ملخص
وفق مجلس الوزراء المصري فقد زاد معدل الإشاعات التي جرى رصدها خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 113 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وتصدر الاقتصاد وخدمات الطاقة والتموين المراكز الثلاثة الأولى في القطاعات التي ارتبطت بها الإشاعات.
تتجه مصر إلى تعديل تشريعي بشأن مواقع التواصل الاجتماعي، وسط اهتمام حكومي بما تصفه باستخدامات سلبية لتلك المواقع تؤدي إلى أضرار اقتصادية واجتماعية، فيما تؤكد الحكومة في الوقت ذاته حرصها على احترام حرية التعبير، بما يثير تساؤلات بشأن الصيغة التي قد تخرج عليها التعديلات المنتظرة.
دعت وزارة الدولة للإعلام المواطنين وصناع المحتوى والمؤثرين إلى "الإسهام في بناء فضاء رقمي مصري أكثر أماناً ومسؤولية" بحسب تعبيرها في بيان، وذلك من خلال تحري الدقة قبل النشر أو المشاركة، واحترام خصوصية الأفراد والأسر، صون قيم المجتمع المصري، وعدم اتخاذ التشهير أو التنمر أو إثارة الإشاعات وسيلة لجذب المشاهدات. ولوحت الوزارة باللجوء إلى الجهات القضائية لمواجهة المخالفات وفقاً للقانون، وذلك بعد إطلاق تعاون بين وزارتي الاتصالات والإعلام لرصد "المخالفات التي تهدد أمن المجتمع أو تعتدي على حقوق أفراده وقيمه ومواجهتها" من خلال الآليات التكنولوجية.
ومنذ أيام عقد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي اجتماعاً، كشف خلاله عن رصد الحكومة حالات للخروج عن القوانين المنظمة لمواقع التواصل الاجتماعي، بما يخالف "القيم المجتمعية والعادات والتقاليد المصرية"، إضافة إلى اختلاق إشاعات وأكاذيب تضر بالمجتمع و"تثير البلبلة في نفوس المواطنين"، فضلاً عن إضرارها بالاقتصاد الوطني.
وخلال الاجتماع، قال وزير الاتصالات رأفت هندي إنه تم استحداث وحدة في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لرصد حالات التلاعب بمقاطع الفيديو والصور "بهدف السعي إلى اختلاق أمور غير حقيقية تؤدي إلى تبني مواقف معينة من جانب الجمهور"، مؤكداً الحاجة إلى إجراء تعديلات تشريعية لمواجهة هذه الممارسات السلبية.
زيادة الإشاعات
الاجتماع جاء بعد أسبوع من إعلان المركز الإعلامي لمجلس الوزراء عن زيادة معدل الإشاعات التي جرى رصدها خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 113 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، حيث تصدر الاقتصاد وخدمات الطاقة والتموين المراكز الثلاثة الأولى في القطاعات التي ارتبطت بها الإشاعات.
وبحسب بيانات رسمية، يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي في مصر نحو 54.3 مليون مستخدم، يتصدرها موقع "فيسبوك" مستخدم، ويليه "تيك توك" بفارق ضئيل.
واعتبر وزير العدل المستشار محمود الشريف أن العلاج التشريعي للممارسات المغلوطة على مواقع التواصل الاجتماعي يتمثل في تغليظ العقوبة بزيادة الغرامات المالية في القوانين المنظمة، فيما دعا وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان إلى سرعة البت في قضايا المخالفات على وسائل التواصل أو التي تتضمن اعتداء على "قيم المجتمع".
قانون جديد
وأعلن رئيس الوزراء في مؤتمر صحافي لاحقاً أن الحكومة أعدت مسودة قانون جديد لمواجهة وتعديلات على القوانين الحالية "لتمكين الدولة من مواجهة الفيديوهات والممارسات التي تسيء للمجتمع"، معتبراً أن تلك الممارسات لا تندرج ضمن حرية التعبير، مشيراً إلى أن الحكومة اطلعت على التجارب الدولية الأخرى، وتراجع مسودة القانون حالياً، تمهيداً لتقديمها إلى مجلس النواب مع بدء دور الانعقاد التشريعي الجديد في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
ويختص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر عام 2018 بالمخالفات على مواقع التواصل، وينص على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه (1003 إلى 2007 دولارات)، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من "اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة".
إلا أن التشريعات الحالية ليست كافية لمواجهة أخطار استخدام الذكاء الاصطناعي في التلاعب بالوعي، وفق دراسة لنائب رئيس محكمة النقض المستشار عادل ماجد، نشرها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء. وحذرت الدراسة من "استغلال الجهات المعادية لتقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التحكم في العواطف لتبث مشاعر الإحباط، وتُفكك قيم الأسرة والمجتمع، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي من خلال التكرار والسخرية والتطبيع مع الأفكار المرفوضة".
وأشارت الدراسة إلى أن القوانين الحالية غير كافية وحدها لمواجهة أخطار الذكاء الاصطناعي، وطالب نائب رئيس محكمة النقض بتشريع جديد يتضمن حظراً صريحاً لأنظمة التلاعب السلوكي والإدراكي، ويضع حماية خاصة مشددة للأطفال والشباب.
تنظيم صناعة المحتوى
دعا خبير الإعلام الرقمي رامي المليجي، إلى ضرورة إعادة تنظيم سوق شبكات التواصل الاجتماعي في مصر من خلال سن ضوابط تشريعية وقانونية صارمة، تعامل هذه المنصات بوصفها وسائط إعلانية وإعلامية تُطبق عليها المعايير المهنية، للحد من ظاهرة التزييف الشائعة ونشر الأخبار الكاذبة وعمليات الانتحال.
وأوضح المليجي لـ"اندبندنت عربية" أن التطورات المتسارعة تتطلب شقين رئيسين للتنظيم: إعلامي ومالي، مشيراً إلى أن تنظيم نشاط صناع المحتوى ومقدمي البث المباشر أصبح ضرورة عالمية، سواء عبر إصدار تصاريح ممارسة ومزاولة نشاط، أو من خلال إنشاء نقابة مستقلة أو ضمهم لنقابة قائمة، بهدف تنظيم المهنة وضبط التدفقات المالية الناتجة عن الأرباح والإعلانات لضمان شفافيتها ونزاهتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكد الخبير الرقمي أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر هو الجهة المنوط بها إدارة هذا الملف، غير أن القوانين الحالية بحاجة إلى تحديث مستمر لاستيعاب المستجدات التكنولوجية المتلاحقة. وأضاف أن شركات منصات التواصل الاجتماعي الكبرى يجب أن تخضع للقوانين المصرية في عملها داخل الدولة، أسوة بما هو معمول به في عديد من التكتلات والدول؛ مثل الاتحاد الأوروبي وأستراليا التي فرضت قوانينها الخاصة، مشيراً إلى أن المنطقة العربية تشكل كتلة مستخدمين ضخمة تمنح الدول حق التفاوض مع هذه الشركات لفرض الالتزام بالتشريعات المحلية، وإيجاد آلية تواصل سريعة ومباشرة بين الحكومات وإدارات المنصات لإزالة المحتوى المخالف أو الضار بالمجتمع.
الالتزام بالقانون المصري
وانتقد المليجي اعتماد المنصات العالمية على تصنيفات واستثناءات مستمدة أساساً من التشريعات والقوانين الأميركية في تحديد المحتوى الحساس أو إغلاق الحسابات، مؤكداً أن المعيار الأساس للتقييم واتخاذ إجراءات حظر المحتوى داخل مصر يجب أن ينطلق من نص القانون المصري والأحكام القضائية الوطنية، مؤكدًا أن تقييد المحتوى بناء على حكم قضائي وآلية حوكمة واضحة لا يمثل انتهاكاً لحرية التعبير، بل يحمي الحريات العامة من صور الفوضى والقرارات العشوائية التي تخضع لأهواء إدارة المنصات.
وبعد يوم من حديث رئيس الوزراء عن مسودة القانون الذي تعده الحكومة، أعلن حزب الشعب الجمهوري إعداد مشروع قانون يهدف إلى التعامل مع الجرائم الرقمية المستحدثة، مثل التزييف العميق والابتزاز الإلكتروني، إضافة إلى تنظيم عمل المنصات وصناع المحتوى، مع الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والحقوق التي يكفلها الدستور.
وعلى رغم تأكيد رئيس الوزراء احترام حرية التعبير والترحيب بمختلف الآراء، فإن الحديث عن سن تشريعات جديدة لتنظيم مواقع التواصل أثار مخاوف من التضييق على الحريات.
تنظيم أم منع؟
وعلق رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس على خبر مشروع القانون الذي يعده حزب الشعب الجمهوري بالإعراب عن أمله في أن التنظيم لا يعني التدخل أو المنع، مضيفاً في حسابه على منصة "إكس" أن "التواصل الاجتماعي آخر نوافذ الحرية والتفاهم الباقية".
واعتبرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (مجتمع مدني) إعلان الحكومة عن مسارين لتغليظ التشريع ومراقبة المحتوى على منصات التواصل أنها تحركات "تثير القلق"، إذ قد تقود المراجعة التشريعية إلى استحداث جرائم مبنية على تعبيرات فضفاضة مثل "العادات والتقاليد المصرية" و"القيم المجتمعية" و"السلم المجتمعي"، أو إلى تشديد عقوبات نصوص قائمة تقيد حرية التعبير. أما المسار المؤسسي فقد يحول الوحدة إلى جهاز دائم يراقب المحتوى ويصنف الحسابات ويجمع البيانات ويحيل الأشخاص إلى جهات التحقيق، من دون معايير معلنة أو أمر قضائي أو رقابة مستقلة أو أساس تشريعي، وذلك بحسب تعبير المنظمة الحقوقية في تقرير على موقعها.
وترى وكيلة لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب مها عبدالناصر، أن مشروع قانون تنظيم استخدام منصات التواصل الاجتماعي، يجب أن يضع ضوابط واضحة للمحتوى المخالف، ويحافظ في الوقت ذاته على الحقوق الدستورية للمستخدمين، مشددة في تصريحات صحافية على ضرورة عدم التوسع في العقوبات السالبة للحرية، وقصرها على حالات التكرار، أو المخالفات الجسيمة.
"القوانين الحالية تكفي"
بينما ترفض أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة سهير عثمان، دعوات إصدار تشريعات جديدة أو تغليظ العقوبات القائمة، مؤكدة أن الادعاء بالحفاظ على حرية التعبير في ظل سن قوانين جديدة هو طرح غير منطقي، كون المنصات الرقمية وُجدت أساساً كفضاء بديل ومتنفس للمواطنين للتعبير عن آرائهم بعيداً من قيود الإعلام التقليدي.
وأوضحت عثمان لـ"اندبندنت عربية" أن محاولات التقنين لن تمنع العشوائية الموجودة على منصات مثل "تيك توك" و"فيسبوك"، التي يدفعها الشغف السريع بالربح المالي وغياب الوعي، مشيرة إلى أن الراغبين في التجاوز سيجدون دائماً ثغرات جديدة. وشددت على أن الأولوية يجب أن تكون لإنشاء حملات توعية شاملة تبدأ من المدارس، بدلاً من إهدار الجهود الحكومية في سن تشريعات مكررة.
وأكدت أستاذة الإعلام أن المنظومة التشريعية الحالية في مصر تتضمن بالفعل مواد صريحة تجرم كافة التجاوزات الرقمية؛ كالتنمر والسب والقذف، والتحريض ونشر المحتوى الخادش للحياء وخطاب الكراهية، كما أن الآليات الأمنية والقانونية الحالية تعمل بفاعلية، حيث تتدخل وزارة الداخلية سريعًا للقبض على المتجاوزين فور الإبلاغ عنهم، مما ينفي الحاجة لسن قوانين إضافية قد تُستغل في تقييد حرية التعبير الملتزمة بالقانون والأخلاق.
حرية تداول المعلومات
وفسرت عثمان التوجه الحكومي الراهن نحو التشريع بأنه محاولة لمواجهة القفزة الكبيرة في الإشاعات، مشيرة إلى التقرير الأخير لمجلس الوزراء الذي كشف عن ارتفاع معدل انتشار الإشاعات خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 113 في المئة، لا سيما في القطاعات الحيوية كالاقتصاد والطاقة.
وأرجعت هذا الارتفاع الحاد إلى تقصير المؤسسات الحكومية في الرد السريع على الإشاعات وتأخر تصريحاتها الرسمية، مؤكدة أن الحل الفعلي المستدام لا يكمن في فرض قوانين جديدة، بل في إصدار قانون حرية تداول المعلومات المُعطل منذ سنوات؛ إذ إن توفير المعلومة الدقيقة للرأي العام والإعلاميين هو الكفيل بقطع الطريق على الإشاعات وتحديث وعي المجتمع تلقائياً، وفق تعبيرها.
وسبق التحرك الحكومي الأخير محاولات أخرى لسن تشريعات جديدة لتنظيم مواقع التواصل، حيث تقدم أكثر من 60 عضواً بمجلس النواب بمشروع قانون في أبريل (نيسان) الماضي، ينص على تنظيم منصات التواصل الاجتماعي الدولية العاملة في مصر، وإنشاء منصة وطنية للتواصل الاجتماعي، وتضمنت العقوبات حجب المنصات المخالفة، حجباً كاملاً في حال عدم الالتزام، أو موقتاً لحين إزالة المحتوى المخالف، مع فرض غرامات تصل إلى 100 ألف دولار وتضاعف عند التكرار.
التعاون مع المنصات الحل الأمثل
ومن الناحية التقنية يرى استشاري نظم المعلومات والأمن السيبراني محمد عسكر، أنه لا يوجد حل واحد قادر على ضبط المحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي لأن هذه المنصات تنتج مليارات المنشورات يومياً وتعتمد على بنية تحتية موزعة في عشرات الدول لذلك فإن أفضل الممارسات عالمياً تقوم على الجمع بين التكنولوجيا والتشريعات والتعاون مع الشركات المالكة للمنصات.
وقال عسكر إلى "اندبندنت عربية" إنه يمكن للدولة إنشاء منظومة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل المحتوى العام ورصد الحسابات الوهمية وحملات التضليل المنظمة واكتشاف الأنماط غير الطبيعية مثل النشر المتكرر من آلاف الحسابات في توقيت واحد أو استخدام شبكات الروبوتات الرقمية للتأثير على الرأي العام. مؤكداً أن الحل الأكثر تأثيراً على المدى الطويل هو تعزيز التعاون المباشر مع الشركات المالكة للمنصات العالمية مثل "ميتا" و"غوغل" و"تيك توك" و"إكس" لأن هذه الشركات تمتلك القدرة التقنية على إزالة المحتوى المخالف أو تعطيل الحسابات المسيئة أو الحد من انتشارها بسرعة أكبر من أي جهة خارجية، واستدرك أن فعالية هذا التعاون تختلف من شركة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى وقد تتأثر بالقوانين المحلية وسياسات الخصوصية والاختصاص القضائي.
واعتبر عسكر أن ما طرحته الحكومة يعكس إدراكاً متزايداً لتأثير منصات التواصل الاجتماعي في الأمن القومي والاقتصاد والرأي العام، وبخاصة مع التطور الكبير في أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج مواد قد تستخدم في حملات التضليل والتشهير والاحتيال الإلكتروني.
وأشار المتخصص في الأمن السيبراني إلى ضرورة مراعاة وضع تعريفات قانونية دقيقة عند إعداد أي تشريع، وبخاصة لمصطلحات مثل المحتوى الضار أو مخالفة القيم، مشيراً إلى أن مراقبة المحتوى على المنصات العالمية ليست عملية سهلة من الناحية التقنية لأن معظم هذه المنصات تعمل خارج الحدود الوطنية وتعتمد على سياسات تشغيل وقوانين دولية خاصة بها، وهو ما يجعل نجاح أي تنظيم مرتبطاً أيضاً بقدرة الدولة على التعاون مع الشركات المالكة لهذه المنصات.