ملخص
مدينة يحيط بها البحر من غربها، يعيش سباحوها "جفافاً مائياً" كاملاً
بين مسابح دمرت بنسبة 100% وبحر ملوث بمياه الصرف الصحي، تقف أجيال من الأبطال عاجزة عن التدريب أو تحقيق الحلم الأولمبي
يقف محمود على حافة الشاطئ في غزة، تداعب رطوبة البحر وجهه، ويرتدي نظارات السباحة التي نجت معه من رحلة نزوح طويلة. جسده الرياضي المشدود يحمل ملامح بطل أمضى سنوات عمره يقطع مياه المسابح ذهاباً وإياباً، حاملاً حلم تمثيل فلسطين في الأولمبياد.
يتقدم خطوة نحو الأمواج، لكن قدمه الحافية تتسمر فوق الرمال؛ فنظراته شاخصة نحو لافتة مغروسة في الأرض، كُتب عليها بخط عريض: "خطر... البحر ملوث وغير صالح للسباحة".
يلتفت محمود إلى الخلف، حيث خارطة حياته الرياضية السابقة؛ على بعد كيلومترات قليلة، يرقد مسبح "نادي الصداقة" ومسبح "نماء"، المنشآت نصف الأولمبية التي شهدت أدق تفاصيل تدريباته اليومية وقصص نجاحه، والتي تحولت اليوم إلى "مقابر إسمنتية".
يقول محمود بمرارة: "دمرت الحرب مسابحنا الرياضية، وغابت المياه الزرقاء الصافية. المنصات التي كانت تضج بصفارات الانطلاق وصيحات المشجعين باتت تحت حطام السقوف المتفحمة وكتل الركام والحديد الملتوي. لقد سحق القتال العسكري هندسة المكان بالكامل، وتبخرت المضخات ونظم الفلترة الحرارية التي استغرق إدخالها إلى القطاع سنوات من المعاناة".
يعود محمود بنظره إلى الأمام، نحو البحر الذي كان يُفترض أن يكون الملجأ والبديل لإنقاذ ما تبقى من لياقته وذاكرته العضلية، لكن حتى الشاطئ بات مغلقاً ومحاصراً. أمامه مياه داكنة تتدفق إليها ملايين الليترات من مياه الصرف الصحي الخام يومياً بسبب تدمير محطات المعالجة؛ بحر غدا يتربص بجسده بنزلات معوية حادة وأمراض جلدية تنهش الجسد.
بين ركام المسابح خلفه، والمياه الملوثة أمامه، يقف السباح الغزي في "جفاف مائي" كامل ومؤلم، بعد أن سُلبت منه مساحته الآمنة. وهذه هي المفارقة الأكثر وجعاً في غزة؛ تلك البقعة الجغرافية الساحلية الممتدة على طول البحر الأبيض المتوسط، والتي طالما ارتبطت هويتها برائحة الملوحة وهدير الأمواج، وشبّ شبانها وهم يصارعون تيارات البحر العاتية، ليعيش رياضيوها بعد الحرب في حالة جفاف مائي رياضي كامل ومطبق.
يضيف محمود: "المفارقة العجيبة أن غزة التي تُحاط بالماء من غربها، بات سباحوها محرومين من ملامسة قطرة ماء واحدة صالحة للتدريب الاحترافي. هذا الحرمان نتاج واقع فرضته الحرب التي جففت كل المساحات الزرقاء التي كانت تمنح الرياضيين فرصة التحليق".
يتألم محمود على واقعه، يتنفس الصعداء ثم يكمل: "لقد بات الساحل الطويل مجرد مشهد بصري يمتد أمام العيون كسراب، بينما يظل السباحون واقفين على الجفاف، عاجزين عن صقل مواهبهم، ومحاصرين في مدينة بحرية.. لكنها بلا بحر صالح للرياضة، وبلا مسابح تحتضن الأحلام".
كيف كانت غزة تسبح؟
قبل أن يصمت صوت المياه في قطاع غزة، كانت الخارطة الرياضية المائية تعيش فترة ازدهار لافتة، سُميت محلياً "النهضة الزرقاء"؛ إذ جرى تدشين مئات المسابح الرياضية والترفيهية، وكانت بمثابة قلاع وحواضن احترافية جرى تشييدها بشق الأنفس لمقاومة سنوات الحصار الطويلة.
تأسست هذه النهضة مع فكرة إخراج السباحة من عشوائية أمواج البحر إلى تنظيم المسابح المغلقة والمطابقة للشروط الدولية، وهي الخطوة التي تكللت بإنشاء أول مسبح نصف أولمبي معتمد في القطاع؛ مسبح "نادي الصداقة" الرياضي، وتلاه مسبح "نادي طبريا الدولي"، ونادي "نماء".
في تلك الأوقات، تحولت المسابح الرسمية والأكاديميات الخاصة إلى خلايا نحل يومية لا تهدأ؛ حيث رعت هذه الأكاديميات طفرة إقبال تاريخية ضمت أكثر من 11 ألف طفل وناشئ سنوياً.
وتحت مظلة "الاتحاد الفلسطيني للسباحة والرياضات المائية"، أخذت البطولات المحلية الرسمية للمسافات القصيرة والمتوسطة طابعاً دورياً منتظماً، وبدأ حلم أولمبي حقيقي يتبلور في عقول الفئات الناشئة، ولم يقتصر الشغف على المياه العذبة داخل المسابح، بل واكب ذلك صعود لافت لثقافة ركوب الأمواج وعشاق لوحات التزلج لترسم غزة طموحاتها العريضة في تشكيل أول منتخب فلسطيني مائي قادر على المنافسة واقتناص الأرقام التأهيلية في دورات الألعاب الأولمبية.
يستذكر رئيس الاتحاد الفلسطيني للسباحة والرياضات المائية، فواز زلوم، تلك الحقبة بكثير من الفخر والحنين، قائلاً: "لقد خضنا معركة حقيقية مع الزمن لإدخال أبسط التجهيزات المائية وأجهزة الفلترة، وبناء جيل يمتلك ثقافة السباحة الرقمية والاحترافية في غزة".
ويضيف: "المسابح قبل الحرب لم تكن مجرد أحواض مياه، بل كانت مصانع لإنتاج أبطال يمثلون فلسطين، ومساحات آمنة وفرت لآلاف الأطفال والفتيات فرصة التدريب بخصوصية تامة تنسجم مع ثقافة مجتمعنا. كان لدينا خطة أولمبية واعدة وبنية تحتية تتطور باستمرار، والبطولات المحلية كانت تجمع أندية القطاع في منافسة شريفة ومستمرة".
صفر منشآت
لم يستغرق الأمر سوى أشهر معدودة من القتال العسكري العنيف لتمحو الآلة الحربية تضحيات عقود كاملة؛ إذ تحولت تلك البيئة الرياضية المزدهرة فجأة وبصورة صادمة إلى ساحة من الحطام والدمار الشامل.
لقد طال القصف والتجريف كل المقرات الرسمية والمسابح الكبرى؛ فسحقت العمليات القتالية مسبح نادي الصداقة، ومسبح نماء، ومسبح نادي شمس، فضلاً عن تدمير مسبح نادي الأونروا في شمال غزة.
بسبب الحرب، انهارت عشرات الأكاديميات الاستثمارية والمسابح الخاصة التي سُويت بالأرض، ولم يعد في غزة منشأة مائية واحدة صالحة للاستخدام، مما أحدث شللاً مطلقاً لرياضة السباحة، وحوّلها من واقع ملموس وبطولات قائمة إلى مجرد تاريخ ماض وذكريات معلقة تحت الركام.
يقول أمين عام الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، مصطفى صيام: "الوضع الرياضي في قطاع غزة بعد الحرب بات كارثياً؛ إذ دُمّرت أكثر من 285 منشأة رياضية في القطاع، وكانت المسابح في مقدمة الأهداف التي طالها سحق هندسي متكامل".
ويضيف صيام: "قبل الحرب، كانت المسابح ركيزة أساسية وعموداً فقرياً لرياضة السباحة في فلسطين، لكننا نتحدث الآن عن بنية تحتية ممسوحة تماماً، وقطاع يفتقر ووصل إلى صفر منشآت مائية، مما يعني قتل طموح جيل رياضي كامل وتشتيت منظومة السباحة بين نازح في الخيام وضحيّة غيبها الموت".
ويتابع "هذا الشلل لم يحبس الرياضيين داخل خيامهم، امتد ليمحو الملاذ الأخير؛ بعد أن تحولت الشواطئ التي كانت بالأمس مساحات للبطولة والتزلج، إلى مناطق عسكرية ساخنة ومحاصرة، أو امتدت عليها مخيمات اللجوء والنزوح لتغرق الرمال بخيام النازحين بدلاً من منصات التتويج".
ومن جانبه، يقول السباح الناشئ أمجد، وهو أحد لاعبي الأندية المحلية: "كنا نقضي ست ساعات يومياً داخل المسبح، نراقب عقارب الساعة ونحسب الأجزاء من الثانية لتطوير أرقامنا الاحترافية. لقد تشتت فريقنا بالكامل؛ مدربنا ارتقى شهيداً في غارة استهدفت منزله، وزملاء التدريب نازحون في خيام متهالكة بوسط وجنوب القطاع. لقد تحول مسبحنا المغلق إلى كتلة إسمنتية مدمرة، ولم نعد نملك حتى مكاناً لنلتقي فيه. السباحة بالنسبة لنا كانت حياتنا، والآن أصبحت مجرد حكايات قديمة نرويها في طوابير انتظار المياه الملوثة".
فاتورة الركام
تدمير المسابح في غزة لا يتوقف عند حدود جدران الأندية المتصدعة، بل يتعداه سحق منظومة هندسية وتقنية معقدة، كلفت ملايين الدولارات واستغرق بناؤها سنوات من الصراع مع قيود الحصار المريرة.
تظهر أحدث الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية الفلسطينية أن القصف والعمليات العسكرية الجوية والبرية أدت إلى تدمير ما يزيد على 90 في المئة من البنية التحتية الرياضية في القطاع، بتكلفة خسائر مادية مباشرة ناهزت عشرات ملايين الدولارات.
وفي قلب هذه الكارثة، حظيت المنشآت المائية بنصيب الأسد من التدمير الممنهج، حيث سحقت المسابح الرسمية الكبرى الثلاثة في القطاع بالكامل، وتحولت مسابح أندية "الصداقة"، و"نماء"، و"شمس" الرياضية إلى حفر عميقة مليئة بالركام وقذائف الغارات.
ولم تسلم من هذا الاستهداف منشآت الهيئات الدولية، إذ طال الدمار الكلي مسبح نادي الأونروا في شمال غزة، والذي كان يمثل شريان حياة وملاذاً مائياً وحيداً لأطفال المخيمات المكتظة، بالتوازي مع انهيار وتجريف أكثر من 45 أكاديمية استثمارية ومسبحاً خاصاً كانت تنتشر في المنتجعات السياحية والشاليهات على طول الساحل والبلدات الداخلية.
يقول رئيس الدائرة الهندسية في وزارة الشباب والرياضة محمد جاد الله "ما جرى للمسابح في غزة ليس مجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية، إنه تدمير بنيوي كامل ومدروس، لقد قمنا بمسح أولي للمنشآت المائية، وصدمنا بحجم الفاجعة، الكلفة التقديرية لإعادة بناء المسابح الرياضية الرسمية والأكاديميات التي دمرت تتجاوز الـ15 مليون دولار كحد أدنى، القصف لم يترك جداراً قائماً، والمنشآت سويت بالأرض تماماً، مما يعني أننا نحتاج إلى البدء من الصفر المطلق لإعادة إحياء هذه الرياضة بعد الحرب".
خسارة هندسة التكنولوجيا المائية
لكن الخسارة الأعمق في تدمير "التكنولوجيا المائية" الحيوية التي كانت تدير هذه المسابح وتمنحها الصفة الدولية والاحترافية، فالمسبح الرياضي ليس مجرد حوض ممتلئ بالماء، هو شبكة هندسية دقيقة من غرف الميكانيك والتجهيزات الحساسة.
يقول عضو اللجنة الفنية لـ"الاتحاد الفلسطيني للسباحة والرياضات المائية"، الكابتن رائد ميلاد "لقد محت الحرب شبكات الفلاتر العملاقة القائمة على الرمل الزجاجي المستورد، ومضخات التدوير وضغط المياه الضخمة، وأجهزة التدفئة الحرارية المتطورة التي كانت تعمل بنظم الغاز والكهرباء لتمكين اللاعبين من مواصلة تدريباتهم في فصل الشتاء".
ويضيف "طال الدمار لوحات التوقيت الإلكتروني الذكي ومستشعرات اللمس المعتمدة دولياً من الاتحاد الدولي للألعاب المائية لحساب أجزاء الثانية في البطولات الرسمية، المعدات والأجهزة الميكانيكية التي دمرت داخل مسابح غزة كانت بمثابة معجزة هندسية نجحنا في تحقيقها".
ويتابع "كنا نقضي سنوات طويلة في معارك تنسيقية معقدة وشديدة الصعوبة مع السلطات الإسرائيلية عبر المعابر لإدخال مضخة مياه أو جهاز حقن كلور مركز أو فلاتر ضخمة، نظراً لتصنيف هذه المعدات تاريخياً ضمن قوائم المواد مزدوجة الاستخدام، تدمير هذه المنظومة التكنولوجية في غضون أشهر يعني إرجاعنا 30 عاماً إلى الوراء، لأن معركة استيراد هذه الأجهزة وإعادة تركيبها وصيانتها مستقبلاً ستصطدم بجدار من القيود السياسية والتحديات الهندسية التي ستؤخر عودة السباحة لسنوات طويلة بعد أن تتوقف الحرب".
يروي السباح رامي، وهو أحد أبطال المسافات القصيرة في القطاع، شهادته "كنا نشعر بالفخر عندما نتدرب في مسبح الصداقة المغلق، قبل فترة، ذهبت لألقي نظرة على مسبحنا، فلم أجد سوى تلال من الردم السوداء، غرف الميكانيك أصبحت حطاماً والمضخات النادرة التي كنا نحافظ عليها كأرواحنا انصهرت تحت القصف، من دون هذه التكنولوجيا، نحن لا نملك مسابح حقيقية، السباحة الاحترافية ماتت في غزة لأن المنظومة الهندسية التي كانت تصنع البطولات تحولت إلى رماد".
نزف الكوادر
تعد خسارة السباحين النزف الحقيقي والأكثر فداحة الذي أصاب رياضة إذ غيب الموت والقصف عشرات الكوادر الإستراتيجية من مدربين وحكام دوليين ومنقذين بحريين ولاعبي منتخبات وطنية.
يقول رئيس اتحاد الرياضات المائية فواز زلوم "المنشآت والمؤسسات يمكن تعويضها وإعادة بنائها مهما بلغت كلفتها، لكن خسارتنا الحقيقية ارتقاء عشرات الأبطال والكوادر الرياضية الذين أمضوا سنوات طويلة في بناء المنظومة وتدريب الأجيال، رحيل هذه الخبرات النادرة يمثل تفريغاً قسرياً للعبة من مرجعياتها، وفراغاً فنياً هائلاً سيستغرق إعداد وتأهيل بدلاء عنها أعواماً طويلة من التعليم والمعسكرات الخارجية لتعويض ما فقد".
السباحة في عالم الاحتراف والمنافسات الدولية ليست مجرد هواية عامة، هي علم معقد وعالي الحساسية يعتمد في مقامه الأول على ما يعرف بالتوافق العضلي العصبي المائي اليومي، يشرح النائب الفني للاتحاد في غزة الكابتن أحمد أسعد "الانقطاع عن ملامسة ماء المسبح لأسابيع يدمر ما يعرف بإحساس الماء وانسيابية الجسد، فما بالك بانقطاع دام لسنوات؟".
ويضيف "السباحون يعانون من ضمور حاد في الكتلة العضلية الخاصة بالدفع المائي، وتصلب في مفاصل الكتف والحوض، ومحو تام للذاكرة العضلية التي تشكلت عبر ملايين الأمتار المقطوعة في التدريبات السابقة، هذا الجيل إعدامه رياضياً فالأرقام القياسية التي كنا نقاتل لتقليصها بأجزاء من الثانية تبخرت، وأي محاولة للعودة مستقبلاً تعني البدء من الصفر المطلق، وهي رحلة شاقة قد لا تسعف أعمارهم الرياضية على إتمامها".
ومع تدمير المسابح ونزف الكوادر، تلاشت برامج الأكاديميات الرياضية التي كانت ترعى وتضم أكثر من 11 ألف طفل وناشئ في القطاع، وتبخرت أحلامهم بالوصول إلى المنصات الدولية ورفع العلم الفلسطيني.
تتحدث السباحة الناشئة هالة، وهي من سباحات منتخب فلسطين للناشئين في غزة "كان حلمي الكبير هو التأهل والمنافسة الرقمية في دورات الألعاب الأولمبية لرفع علم فلسطين عالياً، لكن بسبب الحرب خسرت كتلتي العضلية ولياقتي تماماً بعد سنوات من الغياب القسري عن الماء، السباحة لم تكن مجرد رياضة لي، بل كانت هويتي ومستقبلي، والآن أشعر أن طموحي الدولي مات ودفن تحت ركام مسابحنا المدمرة، وأصبحنا نعيش جفافاً روحياً ورياضياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إقصاء السيدات
قبل الحرب، نجحت غزة في تحقيق قفزة نوعية وكسر حواجز مجتمعية وثقافية طويلة، من خلال توفير مسابح مغلقة وآمنة تضمن الخصوصية الكاملة لتدريب الفتيات والسيدات، حيث كانت تلك الأكاديميات والأندية بمثابة بيئة مثالية سمحت بظهور جيل واعد من السباحات والمدربات اللواتي يمارسن الرياضة بحرية وأمان.
لكن تدمير هذه المسابح شكل إقصاء تاماً ونهائياً للمرأة الغزية من رياضة السباحة، هذا الهدم حظر على نصف المجتمع الغزي حقه في العوم والتفريغ النفسي وأعاد المكتسبات الرياضية والتمكينية للمرأة عقوداً إلى الوراء.
تقول المدربة رندة "لقد استغرقنا سنوات طويلة لترسيخ ثقة المجتمع وتوفير مسابح مغلقة ومجهزة تتيح للفتيات والنساء التدريب باحترافية وتطوير مستوياتهن الرقمية، في غضون أشهر، سحقت هذه المنشآت تماماً واستهدفت في الصميم، الفتيات يعشن صدمة نفسية مضاعفة، فهن محرومات بشكل كامل من ملامسة الماء، والخيارات أمامهن منعدمة؛ إذ لا يمكن لسباحة محترفة النزول إلى البحر المفتوح في ظل الواقع الحالي، مما يعني إعداماً تاماً لقطاع السباحة النسوية في غزة وإقصاء المرأة نهائياً من المشهد الرياضي المائي".
تؤكد السباحة الناشئة ميس "المسبح المغلق كان مساحتنا الوحيدة للتنفس والتدريب بحرية تامة ومن دون قيود مجتمعية، بعد تدميره وضعنا نظارات السباحة وملابس التدريب ونحيناها جانباً، البحر المفتوح ليس خياراً لنا كفتيات في غزة لأسباب كثيرة، واليوم مع تلوثه الكامل، أغلقت الأبواب تماماً في وجوهنا".
البحر ليس ملاذاً
ومع غياب المسابح، قد يبدو بحر غزة الممتد خياراً لإنقاذ ما تبقى من مواهب، لكن هذا البديل يقف اليوم كجدار مستحيل ومليء بالأمراض والأخطار المحدقة، إذ أدى انقطاع الكهرباء الكامل وتدمير محطات المعالجة وشبكات الصرف الصحي الرئيسة إلى كارثة بيئية وبيولوجية غير مسبوقة، حيث تضطر البلديات لتصريف ملايين الليترات من مياه المجاري الخام وغير المعالجة مباشرة إلى الشاطئ يومياً، مما غير طبيعة الميكروبيولوجيا المائية للساحل.
يقول متحدث بلدية غزة حسني مهنا "تدمير البنية التحتية ومحطات المعالجة تسبب في كارثة بيئية مطلقة، تضخ حالياً مئات آلاف الكوبّات من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يومياً إلى شاطئ البحر مباشرة وبشكل مستمر، الفحوصات المخبرية الدورية تؤكد أن نسبة التلوث البكتيري والميكروبيولوجي في المياه تجاوزت المقاييس العالمية بأضعاف مضاعفة، مما جعل السباحة في أجزاء واسعة من الساحل خطراً حقيقياً ومباشراً على الصحة العامة، ودفعنا لإصدار تحذيرات مشددة تمنع المواطنين والرياضيين من نزول البحر تفادياً للأمراض المحدقة".
المواثيق الدولية
في القانون الدولي الإنساني، تصنف المنشآت الرياضية كأعيان مدنية محمية تحميها اتفاقية جنيف الرابعة، لا سيما المادة 53 والمبادئ العامة التي تحظر تدمير الممتلكات العامة أو الخاصة إلا إذا اقتضت الضرورة الحربية الحتمية ذلك.
يقول الباحث في القانون الدولي الرياضي طارق الكرد "تفرض اللوائح التنفيذية للجنة الأولمبية الدولية والميثاق الأولمبي مبادئ صارمة تحظر استهداف أو تعطيل المنشآت الرياضية باعتبارها متنفساً للشعوب وأدوات لبناء السلام والتنمية البشرية".
ويضيف "قوانين الاتحاد الدولي للألعاب المائية واضحة إذ تنص على حماية المقرات الرسمية والمائية للاتحادات الأعضاء وتوفير بيئة تدريبية آمنة ومستدامة للرياضيين".
في المقابل، تتركز الردود والبيانات الرسمية الإسرائيلية في تبرير تدمير المنشآت الرياضية حول مبدأ "الضرورة العسكرية"، زاعمة أن حركة حماس والفصائل الفلسطينية في غزة عمدت لسنوات طويلة إلى تحويل هذه الأعيان المدنية والمنشآت الترفيهية إلى غطاء لبنيتها التحتية العسكرية العميقة.
يقول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي "استهداف الأندية الرياضية الكبرى والمسابح الملحقة بها، جاء بناء على معلومات استخبارية تفيد بوجود فوهات لأنفاق هجومية ومخازن للأسلحة والذخائر متموضعة أسفل هذه الأحواض والمدرجات".
ويضيف "وجود أهداف عسكرية في هذه الأعيان يفقدها صفتها كأعيان مدنية محمية ويحولها إلى أهداف عسكرية مشروعة بموجب قوانين الحرب عند استخدامها لأغراض قتالية".