Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإيرانيون الأفارقة تاريخ مخفي وإنكار مزدوج

غياب الإحصاءات الدقيقة وضعف التمثيل الإعلامي وندرة إدراج هذا التاريخ في التعليم، كلها عناصر تبقي هذه الجماعة خارج المجال الرمزي للدولة

يأتي تغييب الإيرانيين من أصول أفريقية نتيجة بنية ذهنية تشكلت عبر الزمن، إذ تُعاد صياغة الهوية الوطنية وفق سردية انتقائية (وسائل التواصل)

ملخص

في المساحات الساحلية الممتدة على الخليج العربي، حيث تتقاطع طرق التجارة والرياح الموسمية، استقرت جماعات جاءت من شرق أفريقيا، حاملة معها لغاتها وإيقاعاتها وطقوسها، قبل أن تنصهر تدريجاً في النسيج الإيراني من دون أن تفقد كامل ملامحها.

لقرون طويلة، لم تكن هناك سوى شذرات متناثرة حول الإيرانيين الأفارقة في جنوب إيران، وظل حضورهم محصوراً في الهوامش، بإشارات عابرة في مدونات الرحّالة، أو آثار ثقافية متداخلة في موسيقى الجنوب الإيراني وطقوسه. في تلك المساحات الساحلية الممتدة على الخليج العربي، حيث تتقاطع طرق التجارة والرياح الموسمية، استقرت جماعات جاءت من شرق أفريقيا، حاملة معها لغاتها وإيقاعاتها وطقوسها، قبل أن تنصهر تدريجاً في النسيج الإيراني من دون أن تفقد كامل ملامحها.

يُعد الأفرو-إيرانيون إحدى المجموعات العرقية الأقل شهرة داخل إيران، وتعيش هذه الفئة بصورة رئيسة في المناطق الجنوبية منها. وعلى رغم اندماجهم الكبير في المجتمع الإيراني، فإنهم ظلوا إلى حد بعيد خارج دائرة الضوء. هذه الأقلية ضمن مزيج الشعوب المتعددة هي نتيجة مباشرة لتقلبات التاريخ في بلاد فارس.

شكل عمل للمصور الألماني الإيراني مهدي إحسائي بتوثيق حياتهم في صور، أصدرها في كتاب يحمل عنوان "الإيرانيون الأفارقة"، لحظة كاشفة. فإحسائي، الذي انطلق من تجربة شخصية وفضول بصري، حوّل لقاءً عابراً في شيراز إلى مشروع توثيقي واسع، أقام خلاله في هرمزغان وصوّر تفاصيل الحياة اليومية لهذه الجماعة.

كذلك برز عمل الباحثة بهناز ميرزاي، التي أمضت أكثر من 20 عاماً في تتبع جذور الشتات الأفريقي داخل إيران، عبر أرشيفات متناثرة وشهادات شفوية، كشفت عن شبكات تاريخية ربطت الخليج العربي بالساحل الشرقي لأفريقيا. أما في السينما فقد اختار المخرج فرهاد فاهرام الصمت كأداة مقاومة، في أعماله الوثائقية، يترك للمشاهد رؤية الحياة كما هي، صيادون وموسيقيون وعائلات تعيش على الهامش.

ومع العقدين الأخيرين بدأت مبادرات مدنية وأكاديمية تفكك إنكاراً طويلاً، من نقد "الأسطورة الآرية" إلى بروز تجمعات تسعى إلى إعادة تعريف الهوية السوداء الإيرانية. هكذا، لم يعد ظهور الأفرو-إيرانيين حدثاً طارئاً، بل استعادة متأخرة لذاكرة كانت حاضرة دائماً، لكنها لم تُرَ.

 

اتصال بحري

منذ العصور الأخمينية، ارتبطت بلاد فارس بشبكات بحرية امتدت إلى زنجبار ومقديشو وسواحل شرق أفريقيا، حاملة بضائع وأشخاصاً وأثراً ثقافياً متبادلاً. لم تكن الحركة في اتجاه واحد، فكما وصل الأفارقة إلى السواحل الإيرانية، هاجرت جماعات فارسية، مثل الشيرازيين، إلى شرق أفريقيا، تاركة بصمتها هناك.

مع توسع التجارة في المحيط الهندي بين القرنين الـ15 والـ19، تكثف هذا الحضور. جاءت مجموعات من تنزانيا وإثيوبيا والصومال، بعضها عبر شبكات العمل البحري والتجاري، وآخرون في سياقات قسرية، قبل أن يستقروا تدريجاً في الموانئ والقرى الساحلية. خلال الحقبة الصفوية، ومع الوجود البرتغالي في الخليج، تعززت هذه التحركات، وبقي جزء من الوافدين بعد انسحاب القوى الأوروبية، مندمجين في المجتمعات المحلية.

بحلول القرن الـ19، ومع ازدهار موانئ مثل بندر عباس وبوشهر وعبادان، ترسخ وجودهم كجزء من اقتصاد بحري متشابك. عملوا في الصيد والملاحة وبناء السفن والتجارة الساحلية، إضافة إلى الزراعة في الواحات القريبة. ومع إلغاء العبودية رسمياً عام 1928، انتقل أحفادهم إلى وضع المواطنة الكاملة، من دون أن يعني ذلك اختفاء الفوارق الاجتماعية أو الرمزية.

جغرافياً، يتركز وجودهم اليوم في محافظات هرمزغان وسيستان وبلوشستان وخوزستان. وتمتد على نطاق جغرافي يُقدر بنحو 340 ألف كيلومتر، في محافظات تعيش فيها مجموعات سكانية أخرى. في هذه البيئات، يتحدثون الفارسية بلهجات محلية كالبندرية، أو البلوشية، وأحياناً العربية، بما يعكس تداخلاً لغوياً يعادل تداخل أصولهم.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم الأفرو-إيرانيين كجماعة وافدة بقيت على الهامش، بل كنتاج تاريخ طويل من الاتصال البحري، حيث تحولت السواحل إلى فضاء للاندماج، وصار الاقتصاد اليومي، من الصيد إلى الموسيقى، أرشيفاً حياً لذاكرة عابرة للقارات.

تغييب متعمد

يأتي تغييب الإيرانيين من أصول أفريقية نتيجة بنية ذهنية تشكلت عبر الزمن، حيث تُعاد صياغة الهوية الوطنية وفق سردية انتقائية. في قلبها تقف فكرة "النقاء الآري"، بوصفها عقدة راسخة أعادت ترتيب التاريخ الإيراني، بحيث يُرى من خلال لون واحد وصوت واحد. هذه العقدة لا تعمل فقط على تراتبية صامتة بين الجماعات، بل تؤسس أيضاً لحساسية مفرطة تجاه كل ما يُعتقد بأنه مختلف، فتطاول مختلف القوميات والأقليات، وتشتد حدتها حين يتعلق الأمر بالأصول الأفريقية، حيث يتقاطع اللون مع ذاكرة العبودية فيُضاعف الإقصاء.

هكذا، لا يُستبعد الأفرو-إيرانيون لأنهم غائبون، بل لأن حضورهم يتعارض مع صورة مُتخيلة عما ينبغي أن يكون عليه "الإيراني الحقيقي". وهو استبعاد يتجاوز النكران إلى ما هو أعمق، من خلال التغييب. فبدل مجادلة وجودهم، يجري ببساطة إسقاطهم من المشهد. هذا النمط من المحو الرمزي ينتج معرفة مبتورة، ويجعل من التنوع التاريخي عبئاً ينبغي تخفيفه.

 

تشير بهناز ميرزاي إلى أن أحد أبرز مظاهر هذا التهميش هو الفراغ المعرفي نفسه. فحين بدأت أبحاثها، لم تجد تقريباً أدبيات تُذكر عن تاريخ العبودية أو الشتات الأفريقي في إيران. لم يكن ذلك غياب مصادر بقدر ما كان غياب اعتراف، فالتاريخ الذي لا يُدرس ولا يُناقش يتحول تدريجاً إلى تاريخ منسي، وتُستبدل به سردية نقاء تقصي ما عداها.

يتعزز هذا المسار بغياب التمثيل في وسائل الإعلام، حيث نادراً ما يظهر الأفرو-إيرانيون، مما يرسخ تصوراً دائرياً عن عدم وجودهم. وفي هذا الفراغ تزدهر تفسيرات مبسطة، من خلال بعض الأصوات في العرقية نفسها، ترجع اختلاف اللون إلى المناخ لا إلى التاريخ، وتفصل هوياتهم عن جذورها، لكن ما تكشفه هذه القراءة يتجاوز التصحيح، بالدعوة إلى إعادة تعريف انتمائهم، فالاعتراف بالأفرو-إيرانيين ليس فقط استعادة لذاكرة مُهمشة، بل تفكيك لعقدة هوية لا تزال تضيق بتعدديتها.

بصمات أفريقية

على رغم عمق الجذور التاريخية للأفرو-إيرانيين في جنوب إيران، فإن حضورهم في الوعي العام ظل محاطاً بنوع من التعتيم البنيوي، لا يقوم على الإنكار الصريح بقدر ما يقوم على الإزاحة التدريجية من حقوق المواطنة. في هذا الفراغ، تتداخل عوامل اجتماعية وثقافية وتاريخية، تجعل من التمييز تجربة مركبة تتبدى في حالات الإقصاء الرمزي والتمثيل الغائب.

تتجلى إحدى هذه الحالات في الصور النمطية المرتبطة بلون البشرة، إذ يواجه بعض الإيرانيين من أصول أفريقية تمييزاً خفياً يراوح ما بين الاشتباه في الانتماء، أو معاملتهم كـ"غرباء داخليين"، على رغم كونهم جزءاً من النسيج الاجتماعي منذ أجيال. وفي لغة الحياة اليومية، يمكن للكلمات أن تحمل أثقالاً تاريخية، إذ تُستخدم أحياناً إشارات لونية تحمل دلالات اجتماعية غير متكافئة، فالعبارة الفارسية "سياه" (أسود)، تأتي بمعنى ازدرائي، مما يعكس تسلسلات غير معلنة في إدراك الانتماء.

لكن هذا التمييز لا يُنتج فقط عبر الخطاب، بل أيضاً عبر غياب التوثيق، وندرة التمثيل في الإعلام، وانعدام الحضور في المناهج التعليمية. هذا الغياب لا يعني عدم الوجود، بل يعيد تشكيل الوجود نفسه بوصفه هامشياً أو غير مرئي، حتى داخل المجال الوطني الذي ينتمي إليه هؤلاء تاريخياً وجغرافياً.

وعلى رغم ذلك، لم يكن هذا المجتمع مجرد موضوع للإقصاء، بل كان فاعلاً ثقافياً داخل بيئته. في جنوب إيران، خصوصاً في هرمزغان وبوشهر وقشم، تشكلت أنماط حياة تحمل بصمات أفريقية وإيرانية في آن. في الموسيقى تظهر إيقاعات الطبول وآلات مثل "الدمام" و"الطنبورة" كامتداد لذاكرة بحرية عابرة للمحيطات. وفي الطقوس تبرز ممارسة "الزار" بوصفها فضاءً علاجياً وروحياً، تُستخدم فيه الموسيقى والرقص لاستعادة التوازن الجسدي والنفسي، بحسب المعتقد السائد.

اقتصادياً، ارتبطت هذه المجتمعات بالصيد البحري وبناء السفن والعمل في الموانئ والأسواق الساحلية، مما جعلها جزءاً من اقتصاد الخليج المحلي لا على هامشه. ومع ذلك، ظل هذا الحضور الاقتصادي غير مترافق مع اعتراف تمثيلي متكافئ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مفارقة واضحة

يقف الإيرانيون الأفارقة اليوم في موقع دقيق داخل الجغرافيا الاجتماعية لإيران، لكنهم أيضاً لا يُستوعبون كاملاً داخل المركزية الإيرانية. هم حاضرون في السواحل الجنوبية، لكن حضورهم في الخطاب العام لا يعكس كثافة هذا الوجود، كأنهم يُرَون في الحياة اليومية، ويُمحون في مستوى الحكاية الوطنية.

هذا الوضع لا ينفصل عن بنية أوسع تعيد إنتاج فكرة الهوية الواحدة، فالتنوع العرقي والثقافي داخل إيران كثيراً ما يُختزل في تمثيل فارسي مهيمن، يُقدم بوصفه الوجه الطبيعي للدولة والمجتمع. داخل هذه البنية، تتدرج الأقليات ضمن سلّم غير معلن، تتوزع فيه القربى والبعد عن "المركز الفارسي"، ويقع الأفرو-إيرانيون في منطقة الظل، حيث يتقاطع التاريخ الاجتماعي مع بقايا تصورات عن اللون والانتماء والذاكرة.

أحد التحديات الماثلة أمام الإيرانيين الأفارقة هو استمرار عدم معرفتهم رسمياً وشعبياً، فغياب الإحصاءات الدقيقة وضعف التمثيل الإعلامي وندرة إدراج هذا التاريخ في التعليم، كلها عناصر تبقي هذه الجماعة خارج المجال الرمزي للدولة، حتى وهي داخله جغرافياً واجتماعياً.

 يعيش الأفرو-إيرانيون مفارقة واضحة، أجساد سوداء في فضاء فارسي، تمثل امتداداً طبيعياً لتاريخ من العبور البحري والعمل والاختلاط، واندماج عملي في الحياة اليومية من عمل وتعليم ودين، مقابل تمثيل ضعيف في الإعلام والسياسة والثقافة العامة. هذا التباين لا ينتج عزلة كاملة، لكنه يرسخ حدوداً غير مرئية للظهور والاعتراف.

أما المستقبل فيتأرجح بين مسارين، الأول هو استمرار التهميش الهادئ، حين يبقى الحضور الاجتماعي قائماً من دون اعتراف رمزي مكافئ. والثاني، وهو الأحدث ملامح، يتمثل في بروز جهود بحثية وثقافية وفنية تعيد كتابة هذا الجزء من التاريخ، وتدفع نحو فهم أكثر اتساعاً لمفهوم الانتماء نفسه، لكن هذا المسار لا يخلو من التوتر، لأن الاعتراف بالتعدد لا يمر من دون مساءلة البنى التي قامت على التجانس المفترض. وهكذا، يتكشف المشهد ليس كحكاية أقلية غائبة، بل كوجود مستمر يُعاد حجبه باستمرار.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير