Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التحول الرقمي في العالم العربي... منقوص متفاوت

يبدو التباين واضحاً بين دول أنهت مرحلة التأسيس الهيكلي والبنيوي وانتقلت من الحلول الجزئية إلى العمل الاستراتيجي المؤسسي وأخرى لا تزال تنتظر وهذه أبرز التحديات

يواجه التحوّل الرقمي كثيراً من التحديات في العالم العربي (ذكاء اصطناعي)

ملخص

ترصد "اندبندنت عربية" في ملف مشترك واقع التحوّل الرقمي المنقوص في العالم العربي، بوصفه أحد تحديات المجتمعات الراغبة في مواجهة المستقبل وثورته التكنولوجية.

لم يعد الحديث عن التحوّل الرقمي في الحياة ترفاً أو خاصاً بفئة دون غيرها، بعدما اقتحمت التكنولوجيا حياة البشر، فاعلة تحولات عميقة في بيئة وبنية المجتمعات، يبقى غير المتشابك معها بعيداً من حداثة الحياة ومعاصرة مجرياتها.

وفي العالم العربي تواجه تلك التحولات تحديات عدة تختلف من بلد إلى آخر، إلا أن ثمة ما يشبه اتفاقاً بين ما تأمله غالبية تلك البلدان من تطور وبيئة رقمية يظل بعيداً بعض الشيء من التعاملات الحكومية، التي تبقى الكلمة العليا فيها للورقة والأختام والتنقل بين أروقة المؤسسات ومكاتب الموظفين.

وخطأً، يعتقد البعض أن انتشار المنصات الإلكترونية والتطبيقات في البلدان العربية، في ما يشبه طفرة تكنولوجية، دليلٌ على الرقمنة، غير أن المفهوم الحقيقي والمعنى الفعلي لذلك التحول يرتبط بالقدرة التقنية السيادية على جعل الخدمة نفسها وسيلة رقمية، تتخطى جدران البيروقراطية التي عرفتها وتشرّبتها المجتمعات العربية، وهو ما يعني النضج الرقمي الكامل.

وبينما يبقى الحديث عن الرقمنة في غالبية الدول العربية محصوراً في تحديث دولاب العمل الحكومي، ومواكبة التطورات التقنية على مستوى الخدمات، فإن دول الخليج تخطت تلك المرحلة إلى البحث في مفهوم السيادة الرقمية، وحماية البيانات، وكذلك بناء كوادر وطنية قادرة على إدارة الأخطار السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، مما يشير إلى مدى التفاوت العربي الواسع في الرقمنة، بين دول لا تزال تتلمس طريقها نحو ذلك، وأخرى في منتصفه تمتلك البنية وتنتظر التشريعات والتحركات الفعلية، وثالثة وقد أمسكت بزمام الأمر، منتبهة إلى أنه المستقبل الذي لا مناص منه حتى ولو بعيد حين.

وعموماً، يواجه التحوّل الرقمي كثيراً من التحديات في العالم العربي، منها البنى التحتية التي كثيراً ما تمظهرت في ضعف سرعة الإنترنت وكلفته، وأيضاً نقص الكفاءات الرقمية والتقنية، فضلاً عن غياب الوعي الرقمي لدى غالبية المجتمعات، أو بالأحرى مقاومته، وفي النهاية يقف التمويل ونقص الاستثمارات عائقاً أمام ذلك التحول المأمول.

وهنا، ترصد "اندبندنت عربية" في ملف مشترك واقع التحوّل الرقمي المنقوص في العالم العربي، بوصفه أحد تحديات المجتمعات الراغبة في مواجهة المستقبل وثورته التكنولوجية.

مصر... مؤسسات لا تزال غائبة

قبل نحو ثلاثة أشهر، تلقى حسن علي (35 سنة)، وهو من سكان مدينة السادس من أكتوبر، اتصالاً من موظف في شركة المياه يطلب منه إعادة الخطاب الذي سبق أن سلمه ضمن أوراق التعاقد على تركيب عداد لشقته الجديدة، في أحد المشاريع القريبة من طريق الواحات، وكان الشاب الثلاثيني قد أنهى الإجراءات وسدد الرسوم وغادر مقر الشركة، قبل أن يخبره الموظف أن أحد مستندات معاملته اختفى.

لم تكن تلك المرة الأولى، ففي الفترة نفسها تقريباً، وأثناء استكمال إجراءات التعاقد على عداد الكهرباء بمدينة السادس من أكتوبر، سدد حسن جزءاً من الرسوم وسلّم المستندات، قبل أن يطلب منه الموظف العودة بعد أسبوع لاستكمال الإجراءات، وعندما حضر طُلب منه الصعود إلى مكتب آخر لإدخال بياناته على النظام، وهناك فوجئ بأن أحد الخطابات التي سبق أن سلَّمها غير موجود، واستغرق الموظفون قرابة ساعة في البحث، قبل أن يعثروا على المستند بين ملفات أخرى.

لكن تجربة أخرى كانت مختلفة، إذ يقول إنه عندما دخل إلى منصة "مصر الرقمية" وجد عشرات الخدمات والبيانات الشخصية متاحة أمامه، وتمكّن من إنجاز بعض الخدمات بضغطة زر، والاطلاع على بيانات التأمينات، وخدمات التموين، ومعلومات تفصيلية عن ممتلكاته، مضيفاً أن التجربة بدت سهلة وسريعة، ومتسائلاً: كيف يمكن أن تكون كل هذه البيانات متاحة إلكترونياً، بينما تتعطل معاملة داخل أحد المكاتب بسبب ورقة مفقودة؟

ما حدث مع علي لم يكن مجرد واقعة منفصلة، بل صورة مصغرة لمشهد أوسع في رحلة التحول الرقمي بمصر، ففي وقت قطعت بعض الجهات خطوات واضحة نحو رقمنة خدماتها، وأصبح بإمكان المواطنين الوصول إلى بياناتهم وإنجاز تعاملاتهم عبر المنصات الإلكترونية، لا تزال جهات أخرى تعتمد على الإجراءات الورقية وأساليب العمل التقليدية، إذ تبقى المعاملة مرتبطة بالمستندات والملفات والتنقل بين المكاتب.

يرى المتخصص الإقليمي في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أحمد صبري، الذي سبق أن عمل ضمن فريق مركز معلومات مجلس الوزراء حتى عام 2000، أن التحول الرقمي في مصر لا يسير بالوتيرة نفسها بين جميع مؤسسات الدولة، بل يختلف من وزارة إلى أخرى وفقاً لرؤية كل وزير، ومدى اقتناعه بأولوية هذا الملف، مشيراً إلى أن نقل مسؤولية ملف التحول الرقمي من وزارة التخطيط إلى وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات شكّل نقطة تحول مهمة، لكنه يؤكد أن وجود جهة تقود الملف لا يكفي وحده، إذ يمكن أن يتعطل التنفيذ إذا لم تضع كل وزارة التحول الرقمي ضمن أولوياتها، بينما تمتلك بعض الجهات، ولا سيما المؤسسات السيادية، قدرة أكبر على فرض هذا التحول داخل قطاعاتها.

 

وفي يوليو (تموز) 2019، صرّح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بأن الدولة أنشأت مقراً آمناً وسرياً تحت الأرض على عمق 14 متراً في العاصمة الإدارية الجديدة، لحفظ قواعد البيانات والخوادم الخاصة بالوزارات والهيئات الحكومية، مشيراً إلى أن المشروع يمثل عقل مصر الرقمي، ويعمل بالتبادل مع موقع آخر قريب، وبلغت كلفته نحو 25 مليار جنيه، وجرى تجهيزه ضمن خطة الانتقال إلى العاصمة الجديدة.

وفي أغسطس (آب) 2020، أطلقت الحكومة المصرية منصة "مصر الرقمية" لإتاحة مجموعة من الخدمات الحكومية عبر الإنترنت، باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسة في مشروع التحول الرقمي، ووفرت المنصة خدمات في قطاعات عدة، بينها التموين، والتوثيق، والمرور، والتأمينات، والمحاكم، وغيرها من الخدمات التي كانت تتطلب في السابق توجه المواطن إلى مقار الجهات الحكومية، وهدفت المنصة إلى تقليل الاعتماد على المستندات الورقية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات من خلال بوابة إلكترونية موحدة، مع استمرار إضافة خدمات جديدة تدريجياً.

ويحدد صبري ثلاثة تحديات رئيسة تواجه التحول الرقمي في مصر، أولها الأرشيف الورقي الضخم المتراكم على مدار عقود والذي يجعل رقمنة الخدمات غير مكتملة ما لم تؤرشف البيانات القديمة، ويقول "لا يصح أن نتحدث عن التحول الرقمي، ثم يقال للمواطن إن المستند القديم غير موجود".

أما التحدي الثاني، بحسب صبري، فهو أن الإجراءات البيروقراطية انتقلت إلى المنصات الإلكترونية كما هي، من دون إعادة تصميمها أو اختصارها، مضيفاً "إذا كنا نجري 20 إجراء ورقياً، فنحن بذلك نقلنا الإجراءات البيروقراطية نفسها إلى النظام الإلكتروني، بدلاً من ضبطها".

ويتمثل التحدي الثالث في العنصر البشري، إذ يرى أن نجاح أية منظومة رقمية يظل مرتبطاً بالموظف الذي يديرها، موضحاً أن تفاوت التأهيل والثقافة الرقمية بين العاملين ينعكس مباشرة على مستوى الخدمة، ويخلق ما يصفه بـ "بيروقراطية الشخص"، حتى في ظل وجود أنظمة إلكترونية.

ويخلص صبري إلى أن مصر حققت تقدماً ملاحظاً في عدد من القطاعات، مثل الخدمات الشرطية، ورقمنة خدمات الشهر العقاري والنيابات والمحاكم، لكنه يرى أن الفجوة مع دول أخرى أكثر تقدماً في هذا المجال لا تزال كبيرة، ويقدرها بنحو 10 أعوام، مرجعاً ذلك لضخامة الجهاز الإداري، وكثافة السكان، وتراكم مشكلات من بينها البيروقراطية والفساد الإداري.

وفي الـ 28 من أبريل (نيسان) 2024، شهد الرئيس عبدالفتاح السيسي افتتاح "مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية"، في خطوة عدّتها الدولة جزءاً رئيساً من تطوير البنية التحتية للتحول الرقمي، ويعمل المركز على استضافة وتشغيل الأنظمة الحكومية، ومعالجة البيانات الضخمة، ودعم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في القطاع الحكومي، ويمثل جزءاً من توجه الدولة نحو بناء منظومة رقمية أكثر تكاملاً، تسمح بإدارة البيانات الحكومية بصورة مركزية، تدعم تقديم خدمات إلكترونية أكثر كفاءة.

في حين يرى خبير تكنولوجيا المعلومات رامي المليجي أن مسار التحول الرقمي في مصر يواجه مجموعة من التحديات المتراكمة، في مقدمها ارتفاع نسب الأمية، سواء التعليمية أو الرقمية، وهو ما دفع الدولة إلى التوسع في برامج التدريب والتعليم الرقمي لمواكبة هذا التحول، مشيراً إلى أن العامل السكاني يمثل تحدياً إضافياً، فضخامة عدد السكان تجعل تنفيذ برامج الإصلاح أكثر تعقيداً، وتحتاج إلى وقت أطول وكلفة اقتصادية أكبر، إضافة إلى تأثير التحديات الاقتصادية التي قد تبطئ تنفيذ بعض الخطوات المطلوبة، لبناء منظومة رقمية متكاملة.

ويضيف المليجي أن البعد الجغرافي مثل تحدياً آخر، بسبب تركز جزء كبير من البنية التحتية الرقمية في مراكز المدن، في مقابل ضعفها في بعض المناطق الطرفية والنائية، موضحاً أن إيصال شبكات وبنية تحتية قوية إلى جميع أنحاء البلاد يحتاج إلى استثمارات ووقت.

لكن، هذه التحديات، بحسب المليجي، لم تمنع ظهور تحول واضح في سلوك المواطنين بعد أعوام من تجهيز البنية الأساس، ويقول إن الإقبال على استخدام الخدمات الرقمية فاجأ حتى الجهات الحكومية، مشيراً إلى انتشار تطبيقات مثل "إنستاباي" للتحويلات المالية الرقمية، الذي وصل عدد مستخدميه خلال العام الماضي إلى نحو 16 مليون مستخدم بنهاية يونيو (حزيران) 2025، ملمحاً كذلك إلى النمو الكبير في استخدام بوابة "مصر الرقمية"، وموضحاً أن الإقبال على خدماتها ارتفع بين عامي 2024 و2025 بنحو 300 في المئة، وعلى رغم هذا التقدم، يؤكد المليجي أن بعض التحديات لا تزال قائمة، خصوصاً في ما يتعلق بضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق النائية، وهو ما يجعل اكتمال التحول مرتبطاً بقدرة الدولة على سد هذه الفجوات.

في الخليج... إنجازات متسارعة

بات التحول الرقمي في دول مجلس التعاون الخليجي أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي وتعزيز كفاءة القطاع العام، ولم يعد في شكله الحالي مجرد مشروع لتحديث الخدمات الحكومية أو مواكبة التطورات التقنية، وهذا التقدم السريع المتسارع يواجه اليوم اختباراً أكثر تعقيداً من ذي قبل، لأنه يتمثل في كيفية حماية السيادة الرقمية، في وقت لا تزال أجزاء من البنية التقنية تعتمد على شركات عالمية ومزودي خدمات وسلاسل إمداد خارجية.

ولم يعد التحدي اليوم يقتصر على إطلاق الخدمات الذكية أو تطوير البنية التحتية، لأنه بات يرتبط بقدرة الدول على حماية البيانات الحساسة، وتأمين الأنظمة الحيوية، وبناء كوادر وطنية قادرة على إدارة الأخطار السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، فتبنت دول الخليج إستراتيجيات وطنية متقاربة لتحقيق هذا التحول، إذ أطلقت السعودية "رؤية 2030" وبرنامج التحول الوطني، فيما اعتمدت الإمارات إستراتيجية تطوير قطاع التقنيات المالية (FinTech)، وأقرت البحرين برامج الحكومة الإلكترونية والرقمية، بينما واصلت سلطنة عُمان تنفيذ إستراتيجية "عُمان الرقمية"، وأطلقت قطر والكويت خططاً متكاملة للحكومة الرقمية ضمن رؤاهما التنموية.

ويرى صندوق النقد الدولي أن دول الخليج تحقق تقدماً سريعاً في التحول الرقمي، بوتيرة لا تنطبق على كثير من مناطق العالم، مشيراً إلى وجود علاقة إيجابية بين الرقمنة والنمو الاقتصادي، وفعالية الحكومات والشمول المالي، وقدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات، موضحاً أن دول مجلس التعاون نجحت في تضييق الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة في البنية التحتية الرقمية، ونضج الخدمات الحكومية، والتكنولوجيا المالية، والوصول الرقمي الشامل، لتصبح من بين أكثر المناطق تقدماً في هذا المجال.

وتعكس المؤشرات الرسمية حجم هذه القفزة، ففي السعودية بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي 15.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بعد مرور 10 أعوام على إطلاق "رؤية 2030"، ووصلت تغطية شبكة الجيل الخامس إلى 86 في المئة، وتصدرت الرياض العالم في جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي وفق تقرير (Oxford Insights)، وحلت ثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GTMI)، وفق التقرير السنوي لـ "رؤية السعودية 2030" لعام 2025.

وفي الكويت شهدت الخدمات الحكومية توسعاً كبيراً في التكامل الرقمي وتبادل البيانات، مع تجاوز تغطية الجيل الخامس 90 في المئة، وإنشاء مركزين وطنيين للبيانات، فيما نفذ تطبيق "سهل" أكثر من 52 مليون معاملة رقمية خلال عام واحد، بالتوازي مع شراكات مع "غوغل كلاود" و"مايكروسوفت" لدعم التحول الرقمي.

 

أما الإمارات فحولت 96.3 في المئة من الخدمات الحكومية الأكثر استخداماً إلى خدمات ذكية، وشمل المشروع 41 جهة حكومية خلال 730 يوماً، وفق دراسة لـ"صندوق النقد العربي". والبحرين فجاءت في المرتبة الثانية إقليمياً والـ15 عالمياً في مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية لعام 2025، واحتلت المركز الخامس عالمياً في مؤشر التفاعل مع المواطنين بنسبة بلغت 98.3 في المئة، بحسب "هيئة المعلومات والحكومة الرقمية"، فيما تصدرت قطر العالم في تبني الإنترنت وفق تقرير "حالة العالم الرقمي"، واحتلت المركز الأول عربياً في مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والمتنقلة لعام 2023.

وعلى رغم هذا التقدم، فإن تسارع التحول الرقمي يفرض تحديات جديدة، إذ أصبحت حماية البيانات لا تتعلق فقط بجدران مراكز البيانات، بل أيضاً بالشركات المطورة للأنظمة، ومزودي الخدمات السحابية، وسلاسل الإمداد التقنية التي تمتد خارج الحدود.

يقول مستشار الأمن السيبراني عبدالرحمن الداعج لـ "اندبندنت عربية"، إن أحد أكبر التحديات اليوم يتمثل في أمن سلاسل الإمداد، موضحاً أنه "لا يكفي أن يكون المورد شركة عالمية أو معروفة، بل يجب تقييمه أمنياً قبل التعاقد، ومراجعته بصورة دورية، وتحديد صلاحياته بدقة"، مضيفاً أن "كثيراً من الهجمات العالمية بدأت من مورد خارجي لديه وصول محدود للأنظمة، ثم انتقلت إلى الجهة المستهدفة، لذلك أصبحت إدارة أخطار الطرف الثالث جزءاً أساساً من أي برنامج أمن سيبراني".

ويؤكد الداعج أن نجاح المؤسسات لم يعد يقاس بمنع جميع الهجمات، إنما بمدى جاهزيتها قبل وقوعها، موضحاً أن "الجهات التي تمتلك مركز عمليات أمنية، وخطط استجابة للحوادث، ونسخاً احتياطية معزولة، وتمارس سيناريوهات محاكاة بصورة دورية، تكون قادرة على تقليل فترة التوقف بصورة كبيرة"، وزاد "اليوم معيار النجاح ليس منع جميع الاختراقات، بل سرعة الاكتشاف، وسرعة الاحتواء، وسرعة استعادة الخدمات بأقل أثر ممكن".

ويشير مستشار الأمن السيبراني إلى أن السعودية استثمرت بصورة كبيرة في تعزيز منظومة الأمن السيبراني، من خلال أدوار تقودها "الهيئة الوطنية للأمن السيبراني"، و"الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي" (سدايا)، و"هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية"، مؤكداً أن السعودية حققت تقدماً كبيراً في بناء الكفاءات الوطنية، إذ تضم أكثر من 21 ألف متخصص في الأمن السيبراني، إضافة إلى مبادرات مثل "أكاديمية طويق" و"الأكاديمية السعودية الرقمية".

لكن الداعج يرى أن تسارع تطور الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية يفرض تحديات جديدة، قائلاً إن الحاجة لم تعد تقتصر على زيادة أعداد المتخصصين، بل تشمل بناء خبرات نوعية في أمن الحوسبة السحابية، وأمن الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، مضيفاً أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على تحليل ملايين الأحداث الأمنية، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية خلال ثوان، مما يقلص زمن اكتشاف الهجمات بصورة كبيرة، إلا أن المهاجمين يوظفونه أيضاً لإنتاج رسائل تصيد أكثر إقناعاً، وتزييف الأصوات والصور، وأتمتة الهجمات، مشدداً على أن الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي يجب أن تترافق مع حوكمة واضحة، وسياسات مؤسسية تنظم استخدامه، تضمن عدم تسرب البيانات الحساسة إلى نماذج الذكاء الاصطناعي العامة.

وبينما تواصل دول الخليج تعزيز مكانتها ضمن الاقتصادات الرقمية الأكثر تقدماً، يرى متخصصون أن المرحلة المقبلة لن تقاس بسرعة إطلاق الخدمات الذكية، أو حجم الاستثمارات التقنية وحسب، بل بقدرة هذه الدول على ترسيخ سيادتها الرقمية، وتأمين بنيتها التحتية، وتوطين المعرفة والمهارات اللازمة لحماية بياناتها وأنظمتها الحيوية في مواجهة تهديدات سيبرانية، تتطور بوتيرة لا تقل سرعة عن التحول الرقمي نفسه.

لبنان... التحول الرقمي مؤجل

في لبنان تشكل "الحكومة الرقمية" حلماً مؤجل التحقُق، فهي خطوة أولى لإنهاء آلام المواطن اللبناني أثناء قيامه بمختلف أشكال التعاملات، إذ يكتسب التحول الرقمي أهمية كبيرة لوضع لبنان على سكة تحديث الإدارة والاقتصاد والتشريع، ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية، ويروي مواطنون معاناتهم بسبب الإجراءات الروتينية المعقدة، وضعف السياسات العامة، وتأثير سوء الخدمات على انتظام عمل المؤسسات، ويتحدث رواد عن تجربته في الحصول على "إفادة ضمان" من تعاونية موظفي الدولة، إذ اضطر ليقطع أكثر من 150 كيلومتراً بالنقل العام والطرقات المزدحمة، ليصل من أقصى شمال البلاد إلى مركز المؤسسة العامة في منطقة بيروت، قائلاً "جئت في المرة الأولى للحصول على إفادة، وتفاجأت أن الكهرباء كانت مقطوعة، واعتذر الموظفون بسبب عدم إمكان سحب البيانات بسبب عدم وجود التيار، فما كان من الموظفة إلا أن سجلت ملاحظة لديها باسم المضمون، وطلبت منه العودة في الأسبوع التالي".

ويضيف رواد "كان الأمر طارئاً، لكنني اضطررت لانتظار الأسبوع التالي، حيث تكررت المعاناة مجدداً، وقمت بالانتقال بين الطوابق والمسالك المعتمة من أجل المصادقة عليها".

وعلى رغم الكفاءات البشرية التي تتمتع بمهارات عالية وإعداد جيد على مستوى المنطقة العربية، يشهد لبنان فجوة كبيرة بين التطور التقني السريع والواقع التشريعي المكبل، والنقص في الموارد، مما يحول دون التحول الرقمي المرجو، وتلفت المتخصصة في المعلوماتية القانونية، الدكتورة منى الأشقر جبور، أن "لبنان بدأ مسار التحول الرقمي منذ أعوام، إلا أن هذا المسار اتسم بالتباطؤ والتجزئة أكثر منه بالتخطيط المتكامل، فقد شهدنا عدداً من المبادرات الحكومية، مثل إطلاق الإستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، وتطوير بعض الخدمات الحكومية الإلكترونية، وإقرار قانون التعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018، إضافة إلى إنشاء منصات إلكترونية في عدد من الإدارات العامة لتقديم الخدمات للمواطنين"، مستدركة "لكن هذه الخطوات بقيت متفرقة، ولم تتحول إلى منظومة رقمية متكاملة تقوم على مبدأ الحكومة الرقمية، إذ لا يزال المواطن يواجه تعدد المنصات، وعدم ترابط قواعد البيانات بين الإدارات، واستمرار الاعتماد على المستندات الورقية في كثير من التعاملات".

وتتطرق الأشقر إلى المستوى التشريعي، إذ "يعاني لبنان فجوة بين التطور التكنولوجي والإطار القانوني، فقانون 81/2018 المتعلق بالتعاملات الإلكترونية شكل خطوة لا بأس بها عند صدوره، لكنه لم يعد يواكب التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والهوية الرقمية، والخدمات الحكومية المؤتمتة، وكذلك فإن عدداً من أحكامه المتعلقة بحماية البيانات الشخصية لم تدخل حيز التنفيذ الكامل، بسبب عدم إنشاء الهيئة الوطنية المستقلة المنصوص عليها في القانون".

وتسلط الأشقر الضوء على الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي والفجوة الكبيرة المنبثقة منه، "بعد أن أصبح يستخدم في الإدارة العامة، وإعداد المستندات، وتحليل البيانات، واتخاذ القرارات، وهذا يفرض تحديث الإطار القانوني لئلا يقتصر على الرقمنة، بل يشمل أيضاً حوكمة الذكاء الاصطناعي، وضمان الشفافية، والمساءلة، وعدم التمييز، وحماية الخصوصية"، وتجزم أن "التحدي في لبنان لم يعد التحول الرقمي فقط، بل أصبح الانتقال نحو تحول رقمي ذكي، يعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة وأخلاقية".

يعاني لبنان غياب خطة واضحة المعالم نحو التحول الرقمي، على رغم الجهود التي تقوم بها وزارة التنمية الإدارية التي أطلقت أخيراً منصة "دولتي"، في إطار رؤية لتبسيط التعاملات نظرياً والتشبيك بين الإدارات العامة، وتعتقد الدكتورة الأشقر أن "وجود إستراتيجية وطنية للتحول الرقمي يعد شرطاً أساساً، لكنه ليس كافياً بحد ذاته، فالإستراتيجيات ترسم الرؤية والأهداف، لكنها تحتاج إلى منظومة تنفيذية ومؤسساتية وتشريعية ومالية لضمان نجاحها. وتكمن أهمية هذه الخطط في أنها تحدد الأولويات الوطنية، وتنسق بين الإدارات العامة، وتمنع الازدواجية في المشاريع، وتوفر إطاراً لجذب التمويل الدولي والاستثمارات في الاقتصاد الرقمي".

 

وتشير الأشقر إلى أن "التجارب الدولية أثبتت أن نجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد الإستراتيجيات بل بنسبة تنفيذها، فالتحول الرقمي مشروع إصلاحي شامل، وليس مجرد مشروع تقني"، داعية إلى "إدماج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة بطريقة مسؤولة، فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح أداة لتحسين الخدمات العامة، وتوقع الحاجات، وتسريع اتخاذ القرار، وتحليل البيانات الحكومية، ومكافحة الفساد من خلال اكتشاف الأنماط غير الطبيعية في الإنفاق أو العقود العامة".

وتجزم الأشقر أن "كتابة الإستراتيجيات على الورق لا قيمة لها من دون سلطة تنفيذية ناظمة، لذا تحتاج الدولة اللبنانية فوراً إلى تفعيل هيئتين تنظيميتين مستقلتين، هما "الهيئة الوطنية للذكاء الاصطناعي" لمراقبة الخوارزميات ومنح التراخيص للأنظمة الذكية المستخدمة في الدولة، إضافة إلى "الوكالة الوطنية للأمن السيبراني ونظم المعلومات" (NCISA) المنصوص عليها في الإستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، التي جرى وضع مسودة قانونها مع مذكرة تفصيلية لكل التفاصيل الإدارية والتنظيمية والهيكلية والوظيفية"، مبررة مطلبها بأن "وجود هاتين الهيئتين يمنع جزر البيانات المعزولة في الوزارات، ويفرض معايير موحدة للأمن الرقمي والسيبراني تلزم جميع إدارات الدولة بالامتثال القانوني".

وتخلص الأشقر إلى أن "التحول الرقمي الآمن في لبنان ليس معضلة شراء أجهزة وتطوير شبكات إنترنت، بل هو معركة إرادة سياسية وتشريعية، ويكمن حجر الأساس في إقرار الأطر التنظيمية والقانونية التي تحمي الأمن السيبراني وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، فالتشريع المتطوّر والمستقر يمنح الثقة للمواطن والمجتمع الدولي، وهو الأداة الأقل كلفة والأكثر فاعلية لإنقاذ وإصلاح مؤسسات الدولة المنهارة".

ويشهد التحوّل الرقمي في لبنان تفاوتاً بين القطاعين العام والخاص، بحسب خبيرة الذكاء الاصطناعي المعتمدة من أوكسفورد وعضو مجلس فوربس، هيلدا معلوف مكي، مشيرة إلى أن "القطاع الخاص، ولا سيما المصارف والمؤسسات المالية والشركات الكبرى، حقق تقدماً ملاحظاً في رقمنة الخدمات، والاستفادة من البيانات، وإدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عملياته، أما القطاع العام فلا يزال يواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، وتكامل الأنظمة، والحوكمة، والإطار التشريعي، على رغم إطلاق عدد من المبادرات الرقمية المهمة"، لافتة إلى أن "نجاح التحول الرقمي لا يُقاس بعدد المنصات أو التطبيقات، بل بمدى تحسين تجربة المواطن، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز الشفافية وسرعة اتخاذ القرار، فالتحول الرقمي ليس مشروعاً تقنياً، بل مشروع اقتصادي وإداري يتطلب تغييراً في الثقافة المؤسسية وآليات العمل".

وتشير معلوف مكي إلى أن "لبنان يمتلك ميزة تنافسية تتمثل في موارده البشرية وكفاءاته التقنية، لكن الاستفادة منها تستدعي رؤية وطنية موحدة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات، لأن التكنولوجيا وحدها لا تصنع التحول، بل حسن إدارتها".

وتقارب معلوف مكي تأثير التحول الرقمي في الوظائف، "فهو لا يلغيها بقدر ما يعيد تشكيلها، والسؤال الحقيقي ليس كم وظيفة ستختفي؟ بل مدى استعدادنا لتأهيل العاملين للوظائف الجديدة التي يخلقها الاقتصاد الرقمي"، مؤكدة أن "التحدي الأكبر يكمن في فجوة المهارات أكثر من فقدان الوظائف، وكثير من المهمات الروتينية في الإدارة، وخدمة العملاء، والعمليات المالية، والمحاسبة، ستكون الأكثر عرضة للأتمتة، بينما سيزداد الطلب على مهارات تحليل البيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والحوكمة الرقمية، ولذلك يجب أن يصبح الاستثمار في الإنسان أولوية تسبق الاستثمار في التكنولوجيا، فإعادة تأهيل الموظفين وتطوير مهاراتهم مسؤولية مشتركة بين الدولة والجامعات والقطاع الخاص، والدول التي تنجح في إدارة هذا الانتقال لن تكون تلك التي تمتلك أحدث التقنيات، بل التي تنجح في تمكين كوادرها من استخدامها بفعالية".

الجزائر... تحديات عدة

أما في الجزائر فيشهد مسار التحول الرقمي جملة من الإصلاحات والمشاريع التي جرى إطلاقها خلال الأعوام الأخيرة، شملت رقمنة الإدارة العمومية، وتوسيع شبكة الألياف البصرية، وإنجاز مراكز بيانات وطنية، وتطوير خدمات الحوسبة السحابية، وإطلاق المنصات الرقمية الخاصة بالخدمات العمومية، فضلاً عن إنشاء مدارس عليا متخصصة في الذكاء الاصطناعي والرياضيات والإعلام الآلي، بما يعكس توجهاً لبناء منظومة رقمية متكاملة ترتكز على الكفاءات الوطنية والبحث العلمي، ومن أجل بلوغ مستويات متقدمة، عملت الجهات المعنية على تطوير البنى التحتية مثل رفع تدفقات الإنترنت، وإطلاق المنصات الرقمية، وحماية المعطيات الشخصية، واعتماد التقنيات الذكية وتعزيز الأمن السيبراني.

أوضح تقرير صادر عن هيئة "أوكلا" المتخصصة في تحليل جودة الإنترنت، أن إدخال تكنولوجيا الجيل الخامس في الجزائر أسهم في تحسين أداء شبكة الهاتف النقال بصورة ملاحظة خلال عام 2025، مبرزاً أن متوسط سرعة التحميل عبر الهاتف النقال انتقل من 23.6 ميغابايت/ الثانية في يناير (كانون الثاني) 2025 إلى 40.87 ميغابايت/ الثانية في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، وجرى إنشاء السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بهدف حماية خصوصية المواطنين وتنظيم استعمال بياناتهم الشخصية، إذ تعمل الهيئة على مراقبة كيفية جمع واستعمال وتخزين البيانات من طرف المؤسسات العمومية والخاصة، مع التأكد من احترام القوانين التي تحمي الحياة الخاصة للأفراد، ولها صلاحيات الرقابة والتحقيق لمواجهة أي استغلال غير قانوني للمعطيات الشخصية.

وبما أن الذكاء الاصطناعي بات يمثل أحد أهم المحركات الحديثة، فقد باشرت السلطات المعنية في استخدامه تدريجاً في دعم أداء المؤسسات من خلال تحليل البيانات الضخمة، وتحسين جودة اتخاذ القرار داخل قطاعات مثل البنوك والإدارة والصناعة.

وأمام هذا التحول الرقمي الذي تسعى الجزائر إلى اعتماده، يظهر تغيير لافت في نمط حياة المواطنين، إذ أصبح اللجوء إلى الخدمات الرقمية واسعاً، بخاصة في مجالات التعليم عن بعد، والدفع الإلكتروني، والخدمات الإدارية الرقمية، إضافة إلى توسع استخدام التطبيقات الذكية في الحياة اليومية، وانعكس هذا التطور بصوررة مباشرة على سوق العمل، مع بروز وظائف جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا مثل تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتطوير البرمجيات، وأسهمت هذه التقنيات في تسهيل الوصول إلى المعلومات والخدمات، وتعزيز التواصل الرقمي بين الأفراد والمؤسسات، مما أدى إلى تسريع وتيرة الاندماج الرقمي داخل المجتمع، بما يتماشى مع التحول العالمي نحو المجتمعات الذكية.

 

وفي السياق، يرى الباحث في تكنولوجيات الإعلام والاتصال، يونس قرار، أن التحول الجاري في الجزائر يمثل انتقالاً من منطق إدارة القطاعات بصورة منفصلة إلى منطق إدارة الدولة عبر البيانات المترابطة، مبرزاً أن الإشكال الأساس في السابق لم يكن مرتبطاً فقط بالإنتاج، بل بغياب رؤية موحدة للمعلومة بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين، إذ كانت كل وزارة تعمل ضمن منظومتها الخاصة، من دون تكامل فعلي في تدفق البيانات، وكان الانفصال في المعلومة يؤدي إلى اختلالات في التقدير، سواء في حجم الإنتاج أو في حاجات السوق، وهو ما كان ينعكس في بعض الأحيان على شكل فجوات بين العرض والطلب،

وقال قرار إنه أمام اعتماد مركز بيانات وطني سيادي، أصبح بالإمكان تجاوز هذا الإشكال عبر توحيد المرجعية الرقمية للمعلومة، وجعلها متاحة بصورة فورية ومؤمّنة لمختلف القطاعات، وأن كل معلومة أصبحت جزءاً من منظومة قرار متكاملة، مما يجعل من الرقمنة اليوم أداة تخطيط لا فقط أداة تسجيل، مشيراً إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في هذا النظام يمثل خطوة متقدمة نحو ما يمكن تسميته بالإدارة الاستباقية للموارد، فبدلاً من الاكتفاء بمراقبة الوضع، أصبح بالإمكان تحليل الاتجاهات المستقبلية، والتنبؤ بنقاط الخلل قبل وقوعها، إذ تتيح الخوارزميات الذكية رصد المناطق، واقتراح سيناريوهات، سواء تعلق الأمر بالمواد الغذائية أو الطاقوية، كما توافر لوحات القيادة الاستشرافية للمسؤولين إمكان متابعة الوضع في الزمن الحقيقي، مما يسمح باتخاذ قرارات سريعة ودقيقة تتعلق بإعادة التوجيه أو التدخل الاستعجالي قبل حدوث أزمة فعلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكدت الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود، أن الجزائر تسعى إلى تطوير البنى التحتية الرقمية السيادية المتضمنة إنشاء البوابة الوطنية للخدمات الرقمية الحكومية، وتوسيع شبكات الألياف البصرية لتغطية كل التراب الوطني، مع إنجاز البنية التحتية للألياف البصرية الممتدة نحو العمق الأفريقي، ورفع قدرات الربط الدولي والشروع في نشر شبكات الجيل الخامس، مشيرة إلى أن الجزائر مستعدة لإصدار قانون يتعلق بالرقمنة يكرّس مبدأ البيانات والبرامج المفتوحة وإعادة استخدامها بما يدعم الابتكار ويحفظ الخصوصية والحقوق.

وعلى رغم الطموح الكبير لهذا المشروع، فإن تنفيذه يواجه تحديات عدة، في مقدمها تطوير البنية التحتية الرقمية، سواء على مستوى شبكات الاتصال أو مراكز البيانات الوطنية، ويمثل العنصر البشري تحدياً أساساً من حيث التكوين والتأهيل، وضمان القدرة على التكيف مع الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الرقمية.

وأبرز الباحث في الرقمنة والمعلوماتية أن الرقمنة لا تتحقق عبر الوعود أو المؤتمرات، بل بالنتائج الملموسة، مضيفاً أن هناك وزارات أثبتت أن النجاح ممكن، مثل التعليم العالي والعمل والحالة المدنية، إذ أصبحت الخدمات رقمية فعلياً، ويمكن إنجازها إلكترونياً بالكامل، بينما قطاعات أخرى لا تزال حبيسة الورق والبصمة الإدارية القديمة، موضحاً أن "الثقة الرقمية" أصبحت في خطر، لأن المواطن فقد الأمل في وعود الرقمنة، داعياً إلى مقاربة جديدة تقوم على الشفافية، وربط تمويل المشاريع بنتائجها الفعلية لا بعدد صفحاتها التقديمية.

السودان... إنتاج البيروقراطية رقمياً

في السودان الذي يشهد حرباً منذ أبريل (نيسان) 2023، لم يكن التحوّل الرقمي غائباً تماماً، لكنه ظل محدوداً ومحاطاً بعقبات بنيوية، إذ اقتصرت محاولاته على مبادرات جزئية في قطاعات، مثل الاتصالات والخدمات المصرفية، مع غياب رؤية وطنية متكاملة تقود هذا التحول، وعلى رغم أن تلك الجهود أسهمت في إدخال بعض الخدمات الرقمية، فإنها لم تنجح في إحداث تغيير جذري في بنية الخدمات العامة أو تقليل الاعتماد على الإجراءات التقليدية.

ويقول المتخصص في الاتصالات وتقنية المعلومات، أحمد عبداللطيف، إن "التحول الرقمي في السودان قبل اندلاع الحرب كان أقرب إلى محاولات متفرقة منه إلى مشروع دولة متكامل، إذ لم تكن هناك إستراتيجية واضحة أو بنية تحتية قادرة على دعم هذا التحول على نطاق واسع"، مضيفاً أن "ضعف شبكات الإنترنت، وارتفاع كلفتها، إضافة إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء، كانت تمثل تحديات يومية تحدّ من فعالية أي خدمة رقمية".

وتابع عبداللطيف أنه "مع بدء الحرب، دخلت هذه الجهود المحدودة مرحلة من التراجع الحاد، إذ تضررت البنية التحتية، وتوقفت مؤسسات، وغادرت كوادر متخصصة مواقعها، مما أدى إلى شبه انهيار في أي مسار منظم للتحول الرقمي"، موضحاً أن "البيئة التي تتطلب استقراراً وتخطيطاً طويل الأمد أصبحت طاردة لأي استثمار أو تطوير رقمي، في ظل حال عدم اليقين التي فرضتها الحرب".

في المقابل، برزت أنماط استخدام رقمية اضطرارية فرضتها ظروف الواقع، ولا سيما في مجال التحويلات المالية عبر الهاتف المحمول، ويشير المحلل الاقتصادي مأمون الطيب إلى أن "تعطل القطاع المصرفي وصعوبة الوصول إلى النقد، دفعا المواطنين إلى الاعتماد بصورة متزايدة على التحويلات الرقمية غير الرسمية"، لافتاً إلى أن هذا الاستخدام "لم يكن نتيجة تحول رقمي منظم، بل استجابة لحال طوارئ اقتصادية، وبرزت تطبيقات التواصل الاجتماعي كبديل جزئي لنقل المعلومات وتنسيق المبادرات المجتمعية، في ظل غياب قنوات رسمية فعالة".

 

غير أن هذا التوسع في الاستخدام لم يكن كافياً لإحداث أثر هيكلي، إذ ظل محكوماً بغياب التنظيم وضعف التكامل مع النظام المالي الرسمي، ويرى الطيب أن "أي تحول رقمي حقيقي يحتاج إلى مؤسسات مستقرة وأطر تنظيمية واضحة، وهو ما يفتقر إليه السودان حالياً، وكذلك فإن غياب قواعد بيانات محدثة وموثوقة يحد من قدرة الدولة على تقديم خدمات رقمية دقيقة وفعالة".

من جهة أخرى، يبرز إشكال الثقة كأحد أبرز العوائق أمام تبني الخدمات الرقمية، وتوضح الباحثة في التحول الرقمي، ندى سيد، أن "ضعف ثقة المواطنين في الأنظمة الإلكترونية يعود لغياب الضمانات القانونية لحماية البيانات، إضافة إلى تجارب سابقة لم تكن مشجعة"، لافتة إلى أن "الوعي الرقمي لا يزال محدوداً، خصوصاً في المناطق الريفية، مما يجعل الاستفادة من هذه الخدمات محصورة في نطاق جغرافي واجتماعي ضيق".

ولا يقتصر التحدي على المستخدمين، بل يمتد إلى بنية الدولة نفسها، إذ يرى المتخصص في الإدارة العامة، محمد عثمان، أن "الرقمنة في السودان، حتى في الحالات التي طُبقت فيها، لم تؤد إلى تقليل البيروقراطية، بل أعادت إنتاجها في صورة رقمية"، موضحاً أن "كثيراً من الخدمات الإلكترونية لا يزال يتطلب إجراءات ورقية موازية أو حضوراً فعلياً، مما يفقدها جوهرها الأساس".

وزاد عثمان "من الملاحظ أن هناك اتساعاً كبيراً ولافتاً في الفجوة الرقمية في البلاد، ومؤكد أن عدم تكافؤ الوصول إلى الإنترنت والخدمات الرقمية يعمّق التفاوت بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية"، لافتاً إلى أن "التحول الرقمي، بدلاً من أن يكون أداة للعدالة، قد يتحول إلى عامل إضافي من عوامل الإقصاء في ظل هذه الظروف، وكذلك فإن ارتفاع كلفة الإنترنت مقارنة بمستويات الدخل يحدّ من انتشار الاستخدام على نطاق واسع".

وبين محاولات سابقة لم تكتمل، وواقع فرضته الحرب، يبدو التحول الرقمي في السودان عالقاً بين طموح مؤجل وواقع متدهور، في وقت تتسارع وتيرة الرقمنة في دول عربية أخرى، وفي غياب الاستقرار السياسي وإعادة بناء المؤسسات، يبقى هذا التحول رهيناً بظروف لم تنضج بعد، مما يجعله أقرب إلى استخدامات جزئية تفرضها الضرورة، لا مشروعاً وطنياً متكاملاً يقود التنمية.

سوريا... تحول متعثر

لا تزال سوريا اليوم في مرحلة بناء منظومتها التقنية ومعها الحوكمة الرقمية، في سياق المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، فبدءاً من عام 2025 شرعت السلطة الانتقالية في طرح خطط تحول رقمي، وكذلك بناء رؤية تحديث ترتبط بمنظومة وزارة الاتصالات تمتد حتى عام 2030 كخطوة أولى، وهذه الخطوة بدورها تنقسم إلى ثلاث مراحل، إنشاء أو استكمال البنى التحتية وتحديثاتها وتشريعاتها، ثمّ إطلاق خدمات تفاعلية معتمدة عالمياً ومتناسبة مع الداخل السوري، وصولاً إلى مرحلة تكامل البيانات والحوكمة المركّزة.

ويقول الأكاديمي في نظم المعلومات سليمان جابر إن "التحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات الإلكترونية والتطبيقات المتوافرة، إنما بالقدرة التقنية السيادية على جعل عملية الخدمة نفسها وسيلة رقمية متكاملة تلغي الأوراق، وتنيب عنها قواعد بيانات موحدة، وذلك يتطلب تبسيط الإجراءات، ونيل ثقة المواطن وتدعيم ثقته بالمشروع الرقمي كاملاً، على اعتبار أنّ سوريا غائبة تماماً عن مواكبة العصر التقني المتقدم، قياساً إلى دول المنطقة والعالم، فليس هناك تكنولوجيا مالية حقيقية، ولا مشاريع دفع الكتروني جادة، ولا قدرات تقنية أو قوة سيبرانية فعلية، وهذا بسبب الحرب لا شك".

ويُجمع اختصاصيون في الأمن السيبراني وشؤون الحوكمة والاقتصاد التقني على أن المشكلة في سوريا ليست في الخطط والمشاريع والنيات، أو غياب المبادرات، إنما بالحرب نفسها التي دمرت إمكان بناء فعّال لبنية تحتية قوية ومستمرة، فمنظومتا الاتصال والطاقة دمرا بصورة شبه كاملة.

فيما يؤكد الأستاذ الجامعي في هندسة الشبكات والاتصالات أحمد فهيم أن "الحرب قضت على الاستثمار، فهربت رؤوس الأموال وهاجرت العقول وعملت مؤسسات البلاد بالطاقة الدنيا خلال 14 عاماً من الحرب، ولذلك فسوريا اليوم تبدو وكأنها تبدأ من الصفر، مقارنة بمحيطها الذي بدأ مشاريعه في ظل ظروف أكثر استقراراً"، مضيفاً "نحن اليوم نعاني غياب الكهرباء المتواصل، والاتصالات سيئة للغاية بمفهومها البسيط والأولي، والإنترنت من بين الأسوأ عالمياً في جودته وخدماته، والبيانات الحكومية مشتتة وضائعة، والاعتماد بصورة شبه كلية على الورق، وكل ذلك عوامل قهرية تواجه مشروع الرقمنة، فاليوم نحتاج لإعادة هندسة التفاصيل الإدارية نفسها، والكارثة الآن أنه حتى بعض المشاريع التي تخص يوميات المواطن، وإن بدأت إلكترونياً، لكنها تنتهي في دائرة حكومية، وأبسط مثال إمكان الاستعلام عن فاتورة الكهرباء إلكترونياً، لكن دفعها يجري يدوياً، وعلى ذلك يجري القياس، وعلينا أن لا ننسى أن العامل الأقسى في تعطيل كل شيء سابقاً ولاحقاً هو العقوبات الدولية، التي لم نشعر حتى الآن بآثار إزالتها".

 

وتحاول سوريا اليوم المضي في مشاريع التحول الرقمي، ضمن الحيز المتاح والمستطاع والمقدور عليه، في بيئة يشوبها التعقيد المكثف، وغياب المنهجية الواضحة، وسيل الوعود التي لا تجد طريقها للتنفيذ، ومن أولى البديهيات عدم تمكن تفعيل منظومة اتصالات الجيل الخامس، والأخطر أن متوسط سرعة الإنترنت الثابت الأرضي في سوريا 3.63 ميغابت/ ثانية للتحميل، بحسب مؤشر (Speedtest Global Index) المتخصص، مما يجعلها في المرتبة ما قبل الأخيرة عالمياً، وفي المرتبة 102 من 104 عالمياً، على صعيد سرعة انترنت الهاتف المحمول من الجيل الرابع، وهذه الأرقام تفضح صعوبة التحول الرقمي.

الباحث الأكاديمي في إستراتيجيات التحول الرقمي، مراد السيد، يقول إن "المجتمع السوري يبدو اليوم أكثر قابلية من الأمس للتعامل نسبياً مع التحول الرقمي، لكن العقبة من المصدر الذي يعيد كل شيء في أصله لبيروقراطية الإتمام النهائي للمعاملة، أو الدفع في الدائرة المعنية بين القطاعين العام أو الخاص، وحتى على صعيد المشتريات الطبيعية واليومية، وكذلك لا يمكن الوثوق تماماً بجودة إنترنت وطاقة مستمرين، فهذان العاملان قد يدمران أية عملية رقمية جارية، في ظل بنية تحتية هشة أساساً"، موضحاً "لدينا الضعف التقاني الذي قد يجعل كل منصة قابلة للاختراق، كما حصل قبل شهر حين اخترقت منصات وزارة الخارجية وجرى تسريب وثائق خطرة، وقبلها وزارات وجهات أخرى، أو في ظل وجود تطبيقات ترقى للمرتبة السيادية، وتدير أموال البلد وشؤون ورواتب موظفيها بالكامل من الخارج، بصورة مجهولة تماماً، والقصد تطبيق (شام كاش) الذي جاء مع القادمين من إدلب، والذي يمكن له أن يهدد الاستقرار المالي الكامل حال سقوطه، وقد تعرض لمحاولة إسقاط منذ فترة وكانت نصف ناجحة، ولا يزال مهدداً ويخفي خلفه أسراراً وأموالاً لا يمكن تقديرها لكثافتها".

وحتى الآن، لا يمكن القول إن سوريا شهدت طفرة فعلية في التحول الرقمي، لكنها أحرزت تقدماً جيداً قياساً إلى ظروفها، لكن المشكلة دائماً ترتبط بالنهاية لا البداية، فالنهاية دائماً تكون بالمثول الحضوري أمام الدائرة المعنية بإنجاز المعاملة، فمثلاً حجز دور لإصدار جواز سفر عبر المنصة المختصة قلل الوقت كثيراً، لكن بعد صدور موعد الدور يجب أن يتوجه الشخص للهجرة والجوازات، ويتقدم بأوراقه الرسمية، ثم يعود مرة ثانية لاستلام الجواز.

المستشار السابق في البنك المركزي السوري، عمار ياسر، يبين أن "الدمج بين الإلكتروني والورقي سيغلب الورقي دائماً، في وجود بيئة عمل تحتمل منظومة مزدوجة تقلل سرعة تحقيق الرقمنة على صعيد الوقت والشفافية والجودة والاعتمادية، والأثر المالي في ظل غياب مشروع ربط موحد متكامل، لا يجبر المواطن على مراجعات متعددة للهدف نفسه".

وتابع ياسر أن "أساس التحول الرقمي الذي جرى وضعه في المرحلة الانتقالية الحالية هو في جزء منه مبني على تصورات نمت خلال مرحلة الحرب، وأعاقتها العقوبات والمشكلات الداخلية، لكن الرهان اليوم يقوم على نجاح التجربة، من إمكان إصلاح المنظومة الإدارية العامة، والعمل على البنية التحتية اللازمة، وضمان جدارة الكوادر، وخلق بيئة من الثقة بين المواطن والتقنية، وذلك كله سيصب نهاية في خانة التعافي الاقتصادي والإداري والسياسي والاجتماعي، لكن شرط أن يبقى المشروع سورياً خاصاً، بأدوات ومفاتيح وطنية وسيادية تحميها من الابتزاز الخارجي، وهذا لا يعني الاستغناء عن الربط العالمي والمخدمات الدولية، لكن يعني أن يكون مشروع التحول الرقمي والحوكمة والبنية التحتية ملكاً للشعب، مهما تبدلت أنظمة".

ليبيا... في دائرة التأسيس

لا تزال ليبيا تتلمس طريقها في تجربة الانتقال الرقمي، على رغم استحداثها عدداً من المبادرات، على غرار "إستراتيجية التحول الرقمي الحكومي لعام 2030"، التي رسمت خطوطها "الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات"، بهدف تقديم خدمات حكومية آمنة للمواطن، من أي مكان وفي أي وقت، إضافة إلى "الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2026 - 2030" التي تتضمن 35 مبادرة، لأتمتة 50 في المئة من الخدمات الحكومية، وتدريب 10 آلاف موظف، وغيرها من المشاريع الرقمية الأخرى، غير أن متخصصين يرون أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز مرحلة التأسيس، ولا سيما مع بروز معضلات تتعلق بالأمن السيبراني.

ويقول مطور البرمجيات ومهندس نظم المعلومات، بسام المزوغي، إن ليبيا لا تزال في المراحل الأولى من مسار التحول الرقمي، عاداً أن ما تحقق حتى الآن عبارة عن مجموعة من الخطوات التقنية المتفرقة، أكثر منها منظومة متكاملة، ولا سيما أن الدولة الليبية لا تزال في موقع رد الفعل للحاق بالتحولات العالمية، بدلاً من قيادة مسارها الخاص وفق رؤية استباقية.

وعن توجه ليبيا نحو تقديم خدمات حكومية آمنة للمواطن بحلول عام 2030، يصف المزوغي هذه المبادرات الرقمية بالمتفرقة، والتي تقودها جهات مختلفة، داعياً إلى بلورة هذه الجهود ضمن إطار وطني متكامل خلال المرحلة المقبلة.

أما الخبير في أمن المعلومات، أحمد الشويهدي، فيقول إن ليبيا تظل متأخرة عن عدد من الدول العربية التي انتقلت من مجرد رقمنة الخدمات إلى بناء حكومة رقمية متكاملة، تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي، في اتخاذ القرار وتحسين جودة الخدمة، مستدركاً أنه على رغم ذلك لا يمكن القول إن ليبيا خارج مسار التحول الرقمي، فقد شهدت خلال الأعوام الأخيرة تقدماً في عدد من المجالات، بخاصة في الخدمات المصرفية والدفع الإلكتروني، ومشاريع الهوية الرقمية وتبادل البيانات، لكن هذا التقدم لم يتحول بعد إلى منظومة وطنية متكاملة.

 

ويرجع الشويهدي المشكلة لضعف الحوكمة الرقمية، وتداخل الاختصاصات، وتكرار المبادرات، وغياب جهة تنفيذية موحدة تتابع المشاريع وتقيس نتائجها، وتُلزم المؤسسات بمعايير واحدة.

وبخصوص العقبات التي تواجه التحول الرقمي في ليبيا، يرى الشويهدي أنها لا ترتبط بالتقنيات فقط، بل تمتد آثارها إلى داخل المؤسسات نفسها، من خلال غياب المعايير الموحدة لتبادل المعلومات وضعف التنسيق بين الجهات العامة، وتشتت قواعد البيانات، إضافة إلى نقص الكفاءات، معتقداً أنه على رغم إسهام بعض المبادرات الرقمية، بخاصة في القطاع المصرفي والدفع الإلكتروني، في تسهيل الخدمات، فإن أثرها لا يزال محدوداً بسبب استمرار الإجراءات الورقية، وضعف الربط بين المؤسسات، مؤكداً أن نجاح التحول الرقمي يتطلب تبسيط الإجراءات وإعادة تصميمها.

ويؤكد الشويهدي أن الرقمنة في ليبيا تصطدم بتحديات تشريعية، تتعلق بحماية البيانات الشخصية والتوقيع الإلكتروني والهوية الرقمية، إضافة إلى ضمان أمن المعلومات وثقة المواطن، وكذلك فإن تحويل الإجراءات الورقية إلى منصات إلكترونية لا يقضي على البيروقراطية، ما لم يرافقه تبسيط وإعادة تنظيم، لأن التعقيد قد ينتقل من الورق إلى الشاشة.

وعن مدى كشف الهجوم السيبراني على مصرف ليبيا المركزي في يونيو (حزيران) الماضي عن مستوى الجاهزية الرقمية، بخاصة أن الأمن السيبراني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحولات الرقمية، باعتباره يصنف درعاً حامياً للبيانات والشبكات والأنظمة الإلكترونية، يقول المزوغي إن الحادثة أظهرت أن التوسع في الرقمنة لم يرافقه بناء منظومات أمن سيبراني مؤسسية ناضجة، ويرى أن دخول ليبيا في التحول الرقمي جاء باعتباره واقعاً عالمياً مفروضاً، أكثر من كونه قائماً على استعداد مؤسسي وإستراتيجية حماية مكتملة، مشيراً إلى اعتماد بعض المؤسسات على جهود فردية بدلاً من أنظمة أمنية مستدامة، موضحاً الحادثة مؤشر يستدعي إعادة ترتيب الأولويات الأمنية.

العراق... إصلاح البيئة الإدارية أولاً

في العراق خصص البرنامج الحكومي (2026 - 2029)، إحدى فقراته عن التحول الرقمي، ففي محور الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أشار البرنامج إلى إطلاق إستراتيجية وطنية للتحول الرقمي الشامل، بالتعاون مع المؤسسات الدولية المتخصص، فضلاً عن اعتماد الهوية الرقمية وإطلاق الإطار الرقمي لحوكمة البيانات في العراق، بما يضمن تكامل تبادل البيانات وأتمتة الإجراءات والخدمات رقمياً، باستخدام التوقيع الإلكتروني، ضمن مشروع التحول الرقمي الشامل.

ولم يوضح البرنامج الحكومي الآليات التي تضمن نجاح وديمومة هذه الإستراتيجية المعلنة، فكانت خطة من دون خطوات واضحة المعالم للتحول الرقمي في العراق، وعلى رغم صدور تعليمات رقم (1) لسنة 2025 الخاصة بتسهيل تنفيذ قانون التوقيع الإلكتروني والتعاملات الإلكترونية رقم (78) لسنة 2012، لكنها بقيت حبيسة الجوانب الإجرائية والتقنية للتوثيق، من دون أن تمتد لتنظيم الإشكالات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، أو توفير حماية شاملة للبيانات الشخصية المعتمدة، وهي فجوة يرى المتخصصون في القانون أنها قد تجعل بعض تطبيقات التحول الرقمي مصدراً لمشكلات إدارية وقانونية جديدة، بدلاً من أن تكون وسيلة لمعالجتها.

والرقمنة في جوهرها لا تعني نقل الفوضى الورقية إلى شكل إلكتروني، بل تعني إعادة تنظيم العمل الإداري على أسس أكثر كفاءة ووضوحاً، ولذلك فإن تطوير الإدارة الرقمية في العراق يبدأ بإصلاح البيئة الإدارية نفسها، ووضع ضوابط قانونية واضحة لاستخدام الأنظمة الذكية داخل مؤسسات الدولة، وفي هذا السياق يوضح رئيس "منظمة وعينا" لثقافة الدفع الإلكتروني، نبيل النجار، أنه لا يمكن إنكار أن العراق تأخر في اللحاق بالركب الرقمي العالمي لأعوام، واصفاً أن ما يعيشه اليوم ليس جموداً، بل سماها مرحلة حرق المراحل، مضيفاً "نحن ننتقل من بيئة ورقية كلاسيكية إلى بيئة رقمية، خصوصاً في القطاع المالي والمصرفي الذي نعده رأس الحربة، والحكومة وضعت الرقمنة كأولوية قصوى، وهنا يأتي دورنا الأساس في المنظمة، إذ نعمل لنكون الجسر الذي يربط بين هذه التوجهات الإستراتيجية للدولة، وبين تهيئة الشارع والمؤسسات لاستيعاب هذا التحول والتفاعل معه، لضمان ألا تكون الرقمنة مجرد قرارات حكومية، بل واقعاً ممارساً".

وقد حققت وزارة الداخلية نقلة نوعية في إصدار البطاقة الموحدة والجواز الإلكتروني، فبعد أن كانت الإجراءات الخاصة بالحصول على هذه المستمسكات تستهلك أياماً من المراجعات للإدارات المتخصصة، أصبحت تنجز خلال يوم واحد، إذ نظم الاعتماد على الإجراءات الإلكترونية صفوف الانتظار، وقلل حجم نسخ الأوراق المطلوبة، وهذا ما يؤكده نبيل النجار قائلاً إن "هناك نجاحات ملموسة، مثل البطاقة الوطنية الموحدة، والجواز الإلكتروني، وتفعيل بوابة (أور) للخدمات الحكومية، والخطوة الأبرز والأكثر تأثيراً هي قرارات البنك المركزي والحكومة بنشر أجهزة نقاط البيع (POS)، وتفعيل الجباية الإلكترونية، وهذا القرار كسر الجليد بين المواطن والدفع الإلكتروني".

ويرى النجار أن هناك تغييراً حقيقياً في الثقافة المالية، وأن المواطن بدأ يدرك قيمة الوقت والجهد والأمان الذي توافره هذه المنظومة، وأصبح هو من يطالب بتوسيع الخدمات الرقمية وتعميمها، مضيفاً "نحن في المنظمة، وكجزء من نشر الوعي، نعمل يومياً على كسر حاجز الخوف النفسي من التخلي عن النقد الملموس (الكاش)، ونعزز ثقة المواطن بالأنظمة الرقمية والمحافظ الإلكترونية، ونرى أن حجم الاستخدام في تصاعد مستمر، والشارع العراقي متعطش للتكنولوجيا".

 

وقد دأبت وزارة الاتصالات وبطلب من وزارة التربية على قطع خدمة الإنترنت خلال إجراء الاختبارات النهائية للصفوف المنتهية، للمرحلتين المتوسطة والإعدادية، لتجنب حصول حالات الغش الإلكتروني، وكانت ساعات القطع تبدأ من السادسة صباحاً وحتى الـ 10 صباحاً، ليجري تقليص مدة القطع إلى ساعتين فقط، بعد الانتقادات التي طاولت هذا الإجراء، وتسببه في إلحاق أضرار مادية بكثير من الأعمال التجارية.

وفي هذا السياق، توضح المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات، آلاء حامد، أن قطع الإنترنت خلال الاختبارات النهائية يتعارض مع التوجه الحكومي نحو التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية، فهذا التوجه يتطلب الحفاظ على استقرار شبكة الإنترنت، وعدم اللجوء إلى إيقافها على نطاق واسع، لأن "اللجوء إلى قطع الإنترنت خلال ساعات الاختبارات له آثار سلبية في الاقتصاد الوطني، وسمعة العراق الرقمية"، وترى حامد أن من الضروري اعتماد بدائل تقنية حديثة ومتطورة، مثل أنظمة المراقبة الذكية، والكاميرات الرقمية، وتقنيات كشف الغش الإلكتروني، بما يضمن حماية نزاهة الاختبارات، من دون المساس بديمومة وجود خدمة الإنترنت.

ولعل قطع الإنترنت بخسائره التي تكلف الاقتصاد العراقي نحو 1.4 مليون دولار، لا يمثل التحدي الوحيد الذي يعوق التحول الرقمي، فالتحديات بحسب النجار إدارية وثقافية وتشريعية، مضيفاً أن "هناك مقاومة للتغيير من بعض المنتفعين من النظام الورقي، وغياباً للتقاطع البيني للمعلومات بين الوزارات، وتشريعياً نحتاج إلى إقرار قوانين الأمن السيبراني، وحماية البيانات، والتوقيع الإلكتروني".

ويرى النجار أن العراق لا يزال يعاني مما وصفه بالأنظمة الهجينة، وهو التقديم الإلكتروني الذي تتبعه مراجعة ورقية، موضحاً "نعمل دائماً على الإشارة إلى هذه الفجوات ومناقشتها مع صناع القرار، للضغط الإيجابي نحو أتمتة شاملة، وربط شبكي كامل، ينهي أية حاجة إلى الاحتكاك المباشر بين المراجع والموظف"، لافتاً إلى أن الوعي المجتمعي تحد آخر يقف أمام التحول الرقمي، وتابع "المهم رفع مستوى الثقافة المالية الرقمية، ليكون المجتمع العراقي شريكاً حقيقياً وواعياً في مسيرة التحول الرقمي، وليس مجرد مستهلك لها".

والتحول الرقمي في العراق ليس مجرد تحديث تقني أو استبدال التعاملات الورقية بالأنظمة الإلكترونية، لأن الإشكال الحقيقي يرتبط بطبيعة البنية الإدارية ذاتها، فنجاح الرقمنة بالعراق لا ينبغي أن يُختزل في الجانب التقني فقط، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره مشروعاً إدارياً وقانونياً متكاملاً.

الأردن... جزر معزولة

شهد الأردن خلال الأعوام الأخيرة نقلة نوعية في مسار التحول الرقمي، فقد أفضى الاستثمار المتواصل في هذا القطاع إلى نتائج ملموسة، وتؤكد تقارير وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة أن الأردن أكمل رقمنة ما نسبته 85.5 في المئة من إجمال الخدمات الحكومية المخطط رقمنتها، بالتوازي مع تجاوز عدد مفصلي الهوية الرقمية على تطبيق "سند" حاجز 2.88 مليون مواطن، وانعكس هذا التقدم بوضوح في المؤشرات الدولية، إذ احتل الأردن المرتبة الـ 21 عالمياً، والرابعة عربياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، وفقاً لتقرير البنك الدولي، متوجاً جهود الإستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي والخطة التنفيذية المحدثة للأعوام (2026 - 2028).

وعلى صعيد القطاع الخاص، أظهرت الدراسات ارتفاع إجمال إنفاق البنوك العاملة في الأردن على التكنولوجيا والتحول الرقمي إلى نحو 221 مليون دينار، تزامناً مع إغلاق أو تقليص نحو 58.8 في المئة من الفروع، نتيجة التوسع في القنوات الرقمية وإعادة توزيع الكوادر نحو وظائف ذات قيمة أعلى، وكذلك قدمت الحكومة حزماً تمويلية لدعم الشركات الناشئة، إضافة إلى تدريب أكثر من 10 آلاف متدرب، ضمن مبادرات تمكين المهارات الرقمية والشمول الرقمي والجندري، وتوّجت هذه الجهود بإطلاق خدمات محورية، مثل جواز السفر الإلكتروني، وبوابات المطار الإلكترونية، والسجل الوطني الموحد، ونظام الفواتير الضريبية، فضلاً عن انتشار 15 مركزاً للخدمات الحكومية الشاملة، والتوسع في المحافظ الإلكترونية والدفع الرقمي، بالتكامل مع البنك المركزي.

وعلى رغم هذه الإنجازات المتراكمة، لا تزال عملية التحول الرقمي تواجه تحديات هيكلية حقيقية، تحد من فعاليتها وتأثيرها المباشر، إذ تشكل محدودية التمويل قيداً يتسبب في تأخير تنفيذ بعض المشاريع، وجعل نتائجها العملية دون مستوى الطموحات المعلنة، يضاف إلى ذلك اعتماد مؤسسات حكومية عدة على أنظمة معلومات قديمة، يصعب دمج التقنيات الحديثة معها، وهو ما يتطلب استثمارات إضافية ضخمة لتحديث بنيتها التحتية.

كذلك يفتقر المشهد إلى معايير تقنية وإدارية موحدة بين مختلف القطاعات لضمان التوافقية والتكامل الشامل، بالتوازي مع استمرار الفجوة الملموسة بين متطلبات سوق العمل الرقمي والمهارات المتاحة فعلياً، مما يستدعي توجيه الاستثمار نحو التعليم التقني والمهني، لإعداد كفاءات قادرة على قيادة هذا التحول، ومن يُدقق في أروقة الإدارات الخدمية في العاصمة الأردنية عمّان، يلتقط سريعاً تلك المفارقة التي تختصر المشهد الميداني، فبينما يُنجز مواطن رخصة مركبته أو استخراج وثائقه في دقائق عبر هاتفه المحمول، يقف مواطن آخر في طابور طويل، ينتظر ختم موظف على معاملة ورقية، استخرجها للتو من تطبيق حكومي رسمي، وتتكشف في الميدان "بيروقراطية هجينة" تجبر المراجع على طباعة المعاملة الرقمية، وركوب خطوة التصديق اليدوي، مما يفرغ الأتمتة من جوهرها.

 

وتتفاقم هذه الأزمة بفعل وجود "جزر رقمية معزولة"، تعاني غياب الربط الشامل والمباشر بين بعض الوزارات والمؤسسات، مما يضطر المواطن إلى إعادة تحميل وتمرير الوثائق يدوياً بين جهة وأخرى، يضاف إلى ذلك تباين جودة خدمات الاتصالات، والجاهزية التقنية بين العاصمة والمحافظات والأطراف البعيدة، إضافة إلى ضعف المهارات التقنية لدى بعض الفئات الكبيرة في السن أو القليلة الدخل، مما أدى إلى نشوء ظاهرة غير صحية، تتمثل في انتشار مكاتب تجارية جانبية، تتقاضى أموالاً لإنجاز المعاملات الرقمية نيابة عن المواطنين.

وتستند هذه القراءة إلى تقارير ودراسات دولية متخصصة، إذ صعد الأردن في "مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية" الصادر عن البنك الدولي لعام 2025 بدرجة تقييم مرتفعة، بلغت (0.914)، ونالت التجربة الأردنية إشادة "لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا" (إسكوا) في مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة، لجهة توافر الخدمة وتطورها التقني عبر تطبيق "سند".

غير أن الوجه الآخر لتلك الدراسات يكشف عن الفجوة القائمة بين التقييم المفهومي والواقع العملي، فقد أظهرت تحليلات "إسكوا" تبايناً لافتاً بين مؤشري "توافر الخدمة المرقمنة" و"رضا المستفيدين الفعلي عنها"، وهو ما تقاطع مع مسوحات دائرة الإحصاءات العامة التي أشارت إلى تفاوت المهارات والقدرات التقنية بين العاصمة والمحافظات، بل إن "الإستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي" نفسها تضمنت إقراراً صريحاً بالحاجة الماسة إلى الانتقال من مجرد أتمتة الإجراءات الورقية القائمة، إلى إعادة هندستها كلياً، ضماناً لعدم تحول الرقمنة إلى عبء إداري جديد يُمارس عبر الشاشات.

ويرى مراقبون للقطاع التكنولوجي أن الأردن يمتلك البنية التحتية والتشريعية اللازمة، للانتقال إلى مرحلة النضج الرقمي الكامل، لكن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بمدى قدرة الجهاز الإداري على الجرأة في إلغاء التعاملات الورقية تماماً، وترسيخ الثقة بين المواطن والأنظمة الرقمية، لضمان أن لا تحول البيروقراطية الشاشة إلى مجرد ورقة إلكترونية.

المغرب... قوانين كثيرة وفعالية قليلة

أرسى المغرب إستراتيجية "المغرب الرقمي 2030"، وهي عبارة عن مخطط متكامل يهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية، وجعل المملكة قطباً تكنولوجياً في القارة الأفريقية، فتطور الاستثمار العمومي في هذا القطاع بصورة لافتة، من 11 مليون درهم (1.18 مليون دولار أميركي) إلى 1.7 مليار درهم (182 مليون دولار أميركي).

وتركز إستراتيجية "المغرب الرقمي 2030" على هدفين رئيسين، الأول رقمنة الإدارة من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، وتقليص استعمال الوثائق الورقية، والثاني تطوير الاقتصاد الرقمي، عبر تكوين الشباب في مجالات التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، وترحيل الخدمات الرقمية، ومن أجل إنجاح ورش التحول الرقمي في البلاد، أحدث المغرب وزارة قائمة بذاتها تحت مسمى "وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة"، وكذلك فإن القانون رقم (54.19) نص على اعتماد المرافق العمومية لرمز تعريفي موحد خاص بكل مرتفق، يستعمل في جميع أنظمتها المعلوماتية، ويمكن من تيسير تبادل المعلومات بينها والرفع من جودة الخدمات التي تقدمها، أما القانون رقم (55.19) المتعلق بتبسيط التدابير والإجراءات الإدارية ،اعتماداً على الرقمنة، فيعد، وفق الوزارة ذاتها، آلية أساسية لبلوغ الأهداف المتمثلة في تعزيز الثقة بين الإدارة والمتعاملين معها.

ويستأثر ملف التحول الرقمي في المغرب بكثير من الاهتمام في الدوائر السياسية، ومنها البرلمان الذي كثيراً ما يسائل نوابه من الغالبية الحكومية والمعارضة في الوزارات المعنية، في شأن تقييم أثر السياسات العمومية في مجال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الصدد، طالب البرلماني عن حزب "الأصالة والمعاصرة"، المشارك في الحكومة، عماد الريفي، الحكومة بتعزيز الرقمنة لمواجهة التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، وبدوره دعا البرلماني عن حزب "الاستقلال"، علال العمراوي، القطاعات الحكومية الوصية بتعزيز البنية الرقمية الوطنية، من خلال تسريع رقمنة الخدمات العمومية، وتوسيع تغطية الشبكة في المناطق النائية، وتشجيع الابتكار الرقمي، بما يضمن الاستفادة الفعلية من مزايا الرقمنة".

ويرى الباحث محمد الزهراوي أن التحول الرقمي ليس فقط مسألة تقنية مرتبطة بتحديث الوسائل والأدوات، بل أصبح مطلباً ضرورياً بالنظر إلى تأثيراته الواسعة في قطاعات الإدارة والاقتصاد والسياسة والأمن، وهو ما يستوجب تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح على التكنولوجيا الرقمية، وحماية السيادة الوطنية للبلاد.

 

ووفق الزهراوي فلم تعد المنصات الرقمية الكبرى مجرد شركات تكنولوجية، بل أصبحت فاعلين مؤثرين في المجالين السياسي والجيوسياسي، وباتت تمتلك قدرة فعلية على التأثير في الرأي العام، والسياسات العامة والانتخابات، من خلال التحكم في الخوارزميات وتدفق المعلومات، وتحديد طبيعة المحتوى المتداول.

وتبعاً للباحث ذاته، تحولت البيانات الضخمة إلى مورد إستراتيجي يشبه في أهميته الموارد الطبيعية التقليدية، واصفاً إياها بـ "نفط القرن الـ 21"، على اعتبار أن التنافس الدولي لم يعد قائماً حول مصادر الطاقة والثروات الطبيعية فقط، بل أصبح يشمل أيضاً القدرة على جمع البيانات وتحليلها، واستثمارها في صناعة القرار الاقتصادي والسياسي والأمني.

وشدد الزهراوي على أن "تعزيز الأمن السيبراني أصبح ضرورة لحماية الدولة وصيانة سيادتها الرقمية"، داعياً إلى "تطوير إستراتيجيات وطنية قادرة على حماية المعطيات الحساسة، وتأمين البنية التحتية الرقمية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال التكنولوجي".

والأمن السيبراني الذي أشار إليه الزهراوي، يعتبره الباحث في الأمن الرقمي، فتاح السويدي، عنصراً حاسماً ومؤثراً يدخل في صلب التحولات الرقمية التي يتعين على المغرب مواجهتها، في خضم التغيرات التكنولوجية والجيوسياسية المتسارعة والمتقلبة في العالم، موضحاً أنه على رغم الترسانة القانونية المتوافرة في المغرب من قبيل قانون (05.20) حول الأمن السيبراني، وقانون رقم (07.03) في شأن المعالجة الآلية للمعطيات، وعلى رغم إحداث مؤسسات رسمية تعنى بهذا الملف، فإن تحصين الأمن السيبراني في البلاد لا يزال متعثراً، بدليل كثير من الاختراقات التي طاولت مواقع مؤسسات رسمية وحكومية، مع نشر معطيات شخصية لآلاف الموظفين والمسؤولين أيضاً.

وعزا السويدي هذا التعثر في تحصين الأمن السيبراني إلى النقص العددي في الخبراء المتخصصين في مجال الأمن الرقمي، وإلى غياب رؤية موحدة بين القطاعات الحكومية، لتدبير هذا الملف الشائك، علاوة على عدم إيلاء الأهمية الواجبة لمثل هذا الأمن، الذي لا يقل أهمية وخطورة عن الأمن القومي نفسه.

وفي السياق، يرى الخبير في التواصل والإعلام، يحيى اليحياوي، مؤلف كتاب "السيادة الرقمية: حروب النفوذ في الفضاء السيبراني"، أن الحديث عن الرقمنة في المغرب يرتبط بمسار طويل من الإستراتيجيات الرقمية، التي أطلقتها المملكة منذ مطلع القرن الحالي، ولا تزال تتوالى إلى اليوم، موضحاً أن هذه المشاريع رُصدت لها موازنات ضخمة، وأُحيطت بهياكل عدة ومنظومات حوكمة متشعبة، بهدف تحقيق ما يُعرف بالانتقال أو التحول الرقمي، أي الانتقال من الإدارة الورقية إلى إدارة تعتمد رقمنة المساطر والإجراءات، مع توسيع آليات الربط بين مختلف القطاعات والمرافق العمومية، وإعادة هيكلة التنظيم الإداري ليصبح أكثر أفقية ومرونة وتفاعلاً.

ولفت الخبير ذاته إلى أن المغرب لم يبلغ بعد مستوى التحول الرقمي المنشود، موضحاً أن ما تحقق إلى اليوم لا يتجاوز مرحلة انتقال رقمي طال أمدها، على غرار ما عرفه مسار الانتقال الديمقراطي، مرجعاً ذلك إلى نقص الإمكانات التقنية أو الموارد المالية، وغياب تصور إستراتيجي دقيق، إضافة إلى محدودية آليات الرقابة وضعف مستويات الحوكمة، على رغم أن موازنات المخططات الرقمية تُقدر بمليارات الدراهم.

وانتقد اليحياوي طريقة تدبير مشاريع التحول الرقمي، مشيراً إلى أنها لا تخضع لنقاشات جادة مع مختلف الفاعلين، وتفتقر إلى تقييم موضوعي يرصد مكامن النجاح، ويحدد أسباب الإخفاق، مضيفاً أن "الملاحظ هو أنه بمجرد اقتراب انتهاء العمل بخطة رقمية، يُشرع في إعلان ع خطة جديدة، من دون الوقوف عند حصيلة الخطة السابقة، أو استخلاص الدروس اللازمة منها"، منتهياً إلى أن المفارقة تكمن في أن "القطاعات التي حققت تحولاً رقمياً فعلياً، هي الإدارات التي تمثل مصدراً مباشراً لمداخيل الدولة، وفي مقدمها مصالح وزارة الاقتصاد والمالية، وإدارة الضرائب، وإدارة الجمارك، والمحافظة العقارية، مما يعكس تفاوتاً واضحاً في وتيرة الرقمنة بين مختلف المرافق العمومية".

موريتانيا... وزارة متخصصة

لم يكن الموريتانيون الذين أبصروا النور غداة أعوام الاستقلال، يتوقعون أن يعيشوا إلى اليوم الذي يُصدرون فيه جواز سفر من دون أيام من الانتظار، في شمس نواكشوط الحارقة، لكن الأمر أصبح اليوم مألوفاً، وبإمكان أي مواطن أن يحصل على جميع وثائقه المدنية الثبوتية خلال 48 ساعة، من دون أن يتجرع مرارة البيروقراطية.

لكن أعوام البحث عن التخلص من الأوراق، وطوابير العمل المكتبي الرتيب، جعلتا المواطن يشك في هذا التحول الرقمي الذي طاول جميع ميادين حياته، وأسس علاقة جديدة له مع الإدارة، كثيراً ما كانت مرتبطة في ذهنه بعذاب المواعيد التي لا تنتهي، وتأمين ملفات بعشرات الأوراق، يقوم يؤمنها أي مواطن قبل الحصول على أية خدمة حكومية.

وقبل أعوام قليلة، بدأت موريتانيا الانتقال من تنفيذ مشاريع رقمية متفرقة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للتحول الرقمي، تنطلق من التخطيط الإستراتيجي، وتمر بتطوير البنى التحتية والمنصات المشتركة، وتصل إلى رقمنة الخدمات العمومية وتبسيط الإجراءات الإدارية، فقطعت خطوات عملية من أجل تأسيس تحوّل رقمي في بلد كان إلى وقت قريب، يعتبر الحديث فيه عن تحول رقمي حقيقي ضرباً من الخيال، لافتقاره إلى البنية التحتية، والخطط الإستراتيجية الحكومية القادرة على صياغة مشروع قومي رقمي.

وفي تصريح خاص إلى "اندبندنت عربية"، قال وزير التحول الرقمي وعصرنة الإدارة الموريتاني أحمد سالم بده، إنه "جرى اعتماد الأجندة الوطنية للتحول الرقمي 2022 - 2025، واكتملت صياغة مشروع الأجندة الوطنية للتحول الرقمي للفترة 2026 - 2030، وهو في المسار المؤسسي تمهيداً لاعتماده، إضافة إلى الإستراتيجية الوطنية لعصرنة الإدارة 2024 - 2027، والإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025 - 2029، فضلاً عن إستراتيجيات الأمن السيبراني، والبيانات المفتوحة والتجارة الإلكترونية، وتقنيات سلاسل الكتل وإنترنت الأشياء".

ويضيف الوزير أن موريتانيا اعتمدت "منهجية لا تقتصر على تحويل الوثائق الورقية إلى صيغ إلكترونية، بل تبدأ بتحديد حاجات المواطن والإدارة، وتبسيط المساطر، وملاءمة الأطر القانونية، ثم رقمنة الإجراءات وربط الأنظمة الحكومية ببعضها، وصولاً إلى قياس الأثر الفعلي للخدمة".

وعلى مستوى البنية التحتية، جرى إنشاء مركز بيانات وطني من المستوى الثالث، وشبكة حكومية عالية السرعة، وسحابة وطنية، مع تعزيز الربط الدولي بشبكات الألياف البصرية والكابلات البحرية، وارتفع طول شبكة الألياف البصرية من 3852 كيلومتراً عام 2019 إلى 14082 كيلومتراً عام 2025، أي بزيادة مقدارها 265 في المئة، كما ارتفع عدد مواقع التغطية من 2779 إلى 6350 خلال الفترة نفسها.

وطورت موريتانيا منصات وطنية مشتركة، في مقدمها تطبيق "هويتي" للهوية الرقمية وخدمات الحال المدنية، و"بوابة خدماتي" التي تمثل المدخل الحكومي الموحد للخدمات الرقمية، ومنصة "عين" التي تتيح للمواطنين تقديم الشكاوى والملاحظات ومتابعتها، إضافة إلى منظومة الربط البيني التي تمكن المؤسسات العمومية من تبادل البيانات بصورة مؤمنة، وتحد من مطالبة المواطن بوثائق متوافرة أصلاً لدى الإدارة.

ويرى المهتم بمجال التحول الرقمي، المهندس محمد الأمين، أن "موريتانيا دخلت الآن نهاية مرحلة التأسيس الهيكلي والبنيوي، وانتقلت من الحلول الجزئية إلى العمل الإستراتيجي المؤسسي، وتجلت أبرز الخطوات في تأسيس وزارة متخصصة للتحول الرقمي، وتشييد مركز البيانات الوطني، إضافة إلى إطلاق منصات خدمية واعدة مثل تطبيق هويتي وبوابة خدماتي".

 

ويتفق استشاري التحول الرقمي ومنسق سفراء الذكاء الاصطناعي، محمد الأمين المامي، مع هذا الطرح، إذ يرى أن موريتانيا "شهدت تقدماً في رقمنة الخدمات العمومية وتطوير منصات إلكترونية للإدارة، وتوسيع استخدام المحافظ والدفع الإلكتروني، ودعم الشركات الناشئة والابتكار عبر الهاكاثونات، مما أسهم في تحسين جودة الخدمات، وتقليل الإجراءات الورقية، وتعزيز الشفافية والكفاءة في الأداء الحكومي".

ويتابع الموريتانيون خطوات الحكومة نحو التحول الرقمي بكثير من الترقب، إذ إن مخاوفهم من تعثر هذا التحول تبدو مستساغة في بيئة اجتماعية وتنموية كالتي تعيشها موريتانيا، فأرقام نسب الأمية المرتفعة، واتساع رقعة التراب الوطني، يجعلان من تعميم التحول الرقمي ليصل كل مواطن وكل بيت غير يسير.

ويرى المهندس محمد الأمين أن "أسباب تعثر مسار التحول الرقمي بصفة عامة تتركز أساساً في تفاوت التغطية، وضعف انتشار شبكات الإنترنت عالي السرعة، في المناطق الداخلية، مع ارتفاع كلفته، وتشكل الأمية الرقمية، ونقص الكوادر المتخصصة، عوائق رئيسة أمام توسعه، يضاف إلى ذلك المقاومة التنظيمية للتغيير، والاعتماد الموازي على الإجراءات الورقية".

ويتركز الاستخدام الفعلي حالياً في المدن الكبرى الموريتانية عبر التعاملات الهوية الرقمية، وتطبيقات البنوك، والمحافظ المالية على المحمول، وقد أثمر ذلك انعكاسات إيجابية، مثل تقليل التنقل لاستخراج الوثائق الرسمية، وتسهيل التحويلات المالية والدفع الالكتروني، وهذا ما عزز الشمول الخدمي والمالي تدريجياً".

ويرى محمد الأمين المامي أن "موريتانيا تواجه تحديات تتعلق باستكمال مشاريع البنية التحتية الرقمية، واستكمال إنشاء وكالة الأمن السيبراني، وتطوير التشريعات الخاصة بالبيانات ذات الطابع الشخصي والهوية الرقمية، وبناء الكفاءات الوطنية، إضافة إلى رفع الوعي الرقمي لدى المستخدمين الأفراد، لكن مع الإرادة السياسية والاستثمار في هذه المجالات، تمتلك البلاد فرصة حقيقية لتسريع وتيرة التحول الرقمي الشامل والآمن".

تونس... بنية قائمة دون تنفيذ

على رغم تصاعد الحديث في تونس عن الرقمنة والتحول الرقمي، وتكثيف المؤتمرات والدراسات التي تروج لإدارة عصرية وسريعة، فإن الواقع الذي يعيشه المواطن لا يعكس هذه الوعود، فلا تزال الطوابير الطويلة، والإجراءات الإدارية المعقدة، والملفات الورقية التي لا تنتهي، عنواناً يومياً لمعاناة التونسي في مختلف الإدارات، مما يطرح تساؤلات حول مدى تقدم مسار الرقمنة، وما إذا كان قد تجاوز حدود الخطابات إلى التطبيق الفعلي.

وترى الباحثة في مجال الرقمنة، ملكة رزق، أن الحديث عن الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تونس يصطدم بجملة من التحديات الواقعية، في مقدمها استقرار التزود بالطاقة الكهربائية، وتوفر البنية التحتية الحاسوبية، باعتبار أن الرقمنة تعتمد على موارد طاقية وحوسبية كبيرة، مؤكدة أن إسهام تونس في هذا المجال لا ينبغي أن يُختزل في امتلاك مراكز بيانات عملاقة أو قدرات حوسبية ضخمة، ومشيرة إلى أن تبني التكنولوجيا يبدأ أولًا بفهمها واستيعابها، قبل امتلاك أدواتها، مضيفة أنه على رغم محدودية الإمكانات، فإن بالإمكان بناء منظومة معرفية متكاملة، من خلال تنظيم المنتديات واللقاءات العلمية، ومناقشة أحدث الأبحاث، وتبادل الخبرات، وتحليل التطبيقات العملية، إضافة إلى ربط الباحثين والطلبة ورواد الأعمال، ضمن شبكة وطنية للتعاون والابتكار.

وترى رزق أن هذا المسار لا يحتاج إلى استثمارات مالية هائلة، بقدر ما يسهم في بناء أهم عنصر في الاقتصاد الرقمي، وهو رأس المال البشري والمعرفي، موضحة أن الدول التي تستثمر باكراً في تكوين الكفاءات، ونشر الثقافة العلمية، ستكون الأقدر على استيعاب تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطويرها، عندما تتحسن الظروف، في حين أن الدول التي تؤجل الاستثمار في المعرفة إلى حين اكتمال البنية التحتية، ستجد نفسها متأخرة عن ركب التطور، مؤكدة أن البنية التحتية يمكن تطويرها بالاستثمار، أما الخبرات والثقافة العلمية فتحتاج إلى الوقت والتراكم، لذلك فإن تأجيل بناء المعرفة بحجة ضعف الإمكانات تأجيل للمستقبل.

ويقول الصحافي المتخصص في التكنولوجيا محمد علي السويسي، إن مسار التحول الرقمي في تونس انطلق منذ منتصف الألفية الثانية، لكنه ظل يتسم بالتعثر نتيجة غياب رؤية إستراتيجية شاملة، وتخطيط يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة، موضحاً أن التحول الرقمي في تونس ينقسم إلى مسارين: الأول يتعلق برقمنة الإدارة والخدمات العمومية، وهو مسار واجه عراقيل مرتبطة بسوء التخطيط والإمكانات الاقتصادية، والثاني يهم القطاع الخاص الذي أظهر قدرة أكبر على التكيف، ولا سيما في قطاعات البنوك والخدمات، بفضل مرونته وسرعة اتخاذ القرار، مضيفاً أن من أبرز نقاط القوة التي تمتلكها تونس في هذا المجال توفر كفاءات بشرية عالية، بخاصة في مجال تكوين المهندسين والإطارات المتخصصة، إضافة إلى بنية تحتية جيدة للاتصالات، وانتشار واسع لاستخدام الإنترنت والهواتف الذكية، وهي عوامل تهيئ الأرضية اللازمة لإنجاح التحول الرقمي، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.

وعدّ أن السبب الرئيس لتعثر التجربة يتمثل في اختزال مفهوم التحول الرقمي في رقمنة بعض الخدمات، مثل الدفع الإلكتروني أو استخراج الوثائق عن بعد، في حين أن التحول الحقيقي يقتضي إصلاحاً شاملاً يشمل المنظومة القانونية، وتحديث طرق العمل داخل الإدارة، وتشجيع الابتكار، وتبني أساليب حديثة في إدارة المشاريع وتصميم الخدمات الرقمية.

وأشار السويسي إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في كيفية نظر الدولة والمشرع إلى التحول الرقمي، مؤكداً أن نجاح هذا المسار يتطلب تغييراً في الثقافة الإدارية وطريقة التفكير، باعتبار أن التحول الرقمي رؤية تنموية متكاملة، تمزج بين الإنسان والتكنولوجيا.

وفي تقييمه للتجارب المنجزة، أوضح أن بعض المشاريع حققت نتائج إيجابية، مثل الترسيم المدرسي عن بعد، والذي أصبح اليوم خدمة اعتيادية بعد تجاوز صعوبات البداية، في حين شهدت مشاريع أخرى، على غرار الفوترة الإلكترونية، اضطرابات وصعوبات في التطبيق، مما يعكس غياب الإعداد والتنسيق الكافيين.

 

وختم بالتأكيد أن الرقمنة أسهمت بالفعل في بعض الحالات في تقليص الإجراءات الإدارية، وتحسين جودة الخدمات، لكن هذه النجاحات لا تزال محدودة ومتفرقة، وتظل مرتبطة بمبادرات قطاعية أو وزارية، في غياب سياسة وطنية متكاملة تجعل من التحول الرقمي مشروعاً شاملاً للدولة، وليس مجرد مشاريع منفصلة.

وفي سياق متصل، كشفت نتائج المسح الوطني حول "استخدام الإنترنت والمهارات الرقمية لعام 2026" في تونس، الصادر عن "مرصد الهيئة الوطنية للاتصالات"، عن اتساع لافت في قاعدة مستخدمي شبكة الإنترنت في تونس، لتبلغ 85.9 في المئة من شريحة العينة المستجوبة، بالتوازي مع تحول ملموس نحو اعتماد التقنيات الحديثة، وعلى رأسها أدوات الذكاء الاصطناعي.

وأظهرت المعطيات الإحصائية المضمّنة نتائج المسح، ترسيخاً كبيراً لثقافة الاتصال الرقمي لدى التونسيين، إذ بلغت نسبة استخدام خطوط الهاتف الجوال 95.4 في المئة من العينة، في حين أشار التقرير إلى أن 84.3 في المئة من المستجوبين يمتلكون هواتف ذكية، مما يسلط الضوء على الدور المحوري للهواتف الذكية كبوابة رئيسة، للولوج إلى العالم الرقمي.

وفي المقابل، اقتصرت نسبة امتلاك الحواسيب على 41 في المئة، أما على صعيد التعاملات والخدمات الرقمية، فكشفت نتائج المسح عن منحى تصاعدي في اعتماد الحلول الإلكترونية، إذ يستفيد 41.3 في المئة من مستخدمي الإنترنت من الخدمات الإلكترونية، فيما يلجأ 36.9 في المئة منهم إلى خدمات التجارة الإلكترونية، لتلبية حاجاتهم وسداد تعاملاتهم عبر الشبكة.

كذلك سجل المسح إقبالاً متزايداً على خدمات الإدارة الإلكترونية، فأفاد 26.5 في المئة من مستعملي الإنترنت بتعاملهم مع البوابات والخدمات الحكومية المرقمنة، مما يشير إلى آفاق واعدة لتطوير مسار التحول الرقمي في المرفق العمومي، وتسهيل الإجراءات الإدارية للمواطنين، ولعل أبرز الملاحظات التي أبرزها المسح، تتمثل في الانضمام السريع للمستخدم التونسي إلى موجة التكنولوجيا الحديثة، إذ أظهرت النتائج أن 47.9 في المئة من مستخدمي الإنترنت يستعملون تطبيقات وتطويرات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس توجهاً سريعاً للتأقلم مع التحولات الرقمية العالمية، والمهارات المستقبلية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات