Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هجوم المسيرات يقحم أربيل في دائرة الصراع الإقليمي

تساؤلات حول قدرة الإقليم على المضي في سياسة الحياد وامتلاك الخيارات لحماية أمنه

استهدف الهجوم منطقة شديدة الحساسية سياسياً وأمنياً في أربيل (أ ف ب)

ملخص

"توسيع دائرة الاضطراب قد يكون جزءاً من استراتيجية تهدف إلى عرقلة عملية نزع السلاح وإبقاء العراق منشغلاً بأزمات أمنية متتالية، ولا يجب التغافل عن الموقف الصريح لأربيل في دعمها لمشروع حكومة الزيدي في نزع سلاح الفصائل".

أثار استهداف المكتب الخاص لرئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، ومقر إقامة رئيس وكالة الحماية بقضاء بيرمام في أربيل، فجر الإثنين الـ17 من أغسطس (آب) الجاري، تساؤلات تتجاوز طبيعة الهجوم وتوقيته، في ظل تصاعد الصراع الإقليمي على وقع الحرب بين واشنطن وطهران، حول قدرة الإقليم على المضي في سياسة الحياد بين الأطراف وامتلاك الخيارات لحماية أمنه، وما إذا كان سيتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات المرتبطة بتداعيات الملف.

وفقاً لجهاز مكافحة الإرهاب، فقد نفذ الهجوم عبر طائرتين مسيرتين من طراز "حديد - 110"، أطلقتا من جهة الحدود الإيرانية، من دون أن يسفر عن إصابات بشرية، وذلك في ثالث هجوم من نوعه تستهدف فيه إيران والفصائل الشيعية العراقية بصورة مباشرة مكاتب ومنازل للقيادات العليا للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني الذي يقود حكومة الإقليم، إثر هجمات متكررة في مارس (آذار) وفبراير (شباط) وأغسطس من العام الحالي 2026.

وعد مسرور العملية بـ"التصعيد الخطر والتهديد المباشر لأمن الإقليم واستقراره"، غير أن أهمية الهجوم لا تكمن فقط بطبيعة الهدف فقط، بل في توقيته الذي جاء بعد ساعات قليلة من تقارير تحدثت عن دور دبلوماسي لعبه رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في فتح قناة اتصال غير مباشرة بين الإدارة الأميركية وقيادة الحرس الثوري الإيراني، مما أفضى هذا التحول ليكون، وفق محللين، قابلاً لقراءة ضمن سياق أوسع من كونه استهدافاً أمنياً.

تحذير من مؤامرة

في المقابل، نفت طهران مسؤوليتها عن الهجوم، ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العملية بأنها "متهورة"، وقال إنه لا يوجد ما يبررها، داعياً الكرد إلى الحذر مما سماه "هجمات مفتعلة" تهدف إلى إثارة الخلاف بين الجيران، كذلك شدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أن الهجوم "مشبوه للغاية"، محذراً مما وصفه بعمليات "الراية الكاذبة".

وبالنظر إلى التباين في الموقف بين أربيل وطهران، فإن أبعاد المشهد تبدو أكثر اتساعاً، بخاصة وأن الهجوم استهدف منطقة شديدة الحساسية سياسياً وأمنياً، بينما تزداد فيه التقاطعات بين الملفات المترابطة، الحرب الأميركية - الإيرانية، ومستقبل الفصائل الشيعية العراقية الموالية لطهران، وصولاً إلى مسار ومستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل، إلى جانب ذلك فقد سجلت الساحة العراقية تطورات أخرى لافتة تمثلت في الكشف عن مخطط لاغتيال رئيس مجلس القضاء الأعلى الاتحادي فائق زيدان على يد الفصائل، تزامناً مع تصاعد التوتر بين هذه الفصائل مع رئيس الوزراء الاتحادي علي الزيدي عندما هددت "كتائب حزب الله" العراقي بالتعامل، وفق "مبدأ العين بالعين"، إذا ما واصل مشروعه لحصر السلاح.

نقاط ضعف متراكمة

وسبق أن واجه الإقليم تحديات في التعامل مع الاعتداءات سواء كانت صادرة عن إيران مباشرة أم عن الفصائل العراقية الموالية لها، وفي أسباب وطبيعة تكرار مثل هذه الهجمات يقول الباحث في الشأن العراقي والإقليمي سامان نوح إنها "متشعبة تتعلق بغياب حكومة وأجهزة أمنية ورؤية سياسية موحدة داخل الإقليم، ويستشهد بالهجمات السابقة التي تركزت بدرجة أكبر في مناطق نفوذ حزب بارزاني الذي يقود الحكومة، في مقابل هجمات أقل في مناطق نفوذ شريكه في الحكم الاتحاد الوطني بزعامة بافل طالباني، إذا ما جرى استثناء الهجمات التي استهدفت مقار المعارضة الكردية الإيرانية هناك".

ويضع نوح الحالة في إطار أوسع، إذ تمر حكومة الإقليم بمرحلة "ضعف سياسي وأمني" مقارنة بالأعوام الماضية نتيجة فشل الحزبين في تشكيل حكومة جديدة بعد مرور ما يقرب العامين على إجراء الانتخابات، وكذلك الانقسام المستمر على صعيد مؤسساتهما الأمنية، في وقت يقترب فيه موعد الانسحاب الأميركي قبل نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل. وأردف "هذا الوضع يجعل قدرة أربيل على مواجهة الهجمات محدودة، ويزيد الحاجة إلى معالجة الملف من خلال بغداد، بدلاً من تحويل الإقليم إلى طرف في مواجهة إيران".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تشتت في القرار الإيراني

ومن زاوية أخرى، يرى الباحث السياسي كفاح محمود أن الإقليم يتعامل تقليدياً مع محيطه وفق منطق الواقعية السياسية في عدم التورط بأية صورة في الصراع الإقليمي، وفي الوقت ذاته يعتقد أن طهران واقعة تحت ضغوط متزايدة، داخلياً وخارجياً، تدفع التيار المتشدد فيها إلى محاولة تحويل الأنظار نحو وجود خطر خارجي"، ويستشهد في "وجود تباين في أروقة المؤسسة الإيرانية نفسها، بين تيار متشدد وآخر أكثر استعداداً للتفاوض".

وفي خضم ردود الأفعال وتعدد القراءات برز تساؤل حول ما إذا كان توقيت الهجوم مرتبطاً بتسريبات نشرها موقع "أكسيوس" الأميركي، كشفت عن دور لعبه نيجيرفان بارزاني بين واشنطن وطهران. وفي هذا الجانب، يعتقد محمود أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شكك في قدرة الفريق الإيراني المفاوض مثل وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على اتخاذ قرارات ملزمة لغياب تفويض الحرس الثوري، مما دفع واشنطن للاستعانة بالقدرات الدبلوماسية لنيجيرفان بارزاني للتواصل مع الحرس الثوري، وهو ما قوبل بإيجابية من جانب أربيل لنزع فتيل التوتر. وعلى رغم ذلك، فإن التيار المتشدد داخل المؤسسة الإيرانية يسعى إلى عرقلة هذا المسار وفرض معادلات ضغط عبر المسيرات".

ويعزو الصحافي والكاتب الكردي كمال رؤوف أسباب انتهاج الإقليم سياسة متوازنة ضمن علاقاته مع المحيط "إلى عوامل مرتبطة بموقع الإقليم الجيوسياسي، وقد لعبت طهران في مراحل سابقة دور الوسيط بين أربيل وبغداد"، واستدرك "لكن يبدو أننا أمام ضغوط إيرانية تهدف إلى كسر سياسة الإقليم الحيادية ودفعه إلى الاصطفاف في الملفات الإقليمية".

تداخل معقد بين الملفات

من جهة أخرى، برزت شكوك في أن يكون الهجوم مرتبطاً بمحاولات وضع عراقيل أمام قرار حكومة الزيدي المتعلق بنزع أسلحة الفصائل والميليشيات بحلول نهاية سبتمبر المقبل، والموقف الكردي المساند للزيدي، تزامناً مع صدور موقف أكثر تشدداً من "كتائب حزب الله" العراقية عقب الهجوم الأخير على أربيل، معلنة شروطاً جديدة لتسليم سلاحها، تضمنت إخراج القوات الأميركية والتركية، و"تحرير القرار السياسي والاقتصادي" من الهيمنة الأميركية، إضافة إلى الدعوة إلى حل قوات البيشمركة في الإقليم الكردي.

وفي هذا الشأن، يقول المحلل السياسي دلشاد أنور إن "اقتراب موعد سبتمبر المرتبط بملف سلاح الفصائل، يجعل احتمال تصاعد التوتر متوقعاً"، ويشير إلى "أن توسيع دائرة الاضطراب قد يكون جزءاً من استراتيجية تهدف إلى عرقلة عملية نزع السلاح وإبقاء العراق منشغلاً بأزمات أمنية متتالية، ولا يجب التغافل عن الموقف الصريح لأربيل في دعمها لمشروع حكومة الزيدي في نزع سلاح الفصائل".

ويكشف إحصاء للهجمات منذ بدء الحرب عن تعرض الإقليم إلى أكثر من 980 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيرة، أسفرت عن مقتل 32 شخصاً وإصابة 156 آخرين. وسجلت محافظة أربيل وحدها أكثر من 670 هجوماً، في مقابل هجمات أقل قدرت بـ270 في السليمانية حيث مركز نفوذ حزب "الاتحاد"، مما يعني أن الإقليم يواجه ضغطاً أمنياً متراكماً، وأن الهجوم الأخير جاء في سياق أوسع خلف وراءه مؤشرات على أنه بات جزءاً من حسابات دول المنطقة. وللوقوف عند هذا التصعيد، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالاً هاتفياً بكل من مسرور بارزاني ونيجيرفان بارزاني، وبرز صدور مواقف إدانة من الأميركيين وحلفائهم، وكذلك اتصال أجراه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مع مسرور.

ويتفق المحلل محمود أن الهجوم قد يكون نوعاً من الضغط على الشخصيات التي دعمت مشروع الزيدي، غير أنه في الوقت ذاته يضع المسؤولية السياسية الأكبر على الحكومة الاتحادية، كون بغداد تملك أدوات دستورية وسياسية وأمنية أكبر للحد من الهجمات والضغط على الأطراف المسلحة، بخلاف قراءة المحلل سامان نوح في عدم التسرع لربط موقف أربيل مع ملف الفصائل بالنظر إلى "تأييد غالبية قوى ’الإطار التنسيقي‘ لحكومة الزيدي ومبدأ حصر السلاح، بما فيها قوى تعد أكثر تشدداً داخل الإطار"، منوهاً إلى أن "تفسير الهجوم بهذه الزاوية وحدها لا يكفي، وأن تداخل الملفات الإيرانية والعراقية والإقليمية يجعل تحديد الدافع النهائي أكثر تعقيداً".

خيارات الحد من الهجمات

ويكشف هذا المشهد المعقد عن بعد آخر يمكن في المخاوف الكردية وغياب الضمانات التي تمنع مستقبلاً من استخدام شعار حصر السلاح بصورة انتقائية، بحيث يطاول قوات البيشمركة أيضاً، كذلك أنه وفق المعطيات، فإن التحدي أمام أربيل لا ينحصر بالجانب العسكري فحسب، بل في البيئة السياسية التي تسمح باستمرار الهجمات، وإيجاد مفتاح للحلول من اتجاهات عدة، عبر بوابة التنسيق مع بغداد، وفي توحيد القرار السياسي والأمني في البيت الكردي، قبل أن يتحول الإقليم إلى ساحة للصراع.

وتبقى الفرضيتان الأكثر حضوراً في القراءات التي تدور حول الرسالة الإيرانية، وهي محاولة الضغط على قيادة الإقليم لكبح موقفها من مشروع حصر السلاح، أو أن يكون الهجوم جزءاً من صراع أوسع داخل الإقليم والمنطقة تتداخل فيه إيران والفصائل العراقية والولايات المتحدة، لكن في المحصلة فإن الهجوم يضع أربيل أمام اختبار أشد صعوبة في النأي عن التورط كطرف في الحرب الدائرة، وإنهاء ملف أزمتها السياسية الداخلية، وكذلك انتهاج صيغة متوازنة لإدارة خلافاتها مع الحكومة الاتحادية في بغداد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير