Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اللحوم والألبان والفواكه لا تجد لموائد الإيرانيين سبيلا

نصف السكان تحت خط الفقر و3 وجبات يومياً أصبحت ترفاً واتساع رقعة البؤس

استمرار الظروف الحربية واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع معدلات التضخم غير أنماط استهلاك الأسر الإيرانية (أ ف ب)

ملخص

تصف الاختصاصية الاقتصادية الإيرانية فاطمة عزيز خاني هذا الواقع بأنه انتقال استهلاك الأسر من نمط الاختيار والرفاه إلى نمط البقاء، حيث يبدأ المواطنون بالتخلي عن شراء السلع المعمرة، والأنشطة الترفيهية، والملابس، وبعض الخدمات، ثم يمتد التقليص، مع تفاقم الأزمة، ليطال الإنفاق على التعليم، والرعاية الصحية، وجودة الغذاء.

يشهد الإيرانيون تدهوراً متسارعاً في مستوى معيشتهم، مع الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية والملابس والأدوية والسكن وسائر الحاجات الأساسية، بالتزامن مع انهيار قيمة الريال وتداعيات الحرب.

وقد دفع هذا الواقع ملايين الأسر إلى مستوى جديد من الفقر وتراجع الاستهلاك، حتى بات كثيرون يؤكدون أنهم لم يعودوا قادرين على توفير ثلاث وجبات غذائية متكاملة يومياً، فيما تحولت اللحوم ومنتجات الألبان والفواكه، وغيرها من السلع التي كانت حتى سنوات قليلة مضت جزءاً طبيعياً من موائد الأسر، إلى كماليات بعيدة المنال.

وتؤكد أحدث بيانات مركز الإحصاء الإيراني حجم هذه الأزمة، إذ بلغ معدل التضخم السنوي المقارن في يوليو (تموز) الماضي نحو 87.9 في المئة، مما يعني أن الأسر الإيرانية دفعت، في المتوسط، ما يقارب 88 في المئة أكثر لشراء السلع والخدمات نفسها مقارنة بالشهر ذاته من عام 2025.

وتبدو الأوضاع أكثر سوءاً في سوق المواد الغذائية، حيث بلغ معدل التضخم السنوي المقارن للمواد الغذائية والمشروبات 128.1 في المئة خلال يوليو الماضي. وخلال عام واحد فقط، ارتفعت أسعار الزيوت والدهون بنسبة 261.5 في المئة، ومنتجات الألبان والحليب والبيض بنسبة 147.1 في المئة، واللحوم الحمراء والبيضاء بنسبة 145.2 في المئة، والخبز والحبوب بنسبة 116.7 في المئة، فيما ارتفعت أسعار الفواكه والمكسرات بنسبة 115.4 في المئة.

ويأتي هذا الارتفاع الحاد في الأسعار في وقت لم تعد فيه دخول شريحة واسعة من الإيرانيين تكفي حتى لتغطية حاجاتهم الأساسية. ويبلغ الحد الأدنى لدخل العامل ذي الخبرة خلال العام الحالي، شاملاً المزايا، نحو 22 مليون تومان (147 دولاراً)، بينما تقدر دراسات مستقلة كلفة الحد الأدنى لسلة المعيشة بنحو 70 مليون تومان (467 دولاراً)، أي بفجوة تقارب 48 مليون تومان (320 دولاراً)، وهو ما يفسر لماذا لم يعد امتلاك وظيفة كافياً لإخراج الأسرة من دائرة الفقر.

يقول عامل يقيم في مدينة كرج، في رسالة إلى "اندبندنت فارسية"، إن معظم دخل أسرته يذهب إلى إيجار المسكن والنفقات الأساسية، مضيفاً "في السابق كانت مشكلتنا أننا نشتري لحوماً أقل، ثم أصبحنا لا نشتري اللحوم إطلاقاً. واليوم اضطررنا أيضاً إلى تقليص استهلاك الفواكه ومنتجات الألبان. وفي بعض الأيام نكتفي بوجبتين فقط حتى نتمكن من الصمود حتى نهاية الشهر".

ويروي مواطن آخر من طهران أن ارتفاع الأسعار لم يعد يحدث شهرياً أو أسبوعياً، بل أصبح يواجه أسعاراً جديدة في كل مرة يذهب فيها للتسوق، قائلاً "بمجرد أن نتقاضى الراتب، نسدد الإيجار وفواتير الخدمات، ولا يبقى منه شيء تقريباً. حتى توفير ثلاث وجبات غذائية متكاملة لأسرة متوسطة بات حلماً".

وتتوافق هذه الشهادات مع ما أوردته وسائل الإعلام الإيرانية. فقد كتب موقع "اقتصاد نيوز"، أول من أمس الجمعة، أن استمرار الظروف الحربية، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات التضخم، غير أنماط استهلاك الأسر، إذ اختفت من سلالها الغذائية سلع كانت حتى وقت قريب من أساسيات الحياة اليومية. وأشار التقرير إلى أن تراجع الاستهلاك يؤدي بدوره إلى انخفاض مبيعات الشركات، وهو ما ينعكس في تراجع الإنتاج، وتوقف الاستثمارات، وتسريح العمال، وانخفاض دخول الأسر، ضمن حلقة يصفها متخصصو الاقتصاد بـ"فخ الفقر والركود وضعف الطلب".

وتصف الاختصاصية الاقتصادية الإيرانية فاطمة عزيز خاني هذا الواقع بأنه انتقال استهلاك الأسر من نمط الاختيار والرفاه إلى نمط البقاء، حيث يبدأ المواطنون بالتخلي عن شراء السلع المعمرة، والأنشطة الترفيهية، والملابس، وبعض الخدمات، ثم يمتد التقليص، مع تفاقم الأزمة، ليطال الإنفاق على التعليم، والرعاية الصحية، وجودة الغذاء.

وتتحدث امرأة من مدينة شيراز، لديها طفلان، قائلة "تخلينا منذ فترة طويلة عن شراء الملابس والخروج للترفيه، لكن الأمر لم يعد يتعلق بهذه الأمور. المشكلة اليوم أننا لم نعد نملك ما يكفي من المال لشراء الطعام. حتى الدجاج لم نعد نستطيع شراءه كما في السابق، وأصبحنا نشتري الفاكهة بالحبة، وفي نهاية الشهر نأكل أي شيء نجده في المنزل".

وفي السياق ذاته، يقول عضو ممثلي العمال في المجلس الأعلى للعمل، محسن باقري، إن كلفة سلة المعيشة التي جرى احتسابها في يناير (كانون الثاني) الماضي تضاعفت تقريباً حتى الآن، وإن الأجور التي أقرت في مطلع العام لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة للأسر العاملة، مرجعاً ذلك إلى إلغاء سعر الصرف التفضيلي، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتداعيات الحرب. وطالب بإعادة النظر بصورة عاجلة في مستويات الأجور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع استمرار ارتفاع الأسعار، امتدت الأزمة المعيشية إلى سوق العمل، وفي هذا السياق، يقدر المتخصص في شؤون العمل والتوظيف، حميد حاج إسماعيلي، أن إيران فقدت ما بين 1.5 و2.5 مليون فرصة عمل، مشيراً إلى تراجع عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص، وانضمام نحو 800 ألف شخص إلى فئة غير النشطين اقتصادياً. وأضاف أن "واحداً من كل إيرانيين يعيش تحت خط الفقر على الأرجح"، مؤكداً أن مستويات الأجور الحالية لم تعد تكفي لتغطية تكاليف المعيشة.

وفي السياق نفسه، أقر عضو لجنة الصحة في البرلمان الإيراني، حسن نتاج، بأن الدعم النقدي وقسائم الدعم الحكومي الحالية لم تعد كافية لتلبية حاجات المواطنين، في ظل معدل تضخم رسمي يناهز 85 في المئة أو يزيد، مؤكداً أن الحكومة باتت مضطرة إلى توسيع برامج الدعم المعيشي.

ومن جهة أخرى، ومع تفاقم أزمة نقص البنزين وعودة الحديث عن رفع أسعاره، يحذر مراقبون من أن أي زيادة كبيرة في أسعار الوقود ستؤدي إلى موجة تضخمية جديدة عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وتوزيع السلع. وحذر خبير الطاقة والنائب السابق في البرلمان، علي بختيار، من أن الزيادة الحادة في أسعار البنزين في ظل الظروف الحالية قد تشل الاقتصاد الإيراني وتمهد لاضطرابات اجتماعية.

في الوقت ذاته، تفرض الحرب المستمرة والحصار البحري الأميركي ضغوطاً إضافية على اقتصاد كان يعاني أصلاً، قبل اندلاع الحرب، من تضخم مرتفع، وعجز في الموازنة، وانهيار في قيمة العملة الوطنية، وركود اقتصادي. وتواصل الإدارة الأميركية التلويح بإبقاء الحصار البحري على إيران إلى أجل غير مسمى، فيما أسهم تعثر المفاوضات في زيادة الضغوط على أسواق الطاقة.

وفي هذا الإطار، حذر إسماعيل سقاب أصفهاني، نائب الرئيس مسعود بزشكيان، مساء الخميس الماضي، من أن توقف صادرات النفط قد يؤدي إلى تفاقم عجز الموازنة، وارتفاع معدلات التضخم، ومواصلة تدهور سعر صرف العملة.

ومع ذلك، يرى عدد من الاقتصاديين داخل إيران أن الحرب ليست السبب الرئيس للأزمة الراهنة، إذ يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة جمران بالأحواز، مرتضى أفقه، إن جذور الأزمة أقدم بكثير، وإن الحرب لم تكن سوى عامل مسرع لها. وأضاف أنه عندما لا تتصدر التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة أولويات الحكومة، فلا يمكن توقع نتيجة سوى اتساع رقعة الفقر والبؤس. وفي هذا السياق، بلغ مؤشر البؤس في إيران خلال يوليو (تموز) الماضي 75.1 في المئة.

ويرى مراقبون أن السياسات التي انتهجها النظام الإيراني طوال العقود الماضية، من تخصيص موارد ضخمة للبرامج العسكرية والنووية، ودعم الجماعات الحليفة في المنطقة، واتباع سياسة خارجية قائمة على التوتر، إلى جانب الاختلالات الهيكلية وسوء الإدارة الاقتصادية، حملت المواطنين أعباء ثقيلة، في وقت لم تعد فيه دخولهم قادرة على مجاراة الارتفاع المتواصل في الأسعار.

ورغم أن استمرار الحرب والحصار البحري قد يفاقمان هذه الأزمة، فإن ملايين الإيرانيين كانوا قد اضطروا، حتى قبل اندلاع الحرب، إلى حذف اللحوم والفواكه من موائدهم، ويواجه كثير منهم اليوم صعوبة في توفير ثلاث وجبات غذائية يومياً. وبذلك، لم تعد الأزمة المعيشية بالنسبة إليهم مجرد مؤشر اقتصادي يدعو إلى القلق، بل تحولت إلى معركة يومية من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير