Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرضى الإيرانيون: كلفة الحروب تُدفع من فاتورة العلاج

الأدوية مفقودة وكلف العلاج تفوق قدرة المواطن والعقوبات باتت تنعكس بصورة مباشرة على المعيشة

الإصابة بمرض بسيط باتت كفيلة بإخلال التوازن المالي للأسرة الإيرانية (أ ف ب)

ملخص

في وقت يعزو مسؤولو النظام الإيراني أزمة الدواء إلى عوامل مثل الاختلالات الهيكلية وشح الموارد وديون شركات التأمين وتقلبات سعر الصرف والعقوبات، يؤكد المواطنون أنهم باتوا عاجزين عن تحمل أبسط نفقات العلاج.

يشكل الارتفاع المتجدد في أسعار الأدوية والخدمات الصحية في إيران خلال الأيام الأخيرة، هاجساً متزايداً لملايين الأسر. فما كان يقتصر في السابق على أدوية الأمراض المستعصية، بات اليوم يشمل معظم قطاعات العلاج، بدءاً من أدوية نزلات البرد والمضادات الحيوية، وصولاً إلى أدوية السرطان والتصلب اللويحي (MS) وأمراض القلب والسكري.

وفي الوقت نفسه، تظهر الإحصاءات الرسمية أن معدل التضخم في قطاع الصحة لا يزال يتجاوز معدل التضخم العام، مما يزيد من الأعباء المالية التي تتحملها الأسر، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، بصورة تتفاقم شهراً بعد آخر.

ولا تقتصر هذه الأزمة على ارتفاع الأسعار وحسب، إذ أعلن المتحدث باسم لجنة الصحة في البرلمان الإيراني سلمان إسحاقي أن نحو 560 صنفاً دوائياً يواجه حالياً نقصاً حرجاً، فيما يوجد نحو 180 صنفاً آخر في مرحلة نقص حاد. وأوضح أن استمرار أزمة نقص الأدوية وارتفاع أسعارها، على رغم تخصيص العملة التفضيلية لاستيراد الأدوية والمواد الأولية، أمر غير مقبول، مطالباً الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها وتقديم توضيحات حول أسباب استمرار الأزمة.

وبالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، لم تعُد حتى الإصابة بمرض بسيط أمراً يمكن تحمله مالياً، إذ باتت كفيلة بإخلال التوازن المالي للأسرة. وقال أحد سكان طهران أمس الأربعاء، لـ"اندبندنت فارسية" إن ابنه "أصيب بفيروس عادي، فاضطررنا إلى مراجعة الطبيب أكثر من مرة وإجراء فحوص وشراء الأدوية، وفي النهاية بلغت الكلفة نحو 3 ملايين تومان (نحو 20 دولاراً أميركياً). ولو كانت حاله أكثر خطورة، فلا أدري حقاً كيف كنا سنتصرف. فهذا المبلغ يعادل سدس راتبي الشهري".

وروى معلم في مدينة أصفهان، تعاني زوجته مرضاً مزمناً أنه "في السابق، كان تخصيص بضعة ملايين التومانات للعلاج يكفي لتسيير أمور الأسرة. أما اليوم، فبلغت أجرة الطبيب 500 ألف تومان (نحو 3.3 دولار)، وتصوير الموجات فوق الصوتية 4 ملايين تومان (نحو 27 دولاراً)، والفحوص المخبرية 12 مليون تومان (نحو 80 دولاراً)، فيما ترتفع أسعار الأدوية في كل مرة. ومع هذا الراتب المتواضع الذي نتقاضاه كمعلمين، لم يعُد بالإمكان التوفيق بين متطلبات المعيشة وكلف العلاج".

ومن مدينة مشهد، يقول أحد المواطنين الذي تعاني والدته مرضاً في القلب إن "المشكلة لم تعُد تقتصر على الغلاء. ففي كل مرة نذهب فيها لشراء الدواء، إما أن نجد سعره قد ارتفع، أو يقال لنا إنه غير متوافر. وأحياناً نضطر إلى التنقل بين صيدليات عدة، أو شرائه من السوق الموازية. لقد أصبح القلق الذي يرافق مهمة العثور على الدواء أشد وطأة من المرض نفسه".

تخفيض الجرعات

أما أحد المتقاعدين في مدينة شيراز، فيوضح أن "راتب التقاعد ينفد قبل منتصف الشهر، ثم نجد أنفسنا أمام خيار صعب هل نسدد فواتيرنا أم نشتري الأدوية؟ أحياناً نخفض الجرعات إلى النصف أو نؤجل تناول بعض الأدوية أياماً عدة بانتظار الراتب التالي. فهل يعقل أن تبلغ كلفة جلسة علاج كيماوي واحدة ما بين 60 و80 مليون تومان (نحو 400 إلى 530 دولاراً أميركياً)؟".

وفي مدينة الأحواز، يقول مواطن يعاني والده مرض السكري والفشل الكلوي "ترتفع أسعار صنف دوائي واحد في الأقل كل أسبوع تقريباً. وأصبحت كلف الفحوص الطبية وأجور الأطباء والتنقل والأدوية مرتفعة إلى درجة أن والدي بات يقول أحياناً ’دعونا نتوقف عن العلاج‘. أتقاضى راتباً قدره 20 مليون تومان (نحو 133 دولاراً)، لكنني أنفقت خلال الشهر الماضي وحده 11 مليون تومان (نحو 73 دولاراً) على أدويته ومراجعاته الطبية وفحوصه".

وذكر أحد مرضى التصلب اللويحي (MS) في مدينة ساري أنه "بالنسبة إلينا، لا تقتصر المشكلة على ارتفاع الأسعار. فالمرض لا ينتظر حتى يتوافر الدواء. وكلما انتشرت أخبار عن نقص الأدوية، يتضاعف قلق المرضى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال عدد كبير من الذين تحدثوا إلى "اندبندنت فارسية" إنهم لا يعزون هذه الأزمة إلى سوء الإدارة الاقتصادية وحده، بل يرون أن أعوام التوتر في السياسة الخارجية والسياسات العسكرية وتخصيب اليورانيوم والعقوبات وإنفاق موارد البلاد على الصراعات المسلحة، باتت تنعكس بصورة مباشرة على معيشة الإيرانيين وصحتهم.

ويؤكد أحد سكان مدينة رشت أن "في النهاية، الشعب هو من يدفع ثمن كل هذه الحروب والشعارات. فلو لم تهدر كل هذه الأموال على الحروب والتوترات، لما وجد مريض بالسرطان نفسه اليوم عاجزاً عن شراء دوائه".

وقال مواطن آخر من مدينة كرمان "منذ أعوام ونحن نلمس آثار العقوبات داخل الصيدليات. ففي كل مرة ترتفع فيها أسعار الأدوية، يقال إن سعر الصرف ارتفع أو إن الاستيراد يواجه صعوبات. إننا ندفع ثمن سياسات لم يكُن للشعب أي دور في اتخاذ قراراتها، لكنه يجبر على تحمل تبعاتها".

ديون شركات التأمين

وتزامنت هذه الشهادات مع تقرير نشرته صحيفة "دنياي اقتصاد" أمس الأربعاء أظهر أن معدل التضخم في قطاع الصحة والعلاج خلال الأشهر الأخيرة تجاوز بكثير معدل التضخم العام في الاقتصاد الإيراني، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الأعباء المالية التي تتحملها الأسر. وأرجعت الصحيفة القفزة في أسعار الأدوية إلى مجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع سعر الصرف وزيادة كلفة المواد الأولية والتغليف والنقل والأجور، إضافة إلى صعوبات التمويل وتأثيرات الحرب في سلاسل التوريد.

ونقلت الصحيفة أيضاً شهادة أحد مرضى السرطان الذي قال إن كلفة كل دورة علاج كيماوي ارتفعت من نحو 7 ملايين تومان (نحو 47 دولاراً أميركياً) قبل عامين، إلى ما يقارب 70 مليون تومان (نحو 467 دولاراً) حالياً. وأوضحت أن كثيراً من الأدوية لا يزال مشمولاً بالتأمين الصحي، إلا أن الزيادات الكبيرة في الأسعار رفعت بصورة ملحوظة قيمة المبالغ التي يتحملها المرضى، لتصبح نسبة كبيرة من كلف العلاج تدفع مباشرة من جيوب الأسر.

وتؤكد البيانات الرسمية هذا الاتجاه، فوفقاً لإحصاءات البنك المركزي الإيراني ومركز الإحصاء الإيراني، سجل معدل التضخم الشهري في قطاع الصحة والعلاج خلال يونيو (حزيران) الماضي، مستوى أعلى من معدل التضخم العام للاقتصاد. كذلك أظهرت مراجعة أسعار الأدوية الأكثر استخداماً أن كثيراً منها شهد خلال الأشهر الأخيرة زيادات تجاوزت عشرات في المئة، فيما تضاعفت أسعار بعض الأصناف مرات عدة.

وفي السياق نفسه، أعلن أمين لجنة الصحة في البرلمان الإيراني محمد رسول شيخي زاده أن مصير 120 ألف مليار تومان (نحو 800 مليون دولار أميركي) من العملة الأجنبية المخصصة لقطاع الدواء لا يزال مجهولاً، وأضاف أن أعضاء لجنة الصحة لم يقتنعوا، حتى بعد استماعهم إلى توضيحات مسؤولي منظمة الغذاء والدواء، بكيفية إنفاق هذه المخصصات.

من جانبه أعلن رئيس جمعية توزيع الأدوية والمكملات الغذائية في إيران أن الحكومة والجامعات الطبية مدينة لشركات توزيع الأدوية بأكثر من 50 ألف مليار تومان (نحو 333 مليون دولار أميركي)، وأضاف أن شركات التوزيع اضطرت، بسبب التأخر الطويل لشركات التأمين في سداد مستحقاتها، إلى الحصول على قروض مصرفية كبيرة، مما حوّل كثيراً منها عملياً إلى مؤسسات تعمل لخدمة البنوك أكثر من عملها في قطاع توزيع الدواء.

ووفقاً لأحدث الإحصاءات، تجاوزت مستحقات الصيدليات الإيرانية لدى شركات التأمين 51.8 ألف مليار تومان (نحو 345 مليون دولار أميركي)، ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفاقم نقص الأدوية وتراجع مخزون الأصناف مرتفعة الثمن وتعميق أزمة السيولة في سلسلة الإمداد، إذ تضطر الصيدليات إلى شراء الأدوية نقداً، بينما لا تحصل على مستحقاتها من شركات التأمين إلا بعد أشهر.

وفي الوقت ذاته، أكد رئيس مجلس إدارة شركة "تأمين" الدوائية أن اعتماد إيران على استيراد ما بين 65 و70 في المئة من المواد الفاعلة التي تدخل في صناعة الأدوية من الصين والهند لا يعود للعقوبات وحدها، بل يرتبط أيضاً بمشكلات هيكلية وضعف الاستثمار في إنتاج المواد الأولية وتعدد الجهات الإدارية، فضلاً عن التفاوت الكبير في أسعار الصرف. وحذر من أن الفجوة الواسعة بين سعر الصرف التفضيلي وسعر السوق الحرة لا تؤدي فقط إلى خلق بيئة خصبة للفساد والتهريب العكسي، بل تدفع أيضاً سلسلة توريد الأدوية إلى أزمة سيولة متفاقمة.

وفي السياق ذاته، نشرت صحيفة "شرق" تحليلاً تناول الآثار المستمرة للعقوبات الناتجة من السياسات العسكرية والنووية للنظام الإيراني، مؤكدة أن المواطنين والمنتجين هم من يتحملون في نهاية المطاف كلفة هذه السياسات. وأشارت الصحيفة إلى أن انعكاسات العقوبات باتت واضحة في ارتفاع أسعار الأدوية وتراجع القدرة الشرائية وتزايد صعوبات الاستثمار والضغوط المتصاعدة على الأوضاع المعيشية للأسر.

وفي وقت يعزو مسؤولو النظام الإيراني أزمة الدواء إلى عوامل مثل الاختلالات الهيكلية وشح الموارد وديون شركات التأمين وتقلبات سعر الصرف والعقوبات، يؤكد المواطنون أنهم باتوا عاجزين عن تحمل أبسط نفقات العلاج. ويبدو أن الرعاية الصحية، شأنها شأن كثير من القطاعات الأخرى، أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى رهناً بالقدرة المالية للأسر، وهو واقع يقول كثير من المرضى إنهم لا يلمسونه في تقارير وإحصاءات الاقتصاد، بل يشعرون به في كل زيارة إلى الطبيب، وكل مرة يقفون فيها أمام رفوف الصيدليات أو صناديق دفع كلف العلاج.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير