ملخص
تواصل السعودية تطوير خدماتها الحكومية الرقمية، مدفوعة بارتفاع مؤشرات التجربة والبيانات والذكاء الاصطناعي، فيما تتجه المرحلة المقبلة نحو خدمات أكثر استباقية وترابطاً وأقل اعتماداً على المنصات المنفصلة.
أعلنت هيئة الحكومة الرقمية أخيراً نتائج مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026، الذي سجل 87.06 في المئة ضمن مستوى "متقدم"، بعد تقييم شامل لـ59 منصة حكومية. وكانت الهيئة أطلقت المؤشر عام 2022 ليكون أداة سنوية لقياس مستوى نضج التجربة الرقمية في المنصات الحكومية، ودعم تطويرها بما يسهم في رفع جودة الخدمات الرقمية وتحسين تجربة المستفيد.
وفي عام واحد ارتفع عدد المنصات التي شملها التقييم 18 في المئة، من 50 إلى 59 منصة، فيما قفز عدد المشاركين من أكثر من 374 ألفاً إلى أكثر من 805 آلاف، أي بنحو 115 في المئة. ومنذ إطلاق المؤشر عام 2022، ارتفعت النتيجة من 77.26 إلى 87.06 في المئة، وزاد عدد المنصات من 12 إلى 59، أي قرابة خمسة أضعاف، فيما ارتفع عدد المشاركين من نحو 18 ألفاً إلى أكثر من 805 آلاف، بما يقارب 45 ضعفاً.
لكن قراءة التفاصيل تطرح سؤالاً يتجاوز النتيجة الإجمالية: إلى أي مدى أصبح التحدي في المرحلة المقبلة متعلقاً بما يحدث خلف الواجهة الرقمية، وليس بتصميمها فحسب؟
فتحسين واجهة منصة أو تبسيط خطوات استخدامها يمكن إنجازه خلال فترة محدودة نسبياً، لكن معالجة شكوى عالقة قد تتطلب تحديد الجهة المسؤولة، وربط قواعد بيانات، وتعديل إجراء داخلي أو منح الموظف صلاحية اتخاذ القرار.
وتتقاطع هذه القراءة مع دراسة حديثة أعدها البنك الدولي بالتعاون مع مركز الأبحاث السلوكية في السعودية حول مشكلة "الميل الأخير" في الحكومة الرقمية. وتناولت الدراسة التجربة السعودية، مشيرة إلى أن تطوير الحكومة الرقمية لا يقتصر على تحسين واجهات الاستخدام، بل يمتد إلى معالجة تجزؤ الخدمات وتعزيز الأدوات الحكومية المشتركة، بما ينقل التركيز من شكل المنصة إلى طريقة تقديم الخدمة نفسها.
وفي مؤشر على أهمية ما يحدث بعد تقديم الخدمة، سجل محور التعامل مع الشكاوى 81.02 في المئة في دورة 2026، وهو جانب يرتبط بقدرة الجهة على الاستجابة للمستفيد ومعالجة تجربته، وليس فقط بإتاحة الخدمة رقمياً.
وهنا تظهر أهمية طبقة أخرى لا يراها المستفيد مباشرة، هي البيانات. فجودة التجربة الرقمية ترتبط في جانب كبير منها بدقة البيانات الواقعة خلف الخدمة، وقدرتها على الانتقال بين الأنظمة والجهات، وهي أيضاً من الأسس التي يصعب من دونها توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي حكومياً بصورة موثوقة.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع خطوات سعودية أخرى في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، بدءاً من تسمية عام 2026 "عام الذكاء الاصطناعي"، وإطلاق المؤشر الوطني للذكاء الاصطناعي (NAII) لقياس جاهزية الجهات الحكومية لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المؤشر الوطني للبيانات، الذي يستهدف قياس مستوى نضج إدارة البيانات لدى الجهات الحكومية.
وفي عام 2025، حققت السعودية المرتبة الثانية عالمياً في نتائج مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GTMI) الصادر عن مجموعة البنك الدولي، بحسب هيئة الحكومة الرقمية، متقدمة 12 مرتبة مقارنة بالدورة السابقة. ويغطي المؤشر 197 اقتصاداً ويقيس أربعة محاور تشمل الأنظمة الحكومية الأساسية، وتقديم الخدمات العامة الرقمية، والمشاركة الرقمية للمواطنين، والعوامل الممكنة للتحول الحكومي الرقمي.
لكن مع وصول السعودية إلى مستويات متقدمة في مؤشرات النضج الرقمي العالمية، يبرز سؤال مختلف: هل تبقى المؤشرات الحالية كافية لقياس المرحلة التالية من التطور؟
فالمرحلة المقبلة قد لا تتعلق فقط بتحسين موقع المملكة داخل المؤشرات القائمة، وإنما بتطوير نماذج قياس محلية يمكن الاستفادة منها دولياً، خصوصاً مع تراكم الخبرة في قياس تجربة المستفيد ونضج البيانات والاستعداد للذكاء الاصطناعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهنا تظهر أيضاً إمكانية الانتقال تدريجياً من المؤشرات السنوية والدورية إلى أدوات قياس أكثر ديناميكية، تتابع أداء الخدمات وتغير تجربة المستخدم بوتيرة أقرب إلى الوقت الفعلي.
ومع نضج التجربة، قد تصبح بعض أدوات القياس والمنهجيات المطورة محلياً منتجاً معرفياً قابلاً للنقل والاستفادة منه في تجارب حكومية أخرى، بدلاً من اقتصار العلاقة مع المؤشرات العالمية على محاولة التقدم داخلها.
ما بعد المنصة
أما التحول الأهم فقد لا يكون في إطلاق مزيد من التطبيقات والمنصات، بقدر ما يكون في تقليل حاجة المواطن إلى معرفة أسماء الجهات والمنصات أصلاً.
فبدلاً من تصميم الخدمة حول الهيكل الإداري للحكومة، يمكن إعادة بنائها حول أحداث الحياة نفسها، مثل تأسيس شركة أو شراء منزل أو التقاعد أو ولادة طفل، بحيث تعمل الجهات المختلفة في الخلف، بينما يرى المستفيد أمامه رحلة واحدة بدلاً من سلسلة جهات وإجراءات منفصلة.
ويتسق ذلك مع اتجاه عالمي نحو الخدمات الحكومية المتمحورة حول الإنسان والاستباقية، التي تعتمد على البيانات والهوية الرقمية وتكامل الجهات لتقديم خدمات مترابطة وأسهل بالنسبة إلى المستخدم.
وفي هذا النموذج، يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي مستقبلاً المساعدة في التعرف إلى استحقاق المستفيد، وتجهيز الطلبات، وجمع المعلومات اللازمة، ومتابعة التأخير، فيما تحال الحالات المعقدة أو التي تحتاج إلى حكم بشري إلى موظف مختص.
تحديات تكبر مع النجاح
ومن الطبيعي أن يؤدي ارتفاع مستوى الترابط والاعتماد على الخدمات الرقمية إلى زيادة حجم التحديات أيضاً. فكلما أصبحت قواعد البيانات والخدمات والجهات أكثر اتصالاً، ازدادت أهمية الأمن السيبراني واستمرارية الأعمال وحماية البيانات.
ويفتح توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ملفات أخرى تتعلق بالسيادة الرقمية، ومكان تخزين البيانات ومعالجتها، ومدى الاعتماد على تقنيات ونماذج خارجية، إلى جانب تحدي بناء القدرات الوطنية وتوطين الخبرات والتقنيات.
وتظهر التجارب الدولية أن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي لا يواكبه دائماً تطور مماثل في قياس أثره. وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن 97 في المئة من دول المنظمة تستخدم الذكاء الاصطناعي في مجال حكومي واحد على الأقل، بينما لا تزال نسبة محدودة منها تقيس أثر هذه الاستخدامات بصورة مالية أو غير مالية.
وهذا يفتح أمام السعودية مجالاً إضافياً في المرحلة المقبلة، لا يقتصر على قياس جاهزية الجهات لتبني الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى قياس ما حققه فعلياً: هل اختصر وقت الخدمة؟ وهل خفض الكلفة؟ وهل رفع رضا المستفيد؟ وهل قلل الأخطاء؟
ولا تقتصر آثار مؤشرات النضج الرقمي على ترتيب الجهات أو تحسين منصاتها، إذ يمكن لعملية القياس المنتظم أن تخلق بيئة للمقارنة والتطوير بين الجهات الحكومية، وتجعل جوانب القصور أكثر وضوحاً وقابلية للمتابعة.
كذلك يمكن أن يمتد أثر التطور الرقمي بصورة غير مباشرة إلى الأداء الاقتصادي. فاختصار زمن إصدار التراخيص، وتقليل الحاجة إلى زيارة الجهات الحكومية، وزيادة القدرة على توقع مدة إنجاز المعاملة ونتيجتها، كلها عوامل تقلل الوقت والكلفة التي يتحملها الأفراد والشركات وترفع كفاءة ممارسة الأعمال.
ولهذا قد لا يتوقف قياس أثر الحكومة الرقمية مستقبلاً عند سؤال: "هل الخدمة جيدة؟"، بل يمكن أن يمتد إلى أسئلة أكثر ارتباطاً بالأثر: كم ساعة وفرت على المستفيد؟ وكم خفضت من كلفة ممارسة الأعمال؟ وكم إجراءً استطاعت الحكومة إلغاءه بدلاً من مجرد رقمنته؟
المعاملات عبر 3 أجيال
ويمكن اختصار التحول الحكومي الرقمي عبر ثلاثة أجيال. فإذا كان الجد يمضي أياماً أو أسابيع لإنهاء معاملة حكومية بين المكاتب، فإن الأب شهد انتقالها إلى شاشة يستطيع من خلالها إنجازها خلال دقائق. أما الحفيد فقد يكون أمام مرحلة مختلفة تماماً، تختفي فيها المعاملة نفسها.
فقد تتعرف الحكومة إلى الحاجة أو الاستحقاق مسبقاً من خلال البيانات المتاحة، وتبدأ الخدمة تلقائياً في الخلفية، من دون نموذج طويل أو زيارة جهة، وربما من دون حاجة المستفيد إلى معرفة أي جهة كانت مسؤولة عن تقديمها.
وهنا يصبح معيار نجاح الحكومة الرقمية مختلفاً: ليس عدد المنصات التي أطلقتها، بل عدد الخطوات التي استطاعت إخفاءها عن حياة الناس.
فرحلة مؤشر نضج التجربة الرقمية منذ إطلاقه عام 2022 لا تعكس فقط تطور واجهات الخدمات الحكومية، بل تكشف أيضاً تغيراً في طبيعة التحول الرقمي نفسه، من توفير الخدمة إلكترونياً، إلى تحسين تجربتها، ثم إلى مرحلة يصبح فيها تكامل البيانات والذكاء الاصطناعي أساساً لإعادة تصميمها.
ولذلك لا يمثل ارتفاع المؤشر نهاية الرحلة بقدر ما يرفع سقف التوقعات. وإذا كان العقد الماضي قد انشغل إلى حد كبير برقمنة الحكومة، فقد يكون التحدي في العقد المقبل إعادة تعريف علاقتها بالمواطن: حكومة أقل ظهوراً في تفاصيل حياته اليومية، لكنها أكثر قدرة على فهم حاجته والاستجابة لها.