ملخص
تتجه الحكومة البريطانية الجديدة بقيادة حزب العمال إلى تخفيف جدول زمني وضعته بنفسها للتحول إلى الطاقة النظيفة، بعدما رفعت حرب إيران أسعار النفط والغاز وأعادت أزمة كلف المعيشة إلى صدارة النقاش السياسي. وزيرة الطاقة تلمح إلى إمكان تأجيل هدف عام 2030 إذا رفع فواتير الأسر، فيما تستعد وزارة النقل لخفض نسب إلزامية لبيع السيارات الكهربائية. الخطوة تفتح جبهة داخل الحزب الحاكم بين من يرى في الاقتصاد الأخضر فرصة اقتصادية ومن يرى في التمسك بالمواعيد خطراً انتخابياً، وتضع رئيس الوزراء الجديد أمام اختبار مبكر لصدقيته.
بعد أسبوعين فقط من دخوله مقر رئاسة الوزراء وجد آندي بيرنهام نفسه في قلب الملف الذي حاول تفاديه طوال حملته: كلفة التحول إلى صفر انبعاثات. فقد نقلت صحيفة "التايمز" عن وزيرة الطاقة مياتا فانبوله قولها إن التزام سلفها بإزالة الوقود الأحفوري تقريباً من شبكة الكهرباء البريطانية بحلول 2030 يجب أن يأخذ في الحسبان "القدرة على تحمل الكلفة"، ملمحة إلى إمكان تأجيله عاماً أو عامين إذا كان ذلك يخفض الفواتير.
حين سئلت فانبوله عما إذا كانت أولويتها الوفاء بالالتزام حتى لو ارتفعت الفواتير، أجابت بأن مهمتها إنجاز التحول بطريقة تناسب جيوب الناس، حيث إن 81 في المئة من البريطانيين يؤيدون مصادر الطاقة المتجددة، ومهمتها الحفاظ على هذه النسبة عبر مصارحتهم بأن الحكومة تتخذ مقايضات صعبة لضمان قدرتهم على الدفع.
السبب المباشر لهذا التراجع خارجي بامتياز. ففي الـ28 من فبراير (شباط) 2026 بدأت إسرائيل والولايات المتحدة حملة ضربات عسكرية ضد إيران، ردت عليها طهران باستهداف أهداف في إسرائيل وقواعد أميركية ومنشآت للطاقة في دول عربية مجاورة. وبلغ سعر برميل الخام في ذروته في أبريل (نيسان) زيادة قدرها 42 دولاراً عن مستواه عشية الحرب، أي ارتفاعاً بنسبة 57 في المئة، مقابل زيادة قصوى بلغت 35 دولاراً في أزمة 2022. وارتفعت توقعات سقف أسعار الطاقة ليوليو (تموز) إلى 1973 جنيهاً استرلينياً للأسرة النموذجية، بزيادة 20 في المئة على مستوى أبريل، فيما قفز متوسط أسعار البنزين 20 في المئة والديزل 36 في المئة عن مستويات ما قبل الحرب.
انعكس ذلك سريعاً على الداخل البريطاني. فقد ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 3.3 في المئة في مارس (آذار) بفعل قفزة شهرية بلغت 8.7 في المئة في أسعار وقود السيارات، وهي الأعلى منذ صيف 2022. وتراجعت احتمالات خفض بنك إنجلترا لأسعار الفائدة، بل باتت زيادتها واردة. وحذرت مؤسسة "ريزوليوشن فاونديشن" من أن سيناريو سلبياً لكنه محتمل قد يرفع الاقتراض الحكومي 16 مليار جنيه بحلول 2029 و2030، ونصحت بإبقاء دعم كلفة المعيشة موجهاً ومؤقتاً بدل تعديل القواعد المالية.
بيرنهام دخل داونينغ ستريت بوعد صريح بأن تكون حكومته "حكومة كلفة معيشة". فقرر إعفاء فواتير الكهرباء من ضريبة القيمة المضافة اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) بكلفة 850 مليون جنيه توفر للأسرة نحو 45 جنيهاً سنوياً، على أن يمول جزئياً بإلغاء مشروع الهوية الرقمية الذي أطلقه سلفه كير ستارمر. وفي مقال له كتب أن أول قراراته كانت خفض هذه الضريبة وتثبيت أجرة الحافلات عند جنيهين، معتبراً ذلك رسالة بأن الحكومة ستمنح الأسر "متنفساً" قبل الحديث عن مشاريع بعيدة المدى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المفارقة أن هذا الخطاب ذاته يصطدم بحسابات الشبكة، إذ تشير تقديرات صناعية إلى أن فواتير الأسر قد ترتفع بين 50 و100 جنيه بحلول نهاية العقد نتيجة تمرير كلف بناء البنية التحتية المتجددة إلى المستهلك، وهو ما يقلق أوساطاً في وايتهول ترى أن هدف تغطية 95 في المئة من الكهرباء بمصادر متجددة عام 2030 قد يضخم الأسعار، لكن فانبوله تصر على أن المهمة قائمة وأنها ستخفض الفواتير على المدى الطويل عبر فك ارتباط الكهرباء بسوق النفط والغاز.
الجبهة الثانية للتراجع هي السيارات. فوزارة النقل تراجع تفويض المركبات عديمة الانبعاثات الذي يحدد نسباً سنوية لمبيعات السيارات الكهربائية، بعدما نما الطلب أبطأ من المتوقع، إذ تبلغ نسبة هذا العام 33 في المئة وترتفع إلى 80 في المئة عام 2030. ومن المقرر إطلاق استشارة عامة تقترح خفض هدف 2030 إلى 70 أو 60 أو حتى 50 في المئة، استجابة لتحذيرات متكررة من شركات صناعة السيارات بأن التفويض مرهق.
غير أن الرواية الرسمية ترفض توصيف ما يجري بأنه انقلاب على السياسة المناخية. فقد شدد متحدث حكومي على أن الالتزام بموعد 2030 لوقف بيع سيارات البنزين والديزل الجديدة ما زال قائماً، وأن امتلاك سيارة كهربائية لم يكن يوماً أسهل أو أرخص. وردت تانيا سنكلير الرئيسة التنفيذية لمنظمة "إلكتريك فيهيكلز يو كيه" بأن الحديث عن غياب الطلب أجوف، لأن كبرى شركات السيارات تعرف أكثر من غيرها أن الطلب يصنع ولا ينتظر.
داخل حزب العمال، الخلاف ليس بين مؤمنين بالمناخ ومنكرين له، بل بين قراءتين للجدوى السياسية. النائب مايك ريدر، عضو لجنة أمن الطاقة وصفر الانبعاثات البرلمانية، يجادل بأن اقتصاد صفر الانبعاثات يعيل أكثر من 1.1 مليون وظيفة ويولد نحو 105 مليارات جنيه سنوياً، والاعتماد على الوقود الأحفوري هو ما يصنع الفقر لأن الغاز يحدد سعر الكهرباء ويدفع الأسر الأفقر إلى إنفاق قرابة 15 في المئة من دخلها على الطاقة. ويحذر من أن التردد الآن سيدفع الاستثمارات إلى اقتصادات منافسة تضاعف رهانها على الطاقة النظيفة.
في المقابل، هناك تيار نقابي وبرلماني يرى أن المشكلة في تسلسل الخطوات لا في الهدف. فقد حذرت شارون غراهام الأمينة العامة لنقابة "يونايت" من إلقاء العمال في "المزبلة" باسم خفض الانبعاثات، قائلة إن أعضاءها لا يعارضون صفر الانبعاثات لكن الاستثمار الذي يؤمن الوظائف يبدو غائباً، مستشهدة بإغلاق مصفاة "غرينجماوث". أما اختيار فانبوله نفسها فقرئ في البداية باعتباره استمراراً لخط سلفها لا قطيعة معه، إذ استقبلها محتجون أمام وزارتها يطالبون بوقف أي حفر جديد.
ويزيد الطين بلة أن ما يلمح إليه بيرنهام في بحر الشمال يناقض سجله المعلن. فقد أفادت وسائل إعلام محلية بأنه ينوي الإعلان عن خطط لحفر جديد في بحر الشمال، مع بقاء ملفي حقلي روزبانك وجاكداو أمام القضاء، مما يعني أن القرار الفعلي يقع على عاتق وزيرة الطاقة. وكان بيرنهام قد أيد في يونيو (حزيران) 2025 مقترح معاهدة عالمية للتخلص التدريجي من الفحم والنفط والغاز، ووصفها بأنها "طوق نجاة"، وقال إنه "لا ينبغي أن يكون هناك أي ابتعاد عن صفر الانبعاثات"، قبل أن يقول في مقابلة مع "نيو ستيتسمان" في يونيو 2026 إن لديه "ذهناً منفتحاً" حيال التنقيب الجديد.
خارج الحزب الحاكم، لا يجد التراجع من يهنئ عليه. فالمحافظون تخلوا كلياً عن التزامهم بصفر الانبعاثات عام 2050 على رغم أنهم من شرعوه عام 2019، ويتحدثون عن إلغاء قانون تغير المناخ الذي دفعوا لإقراره عام 2008، مع مضاعفة رهانهم على استخراج ما تبقى من نفط بحر الشمال. وحزب "ريفورم" يذهب أبعد، إذ يتعهد إلغاء ضريبة القيمة المضافة والرسوم الخضراء عن فواتير الطاقة، ويقول زعيمه نايجل فاراج إن العمال والمحافظين معاً اتبعوا أجندة لم تجلب سوى فواتير باهظة للعاملين. أي تخفيف حكومي يصبح في هذا السياق اعترافاً متأخراً بصواب خصومه لا انتصاراً له.
على الجهة الأخرى، ينتظر حزب الخضر والليبراليون الديمقراطيون هذه اللحظة. فمنذ انتخاب زاك بولانسكي زعيماً في سبتمبر (أيلول) 2025 تجاوزت عضوية الخضر 180 ألفاً متخطية الليبراليين الديمقراطيين ثم المحافظين، وصار الحزب يسجل نحو 15 في المئة في استطلاعات الرأي. وهذه الكتلة تحديداً هي التي يمكن أن تلتقط ناخبين شباناً يرون في أي تأجيل للحياد الكربوني خيانة، في لحظة تبدو فيها أرقام الحزبين الصغيرين متراجعة نسبياً، لكن قابلة للانتعاش على وقع غضب مناخي.
الضرر المحتمل على رئيس الوزراء الجديد في هذا السياق ثلاثي المستوى. الأول صدقيته الشخصية، فالرجل بنى صورته زعيماً "أصيلاً" يقول ما يفعل، وسجله موثق بعشرات التصريحات المؤيدة لتسريع التحول، حتى إنه حذر عام 2021 من أن صفر الانبعاثات قد يتحول إلى "بريكست جديد" ينقسم حوله المجتمع طبقياً.
الضرر الثاني يتمثل بثقة المستثمرين، إذ تحذر جهات صناعية من أن تغيير القواعد يقوض اليقين الذي يحتاج إليه بناء شبكات الشحن ومصانع البطاريات. أما الثالث فهو حسابي بحت، فلجنة تغير المناخ قالت في تقريرها البرلماني خلال يونيو 2026 إن الحكومة لا تتحرك بالسرعة الكافية لخفض الانبعاثات وحماية الأسر والشركات من تقلب أسعار الوقود الأحفوري، ودعت إلى خطة أكثر طموحاً لكهربة الاقتصاد، محذرة من مخاطر كبيرة قد تعرقل المسار خصوصاً في موازنة الكربون السادسة.
يقابل ذلك رصيد سياسي لا يستهان به في هذه المرحلة. فاستطلاع "يوغوف" الذي أجري في الـ30 والـ31 من يوليو أظهر أن نظرة الناخبين إلى "العمال" هي الأفضل منذ خريف 2024، مع تسجيل حزبي "ريفورم" و"الخضر" أدنى مستوياتهما حتى الآن، فيما فازت بيف كريغ بعمدية مانشستر الكبرى بفارق كاسح على "ريفورم". لكن هذا الرصيد قائم على وعد بخفض الفواتير، وهو الوعد نفسه الذي يستخدم اليوم لتبرير تأجيل الأهداف. وإن ارتفعت الفواتير على رغم التأجيل، يخسر بيرنهام الحجتين معاً: لا هو حمى الأسر، ولا هو حافظ على الخط الذي بنى عليه صورته.
يبقى أن ما يجري حتى الآن تعديل في السرعة لا في الوجهة. الهدف القانوني لعام 2050 لم يمس، وموعد وقف بيع سيارات الوقود عام 2030 ما زال معلناً، والحكومة تتحدث عن مقايضات لا عن تراجع. غير أن التجربة البريطانية الأخيرة تقول إن التعديلات التي تبدأ باسم "الواقعية" نادراً ما تتوقف عند حدودها الأولى، وإن كلفة التردد، بحسب مكتب مسؤولية الموازنة، تتضاعف كلما تأخر القرار.