Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بحر غزة سجون بلا قضبان والإبحار فيه تسلل نحو الموت

تعد إسرائيل شاطئ القطاع منطقة محظور الوصول إليها

نتيجة منع الصيد أضحت الأسماك سلعة نادرة وغير متاحة للجائعين في غزة (اندبندنت عربية - مريم أبو دقة)

ملخص

بين شباك ممزقة ورصاص يترصد الأمواج يخوض صيادو غزة معركة بقاء. إليكم قصصاً واقعية من قلب بحر غزة.

في قلب الفجر يخرج وائل حاملاً شباك الصيد الممزقة، لا ليبحث عن كنز في قاع بحر غزة، بل ليطارد لقمة مغمسة بالخوف بين تضارب الأمواج، فهو يستعد لرحلة صيد لا تشبه أي رحلة وإنما هي معركة بقاء، وقبل أن تطأ أقدامه الشاطئ يودع أهله فقد تكون المرة الأخيرة التي يحتضنهم فيها.

من على الرمال يسحب وائل حسكته اليدوية الصغيرة، نحو المياه وما إن يطأ القارب الخشبي الشاطئ يبدأ الصياد في تحريك المجاديف يعاند تضارب الأمواج ليبقى سيلاً واحداً ومع تقدم سفينته البسيطة يجد نفسه محاصراً في مساحة ضيقة وكأنه دخل سجناً بلا قضبان، يقول "تترصد بي القيود الإسرائيلية قبل أن ألمس الماء، أجد نفسي محاصراً في منطقة استنزفها الرصاص قبل الشِباك".

دبابير ومسيرات

في السماء تنتشر مسيرات المراقبة الإسرائيلية، وفي عرض البحر ترصد "الدبابير" وهو مصطلح يستخدمه الصيادون للتعبير عن الزوارق الحربية، يتجاهل وائل كل شيء ويبحر حتى خط وهمي رسمته البحرية الإسرائيلية إذا حاول تجاوزه تنهمر عليه القذائف وتتمزق الشباك التي قضى ليالي في رتقها.

يضيف وائل أن "القيد ليس فقط في المسافة، بل في منع المحركات، أضطر للتجديف بيدين متعبتين وأبقى في الساحل لا أصل لأي عمق، الأسماك صغيرة وهزيلة تماماً كأحلام الصغار في غزة. ما أمارسه ليس حرفة وإنما إهانة للكرامة".
يتوجع وائل من فقر الصيد، يتنفس الصعداء ويتحدث "تخيل صياداً مكافحاً هو كبير عائلته وسندها، يجد نفسه فجأة محاصراً بزوارق حربية ضخمة، عبر مكبرات الصوت، يأتي الأمر المهين اقفز في الماء في عز البرد، تجبرني البحرية الإسرائيلية على خلع ملابسي والسباحة في مياه البحر الجليدية، والارتجاف يضرب جسدي، من البرد والقهر".

لم تكن حرفة وائل والصيادين في غزة بهذا الشكل قبل الحرب، إذ إنه خلال العمليات العسكرية التي استمرت عامين، دمرت إسرائيل حرفة الصيد عبر استراتيجية متكاملة، وبمجرد ما اندلعت شرارة التصعيد أعلنت تل أبيب مياه غزة منطقة محظورة وبدأت بسحق مكوناتها.

دمار 100 في المئة

دمرت إسرائيل قطاع الصيد في غزة حتى انهار بنسبة 100 في المئة، إذ استهدفت مكوناته باستراتيجية ممنهجة شملت القصف المباشر والحصار البحري التام واستهداف البنية التحتية والاستهداف المباشر للصيادين ومعداتهم، مما حول البحر من مصدر رزق إلى منطقة خطر دائم.

يقول نقيب الصيادين نزار بكر، "تحول الصيد في غزة إلى مخاطرة انتحارية، حيث يبحر الصيادون رغم إغلاق البحر لمسافات قصيرة جداً تحت أعين القناصة والزوارق الحربية، بحثاً عن كميات ضئيلة من الأسماك الصغير غير المكتملة لسد رمق عائلاتهم، رغم الحظر يصل الصيادون إلى مسافات لا تتعدى ميلاً بحرياً واحداً وهي مياه ضحلة تفتقر للتنوع السمكي".

وبموجب اتفاقات أوسلو كان من المفترض أن تصل مساحة الصيد إلى 20 ميلاً بحرياً، لكن إسرائيل لم تلتزم بذلك أبداً. وخلال الأعوام الأخيرة تراوحت المساحة المسموحة بين ثلاثة وتسعة أميال بحرية، ويؤكد بكر أن تل أبيب تستخدم المساحة كأداة عقاب جماعي عبر تقليصها وإغلاق البحر بالكامل رداً على الأحداث السياسية.

خسائر

دمرت إسرائيل قطاع الصيد عندما استهدفت الحرفيين مباشرة فقتلت منهم 238 صياداً، واعتقلت نحو 450 آخرين، ويوضح نقيب الصيادين أن بحرية تل أبيب دمرت حوالى 87 في المئة من مراكب الصيد وشمل ذلك نحو 300 قارب صغير و80 قارب "لنش"، إضافة إلى حرق أكثر من 150 قارباً، لافتاً إلى أن الجيش جرف بعض المراكب التي دفنها بعض الصيادين في الرمال لحمايتها.
شمل الدمار الذي لحق بقطاع الصيد البنية التحتية، إذ قصفت الطائرات الحربية ميناء غزة أكثر من 25 مرة بصواريخ "أف 16" وقذائف المدفعية، مما أدى إلى تدمير اللسان البحري وتعطيله تماماً، ثم دمرت 144 غرفة معدات للصيادين وثلاثة مواقع إنزال رئيسة إضافة إلى تدمير مزارع الاستزراع السمكي التي كانت توفر بديلاً غذائياً.

وبحسب بكر فإن الإنتاج السمكي انخفض بنسبة تجاوزت 94 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل عام 2023، مما حرم السكان من مصدر حيوي للبروتين، وتسبب بتفاقم الجوع. ويلخص نقيب الصيادين الخسائر بأكثر من 75 مليون دولار.

منطقة الموت

على رغم من تدمير مقومات حرفة الصيد فإن الحرفيين يغامرون بالنزول إلى البحر، لكن ليس للصيد بمعناه التقليدي بل هي رحلات بقاء محفوفة بأخطار التعرض لرصاص الجنود الإسرائيليين.
فهذا سهيل الذي يسبح على ظهر باب ثلاجة ويستخدم الشباك المرقعة في رحلته، ما إن يصل إلى بضع مئات من الأمتار يطلق عليه جنود البحرية الإسرائيلية النار، ويقول "هذه منطقة الموت لأنها تقع تحت المراقبة المباشرة للزوارق الحربية والمسيرات، بسبب تدمير أغلب المراكب الكبيرة ومنع دخول المحركات، أستخدم المجاديف اليدوية وأطواق النجاة التيوب وشباكاً متهالكة".

يعرف سهيل أن النزول للبحر يعني التعرض المباشر لزخات الرصاص أو القذائف، وأن ما يتم اصطياده غالباً هو بذرة السمك التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لكنها المحاولة الوحيدة لتأمين أي مصدر للبروتين، ويضيف أـن "الدافع للنزول للبحر ليس الربح بل محاولة إطعام عائلتي، حتى لو كان ثمن ذلك التعرض للموت برصاص البحرية الإسرائيلية".

إذا تجاوز سهيل مسافة الميل البحري، فإن زخات الرصاص تلاحقه، والقذائف والمدافع المائية قد تصل إلى قلب حسكته مما يؤدي لإغراقها مباشر، يوضح الصياد أن الطائرات المسيرة تلاحقه حتى على الشاطئ لمنعه من سحب شباكه.

على سيرة الشباك يتذكر سهيل أن الزوارق الإسرائيلية تتعمد السير فوق شباك الصيادين لتمزيقها، يوضح أن تلك المعدات باهظة الثمن ويصعب تعويضها بسبب الحصار، يؤكد أن رحلة الصياد الغزي في البحر تبدو وكأنها سباق مع الموت فهي لم تعد رحلة عمل هادئة تبدأ بالفجر، بل أصبحت عملية تسلل محفوفة بالرعب تبدأ بمراقبة السماء والبحر قبل دفع القارب.

مدافع مائية

يقول رئيس الجمعية التعاونية لصيادي الأسماك عبدالمعطي الهبيل، إن "حرفة الصياد قطعة من العذاب فلحظة الانطلاق هي تسلل لا إبحار، وعادة ما يحاول الصيادون الإبحار في أوقات يكون فيها الضباب كثيفاً أو في الفجر الباكر جداً لتجنب لفت انتباه المسيرات التي لا تغادر سماء البحر". ويضيف، "بمجرد ابتعاد القارب عن الشاطئ بضع مئات من الأمتار، تظهر الطرادات الإسرائيلية، وتبدأ بالدوران حول قوارب الصيادين بسرعة كبيرة لصنع أمواج عالية تهدف إلى إغراق الحسكة الصغيرة، في البحر لا توجد تحذيرات صوتية غالباً، يبدأ الرصاص الحي بالارتطام بالمياه حول القارب أو اختراق الشباك وحينها يظل الصياد منحنياً داخل قاربه وهو يسحب شباكه بسرعة فائقة خوفاً من الإصابة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشير الهبيل إلى أنه إذا أراد الجنود طرد الصياد من دون قتله، يستخدمون مدافع مائية بضغط هائل تحطم عظامه أو تقلب قاربه، مما يضطره للسباحة لمسافات طويلة للوصول إلى الشاطئ، ويحدث كل ذلك رغم أن أدوات الصيد بدائية، إذ يستخدم الصياد شباك الملطش ذات الفتحات الضيقة جداً لصيد الأسماك الصغيرة والسنارة اليدوية والشباك المرقعة والبوصلة التقليدية والمراقبة البصرية والكشافات اليدوية.

اعتقال ومصادرة

من الأمور التي دمرت قطاع الصيد ومنعت الحرفيين من ممارسته هو الاعتقال في عرض البحر الذي يعد أبرز الأدوات التي تستخدمها البحرية الإسرائيلية للتضييق على الصيادين وترهيبهم، حتى وإن كانوا يعملون ضمن المساحات المسموحة الضيقة.

في ليلة غاب فيها القمر، كان قارب الصياد واصل يتهادى في المياه، فجأة انشق ظلام البحر عن أضواء كاشفة عملاقة، وصوت هادر من زوارق البحرية الإسرائيلية يحاصر الحسكة من كل جانب. وفي لحظة وجد نفسه مكبل الأيدي يقتاده الجنود نحو ميناء أسدود الإسرائيلي.

مضت الشهور، وخرج واصل من خلف القضبان بصدر ضيق وجسد نحيل وأول مكان زاره كان البحر حيث ركض بقلب يخفق، لكنه تسمر في مكانه حين اقترب من قاربه الذي وجده "جثة هامدة" نُزع منها المحرك والكشافات التي كانت تنير عتمة ليله. وجد نفسه أمام قطعة خشب خاوية لا تملك القدرة على الطفو ولا القوة على الإبحار.

إسرائيل تبرر

يقول مدير عام الإدارة العامة للثروة السمكية عادل عطالله، إن "إجراءات الاعتقال الميدانية والمحاصرة للصياد، كلها طرق لإذلال الغزيين. يأمر الجيش الإسرائيلي الصيادين عبر مكبرات الصوت بخلع ملابسهم بالكامل والقفز في مياه البحر الباردة والسباحة نحو الزورق الحربي، بغض النظر عن أحوال الطقس، ثم يعصبون أعينهم ويقيدون أيديهم للخلف وينقلوهم إلى مراكز التحقيق". ويضيف، "نادراً ما يُترك القارب في مكانه، بل يتم سحبه إلى الموانئ الإسرائيلية، إن مصير المعدات أثناء الاعتقال هو المصادرة. وغالباً ما تعاد بعض المراكب هياكل خاوية من دون المحرك أو أجهزة الصيد. وفي مراكز الاعتقال يخضع الصيادون لتحقيقات قاسية تركز على جمع معلومات استخباراتية أو الضغط عليهم للتعاون".

في إسرائيل، يبرر المتحدث باسم الجيش نداف شوشاني بالقول، "نمنع الصيادين لأن الفصائل الفلسطينية تستخدم مراكب الصيد لتهريب الأسلحة والمتفجرات، والمواد ثنائية الاستخدام التي يمكن استعمالها في التصنيع العسكري، إن السماح للصيادين بالإبحار لمسافات بعيدة يمنح غطاء لوحدات الكوماندوز البحري للقيام بعمليات تسلل تجاه البلدات الساحلية أو المنشآت الاستراتيجية الإسرائيلية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير