فيما الثانية (2021) أُقيمت في ظروف غير طبيعية، نهض المهرجان مجدداً ليلة الجمعة، في أجواء من الشتاء المستعاد مع هبوط مفاجئ لدرجات الحرارة. وبرغم الضائقة الاقتصادية التي تعصف بالعالم، فالحضور كان كثيفاً، وإامكانات المهرجان، من مفرقعات وضيافة، لم تضعف ولم تتراجع. فهذا الحدث يراهن على طرفين يكمّل أحدهما الآخر: الرعاة والجمهور. أكثر من 150 ألف مُشاهد في الدورات الأخيرة، وهذا الرصيد الشعبي يحض الادارة على الاستمرارية. الإيقاع الذي يوفّره وجود المهرجان نقيض الايقاع الرتيب الذي يسود هنا في الأيام العادية. فوضى عارمة تقفز إلى العين ما إن تدخل فندق ترمال، والمكان للجميع من دون تمييز، خلافاً لمهرجانات أخرى جعلت الدخول إلى مقارها أشبه بالدخول إلى السفارة الأميركية. العنصر الشاب هو الذي يجعل المهرجان على هذا النحو. ومع أن المراهقين الذين يحملون حقائب الظهر ويأتون إلى هنا من قراهم النائية، لا يتكلّمون لغات أجنبية، فالصورة تصل اليهم بكامل معانيها. 

المدينة تعشقها أيضاً الأوليغارشية الروسية وتستثمر فيها أعمالها المشبوهة. الروس يمضون عطلهم في ربوعها، لكن بعد حرب أوكرانيا تقلّص حضورهم. حتى أن فرع أحد المصارف الروسية الذي كان أخذ من وسط المدينة مقراً له، أقفل أبوابه فصار يكسوه الغبار.

أفلام من العالم

كلّ أنواع السينما تتعايش في "كارلوفي فاري" بلا صراع إيديولوجي. هناك شيء ما لكلّ الأذواق. وهذا يأتي من حقيقة أن المهرجان لطالما كان أداة عقائدية في زمن الشيوعية. اليوم، ما عاد هناك انغلاق أو تقوقع. ما عاد المهرجان يحصر اهتمامه في مدرسة سينمائية واحدة. في السنوات الأخيرة، سيطر على المهرجان النجوم الأميركيون. من مل غيبسون إلى جون ترافولتا مروراً برينه زيلويغر فأوما تورمان وجون مالكوفيتش وداني دو فيتّو، استقبل المهرجان عدداً من النجوم الذين من شأنهم جذب الجمهور العريض وجعل السجّادة الحمراء تتألق بهم. هذا كله انطلاقاً من قناعة راسخة عند الإدارة مفادها أن السينما الجماهيرية لا تتناقض مع سينما المؤلف الذي يُعد دعمها أبرز وظيفة لأي تظاهرة سينمائية محترمة. هذه النزعة إلى الإنفتاح على الأضداد، لم تلقَ إعجاب مجموعة من السينمائيين الأوكرانيين الذين لاموا المهرجان لاختياره فيلماً روسياً ("الرقيب فولكونوغوف هرب”) فقط لأنه من روسيا. لكن المهرجان رفض الضغوط الأوكرانية وقال في بيان أن الفيلم الذي تجري أحداثه في العام 1938 يذكّرنا بالحاضر الروسي. 

يتوزّع برنامج المهرجان على أقسام عدة: المسابقة الرسمية التي تضم أعمالاً من شرق الكرة الأرضية إلى غربها، وهذه المسابقة ستمنح جائزة "الكرة البلورية" في الختام، ثم هناك مسابقة "بروكسيما" التي حلّت هذا العام محل مسابقة أخرى كانت تأسست قبل 32 عاماً وهي "شرق الغرب" التي كانت تضم أفلاماً ممّا كان يُعرف سابقاً بـ"الكتلة الشرقية". لكن هذه الأخيرة أُلغيت هذا العام بعدما شعر القائمون عليها أن مهمة الترويج لسينمائيين من دول شرق أوروبا كانوا يعانون سابقاً من حصار ثقافي وإيديولوجي أتت بالنتائج المرجوة؛ اإذ باتوا ينافسون بأعمالهم كبار السينمات في المهرجانات الدولية. هناك بالإضافة إلى هذين القسمين، قسم "عروض خاصة" الذي ينطوي على أفلام لا مكان لها في المسابقة الرسمية ولا في "بروكسيما".

وهناك كذلك قسم "آفاق" الذي نجد فيه بعضاً من أهم الأفلام التي عُرضت في مهرجانات كبيرة مثل "كانّ" و"برلين" و"سانداس"، وذلك في الأشهر التي سبقت إقامة الدورة الحالية من "كارلوفي فاري". وهذا القسم هو الأكثر ثراءً، فهو يتضمّن 56 فيلماً سبق أن خضعت لغربلة المبرمجين في مهرجانات كبيرة، وهي أفلام ينتظرها الجمهور التشيكي على أحر من الجمر، بعدما تناهت إلى مسامعه آراء إيجابية عن البعض منها. عادةً، تنفد تذاكر هذه الأفلام بسرعة، وهذه حال "جرائم المستقبل" لديفيد كروننبرغ الذي عُرض في مهرجان "كانّ" الأخير، وهو من الأفلام التي تثير لعاب كثر من عشّاق المعلمّ الكندي. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"أبطال خارقون"، جديد المخرج الإيطالي باولو جينوفيزي، افتتح المهرجان هذا العام. إشتهر جينوفيزي بفيلمه "غرباء مثاليون" الذي أقتُبس إلى نسخات عدة بلغات كثيرة، منها النسخة العربية "أصحاب… ولا أعز!". لكن ما يقدّمه هنا مختلف من دون أن يكون بعيداً جداً عن نمط التصوير الذي عرف به في فيلمه السابق، أي النمط السهل المكثّف حيث الكثير من التفاصيل والمواقف المتداخلة. الفيلم عن حبيبين، هي مؤلفة قصص مصوّرة وهو يعمل في مجال الفيزياء. نرى الطريقة التي يتعاملان بها مع شؤون الحياة اليومية. تلك الشؤون التي يعرفها جيداً كلّ الذين عاشوا معاً تحت سقف واحد، وهو عيش يتطلّب أحياناً أن يكون للإنسان قدرات خارقة، كما يشير اليه العنوان.

خلال الأيام التسعة التي يستمرها المهرجان، ستكون هناك تكريمات عدة، أبرزها تكريم الممثّل الأوسترالي جفري راش الذي ذاع صيته في "شاين" (نال عنه جائزة أوسكار)، وكذلك الممثّل الأميركي بينيسيو دل تورو. سيحضر هذان إلى "كارلوفي فاري" لاستلام جائزتهما وللقاء الجمهور.

المزيد من سينما