Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيرنهام ينقل أزمة اللاجئين من البحر إلى البر

خطة رئيس الوزراء البريطاني لتوزيع المهاجرين تصطدم بالكلفة وغضب المناطق الثرية

بعض المناطق البريطانية ترفض وجود مراكز للاجئين فيها (غيتي) 

ملخص

تصريحات رئيس الوزراء البريطاني الجديد بأن المناطق الميسورة ومناطق الطبقة الوسطى عليها استقبال حصتها من طالبي اللجوء فتحت جبهة سياسية جديدة في البلاد خلال أسابيع قليلة من دخوله إلى "داونينغ ستريت". الأرقام الرسمية تسند جوهر الحجة إلى اختلال التوزيع الجغرافي، لكن أسقف الإيجار والعقود مع الشركات الخاصة وطبيعة سوق السكن تجعل ترجمتها إلى سياسة نافذة أمراً بالغ الصعوبة. والخطة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الإنصاف، إذ تقع غالبية المناطق المستهدفة خارج خريطة النفوذ الانتخابي لحزب العمال.

خلال مقابلة مع شبكة "جي بي نيوز" (GB News) هذا الأسبوع، قال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام إن البلاد لا يمكن أن تبقى في وضع تتحمل فيه المجتمعات الأفقر وحدها استقبال طالبي اللجوء، و"على جميع أنحاء البلاد" أداء دورها في عملية التوزيع. جاء الكلام رداً على سؤال حول الاحتجاجات في قرية صغيرة وسط البلاد، حيث تعتزم وزارة الداخلية إسكان نحو 1250 رجلاً من طالبي اللجوء داخل قاعدة عسكرية سابقة.

ولا يتجاوز عدد سكان قرية بيدينغتون 400 نسمة، وصوت أهلها بنسبة 96 في المئة في استفتاء رمزي على "الانفصال" عن المملكة المتحدة احتجاجاً على خطط وزارة الداخلية نقل اللاجئين إلى جوارها، ورئيس مجلس الأبرشية فيها تيم ماكنالي شبه الأمر بإضافة 32 مليون شخص إلى لندن بين ليلة وضحاها.

لم يكُن تصريح بيرنهام زلة عابرة، إذ خرجت في اليوم التالي المسؤولة بوزارة الداخلية آنا تورلي لتدافع عن المبدأ، فقالت إن مناطق مثل بلاكبول ذات أسعار العقارات المنخفضة أدت "حصتها العادلة"، وذلك خلف عبئاً هائلاً على المجتمعات المحلية وأنتج اضطراباً أهلياً حقيقياً، فيما أكد مصدر حكومي لصحيفة "تلغراف" أن رئيس الوزراء يرى النظام الحالي غير عادل ويريد تصحيح التوزيع "كمسألة مبدأ"، مع إقراره بأن ذلك سيكلف مالاً أكثر.

جوهر الحجة قابل للتوثيق، فسياسة التوزيع الجغرافي التي أرستها الحكومة البريطانية عام 2000 قامت من الأساس على قاعدة إسكان طالبي اللجوء في المناطق التي يتوافر فيها سكن أرخص وأكثر ملاءمة، أي إنها بنيت على معيار السعر لا على معيار التوازن، والنتيجة تراكمت عبر ربع قرن.

بحسب بيانات وزارة الداخلية، بلغ عدد المستفيدين من دعم اللجوء 97519 شخصاً في نهاية مارس (آذار) الماضي، من بينهم 72768 في سكن غير فندقي، فيما لم تستضِف 11 في المئة من السلطات المحلية أي طالب لجوء، وتتركز الأعداد الأكبر في الشمال الغربي ولندن وويست ميدلاندز ويوركشير. ويظهر "مرصد الهجرة" في "جامعة أكسفورد" تحولاً لافتاً، إذ تراجع عدد السلطات المحلية التي لا تستضيف أحداً من 285 من أصل 375 عام 2014 إلى 41 من أصل 361 في نهاية مارس الماضي، فيما عاد الشمال الغربي ليحتضن أكبر حصة إقليمية بنسبة 20 في المئة مقابل 15 في المئة للندن.

الأهم أن المؤسسات الرقابية البريطانية سبقت بيرنهام إلى التشخيص، فخلصت لجنة الشؤون الداخلية في مجلس العموم إلى أن نهج الحكومة أدى إلى توزيع غير متكافئ للسكن على مستوى البلاد، وضغط على الخدمات المحلية وأجج توترات مجتمعية، وأن خططها لتوزيع أعدل لم تحرز سوى تقدم محدود. وفي يونيو (حزيران) الماضي، قررت لجنة الحسابات العامة أن الوزارة لا تملك استراتيجية طويلة الأمد ذات صدقية لسكن اللجوء، وأن السلطات المحلية لا تزال بلا رأي فعلي في قرارات الإسكان، فيما ارتفعت كلفة دعم اللجوء إلى نحو 4 مليارات جنيه استرليني عامي 2024 و2025.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بهذا المعنى، الحجة صحيحة في توصيفها للمشكلة، بالتالي الخلاف ليس على التشخيص بل على قابلية العلاج للتطبيق. وبيرنهام دقيق في طرحه وهش في أدواته، فهو يصحح ظلماً موثقاً بالأرقام والتقارير البرلمانية، لكنه يصطدم بثلاثة جدران، أسقف إيجار تستبعد المناطق الغنية وعقود خاصة لا نية لفسخها وسوق سكن لا توفر بدائل حيث يريد ساكن المنزل رقم 10، لذا اعترف مكتبه بأن الإنصاف هنا مكلف، من دون أن يوضح من يدفع.

ولا تستطيع شركات المقاولة الخاصة اقتراح مساكن إلا ضمن أسقف إيجار صارمة تحددها وزارة الداخلية استناداً إلى القيم الإيجارية في كل منطقة، وهي أسقف تستبعد عملياً معظم المناطق الميسورة، مما دفع الوزراء إلى دراسة رفع هذا السقف، أي إن تنفيذ وعد بيرنهام يمر أولاً عبر قرار بزيادة الإنفاق العام خلال لحظة تقشف.

والفارق في الكلفة ضخم، إذ بلغت كلفة سكن اللجوء الخاص 2.7 مليار جنيه عامي 2024 و2025، بينما انخفض متوسط الكلفة من 144 جنيهاً للشخص في الليلة الواحدة في الفنادق إلى 23.25 جنيه في السكن الخاص. ونقل هذا النموذج إلى أحياء مرتفعة الإيجارات يعني تآكل الوفر الذي تفاخر به الحكومة، مما اعترف به مكتب رئيس الوزراء صراحة.

والعقبة الثانية بنيوية، فالنظام كله مدار عبر ثلاث شركات خاصة بعقود ممتدة حتى عام 2029. وكان بيرنهام قبل وصوله إلى الحكم يميل إلى تمزيق هذه العقود وتسليم المسؤولية للمجالس المحلية، لكن مسؤولين في وزارة الداخلية أبدوا شكوكهم بقدرة المجالس على تأمين نحو 100 ألف سرير، وأكدت الوزارة أنها لا تنوي تفعيل بنود الفسخ على رغم التزامها إنهاء استخدام الفنادق قبل انتهاء العقود.

أما البديل المعتمد، فهو القواعد العسكرية المهجورة، وأكد متحدث باسم بيرنهام استمرار العمل بخطط سلفه التي تشمل ثلاثة مواقع تتضمن قاعدة جوية وموقعين سابقين للتدريب، توفر ما مجموعه نحو 3750 مكاناً، فيما تراجع عدد الفنادق المستخدمة إلى أقل من 170 بعدما بلغ نحو 400 خلال عهد "المحافظين". لكن المواقع العسكرية الثلاثة نفسها هي مصدر الانفجار الحالي لأن معظمها يقع في أرياف هادئة ذات كثافة سكانية منخفضة.

والاختبار العملي وقع في ثيتفورد بمقاطعة نورفولك، حيث تحولت الاحتجاجات على إسكان طالبي لجوء في موقع "بارنهام" العسكري السابق إلى أعمال عنف بين الرابع والسادس من أغسطس (آب) الجاري، شملت تحطيم نوافذ منازل يعتقد بأنها تؤوي طالبي لجوء ومحاولة اقتحام أحدها وجرح عناصر شرطة. وهذه الحادثة تحديداً هي ما يجعل حجة "التوزيع العادل" مسألة أمن داخلي لا مجرد نقاش عن الإنصاف.

ومن الصعب فصل طرح بيرنهام عن سياقه الانتخابي والسياسي إن جاز التعبير، فالمناطق التي لا تستضيف طالبي لجوء اليوم هي في غالبيتها دوائر "محافظة" أو "ليبرالية ديمقراطية"، ولاحظت صحيفة "تلغراف" أن الخطة مرشحة لإثارة الغضب في المناطق الأكثر ثراء، وهي مناطق أقل احتمالاً أن يمثلها نواب من حزب العمال الحاكم، مما يمنح خصوم بيرنهام مادة جاهزة لاتهامه باستهداف طبقي وحزبي في آن. وبادر وزير الداخلية في حكومة الظل كريس فيلب إلى ذلك مباشرة، قائلاً إن المجتمعات "لا ينبغي أن تؤوي مهاجرين غير شرعيين في أي مكان، والترحيل يجب أن يتم خلال أسبوع من الوصول".

 

للحسابات وجه آخر، فبيرنهام بنى صعوده على خطاب "الشمال المهمل"، وحجة عدم تحميل المدن الفقيرة كلفة سياسة وطنية تنسجم تماماً مع هذا السرد وتخاطب قاعدته الأصلية في مانشستر وليفربول وبلاكبول، وهي مناطق يزاحمه فيها حزب "ريفورم". ويفعل "ملك الشمال" ذلك من موقع قوة نسبية، إذ أظهر استطلاع "إبسوس" بين الـ30 من يوليو (تموز) الماضي و4 أغسطس الجاري تقدم العمال بـ28 في المئة مقابل 25 في المئة لـ"ريفورم" و18 في المئة لـ"المحافظين"، مع تفوق بيرنهام في سؤال الأجدر برئاسة الوزراء بنسبة 36 في المئة مقابل 15 في المئة لنايجل فاراج، غير أن الصورة ليست وردية، فسبعة من كل 10 بريطانيين ما زالوا غير راضين عن أداء الحكومة، وأربعة من كل 10 لا رأي لديهم في أداء بيرنهام نفسه. بمعنى آخر، الخطة تخدم إعادة تثبيت "العمال" في مناطقه التقليدية أكثر مما تخدم توسيع قاعدته، وهي مغامرة محسوبة ضمن مناطق لا يخسر فيها كثيراً أصلاً.

ويبقى السؤال الأصعب، هل هذا مؤشر على عجز عن معالجة أزمة القوارب؟ الأرقام تسير في مصلحة الحكومة، إذ وصل هذا العام 15242 شخصاً عبر القنال الإنجليزي حتى التاسع من أغسطس الجاري، بانخفاض 43 في المئة عن الفترة نفسها من عام 2025، وتراجع عدد القوارب إلى أدنى معدل منذ 2020. لكن في المقابل سجل رقم قياسي بوصول 230 شخصاً على متن قارب واحد، بزيادة 40 في المئة عن الرقم السابق المسجل قبل 20 يوماً فقط، مما يعني أن المهربين انتقلوا إلى قوارب أكبر وأشد خطراً.

وانخفاض الأعداد لم يخفض حرارة الملف، والسبب أن الأزمة السياسية اليوم ليست في عدد الواصلين، بل في مكان إقامتهم وكلفتهم وظهورهم في الفضاء العام. وحين رفض بيرنهام التزام وقف العبور قبل الانتخابات المقبلة، قائلاً إنه يفضل أن يعِد الناس بما يعرف أنه قادر على تنفيذه، وهو تركيز متواصل على القضية، كان يعترف ضمناً بأن الحد من الوصول خارج سيطرته الكاملة، وأن ما يملكه فعلاً هو إدارة التبعات الداخلية.

الأرجح أن نتيجة خطط بيرنهام العملية ستكون محدودة، رفع طفيف لأسقف الإيجار وتوسيع تدريجي لقائمة السلطات المحلية المشاركة واستمرار الاعتماد على القواعد العسكرية في الأرياف، أي إن الأثر الرمزي والسياسي للتصريح سيتجاوز أثره الميداني بكثير، وهذا في ذاته مؤشر ذو دلالة، فحين يتحول النقاش الوطني من كيفية وقف القوارب إلى كيفية توزيع من وصلوا على متنها بين طبقات المجتمع، تكون الحكومة نقلت المعركة من ميدان الحدود إلى ميدان الجغرافيا الداخلية، وهو انتقال ربما يشتري لبيرنهام وقتاً سياسياً، لكنه ينقل التوتر أيضاً من ثيتفورد إلى قرى لم تعرفه من قبل.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل