ملخص
أدرجت روسيا مطالبها في وثيقة من 28 نقطة قبل أن تخفضها إلى 19، صاغتها واشنطن عقب مفاوضات منفصلة مع كييف وموسكو، وفيما لم تُنشر الوثيقة رسمياً، فقد انهارت المحادثات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية مطلع عام 2026، على خلفية التباين بصورة أساس في شأن مسألة الأراضي.
استضاف دونالد ترمب نظيره فلاديمير بوتين على الأراضي الأميركية في ألاسكا في أغسطس (آب) 2025، بهدف التوسط لإنهاء الهجوم الروسي على أوكرانيا، لكن خلال العام الذي انقضى منذ عقد تلك القمة، تلاشت الجهود الدبلوماسية وتصاعدت حدة النزاع.
وعلى مدى شهور احتفى المسؤولون الروس بـ "روح أنكوراج"، حيث عقدت القمة في الـ15 من أغسطس، متحدثين عن مناخ من الانفراج، واستئناف الحوار مع واشنطن، وإطار عمل للبحث عن مخرج للحرب في أوكرانيا، أكثر النزاعات دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن كل ذلك أصبح سراباً، فجهود الوساطة بين موسكو وكييف متوقفة تماماً، في وقت يكثف البلدان هجماتهما التي تحصد أعداداً متزايدة من المدنيين، تفوق ما سُجل خلال فترات النزاع، باستثناء أشهره الأولى.
إنهاء الحرب
مضى ترمب في صيف ذلك العام عكس سياسة الدول الغربية القائمة على عزل بوتين منذ قراره إرسال القوات الروسية الى أوكرانيا في الـ 24 من فبراير (شباط) 2022، وفرش له السجادة الحمراء في قاعدة عسكرية جوية في ولاية ألاسكا، فيما لم يتضح ما جرى الاتفاق عليه أو مناقشته خلال الاجتماعات المغلقة، فروسيا تصر على أنه جرى التوصل إلى نوع من التفاهم حول اتفاق سلام أو مقترح تسوية، كما سمّاه وزير خارجيتها سيرغي لافروف، لكن الولايات المتحدة رفضت أي حديث عن اتفاق، وقال وزير خارجيتها ماركو روبيو في يونيو (حزيران) الماضي "كان هناك مقترح في ألاسكا لكن لم يكن هناك اتفاق، ولو كنا توصلنا إلى اتفاق لكانت الحرب انتهت".
ويقول المحلل السياسي سيرغي ماركوف، الذي صنفته روسيا عميلاً أجنبياً لكنه يبقى مقرباً من السلطات، إن "موسكو كانت تأمل بأن تؤسس القمة لسلام دائم عبر معالجة الأسباب الجذرية للحرب"، وخلال الأعوام التي سبقت اندلاع النزاع، دعت روسيا الى اتفاق أمني شامل جديد مع الولايات المتحدة حول أوروبا وحلف شمال الأطلسي وضبط التسلح، ويقول ماركوف لوكالة الصحافة الفرنسية إن التسوية التي طرحتها روسيا في ألاسكا تمثلت في حصر مطالبها الميدانية في أوكرانيا بمنطقة دونباس شرق البلاد، في مقابل اعتراف واشنطن بالحدود الجديدة ورفع العقوبات.
كسب الوقت
أدرجت روسيا مطالبها في وثيقة من 28 نقطة قبل أن تخفضها إلى 19، صاغتها واشنطن عقب مفاوضات منفصلة مع كييف وموسكو، وفيما لم تُنشر الوثيقة رسمياً فقد انهارت المحادثات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية مطلع عام 2026، على خلفية التباين بصورة أساس في شأن مسألة الأراضي، إذ ترفض أوكرانيا التنازل عن الأراضي التي لا تزال تسيطر عليها، وتطالب بوقف فوري لإطلاق النار على طول خط الجبهة، على أن يُبت في وضع الأراضي خلال مفاوضات للتوصل إلى اتفاق شامل.
ومنذ أواخر فبراير الماضي انصرف اهتمام الولايات المتحدة إلى الحرب في الشرق الأوسط التي بدأتها من خلال الهجوم مع إسرائيل على إيران، ومنذ ذلك الحين فرض ترمب عقوبات جديدة على روسيا، وانتهت مدة آخر اتفاق قائم للحد من الأسلحة النووية، أي معاهدة "نيو ستارت"، من دون تجديد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعدما لمست روسيا وجود نافذة للضغط من أجل تحقيق مطالبها، وقامت بمحاولات في هذا السياق، شملت الإشادة بجهود ترمب، فقد بدأت في الآونة الأخيرة التشكيك علناً في التزام واشنطن بالدبلوماسية، وقال لافروف في يونيو الماضي "لا أريد أن أتخيل أن قمة ألاسكا كانت بغرض كسب الوقت من أجل تعزيز القدرات العسكرية لأوكرانيا".
وفي يوليو (تموز) الماضي عقد لافروف وروبيو لقاء في مانيلا، كان الأول لهما منذ سبتمبر (أيلول) 2025، ودام 30 دقيقة فقط، وشدد روبيو بعد ذلك على الحاجة إلى طرح مقترحات وأفكار جديدة يمكن لموسكو وكييف الموافقة عليها، وإن أقر بأن ذلك سيتطلب كثيراً من العمل.
لكن كل طرف يطرح شروطاً متعارضة مع السلام، فروسيا تطالب بأراض وتنازلات سياسية وعسكرية، وهو ما ترفضه أوكرانيا وتعتبره استسلاماً، وفي الوقت ذاته يعتقد الطرفان أن القوة العسكرية قد تحسن موقفهما التفاوضي، وقال رئيس أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيموف لبوتين خلال اجتماع متلفز مطلع يوليو (تموز) الماضي، إن القوات الروسية "ستواصل مهمتها لتحرير دونباس ونوفوروسيا وفقاً للخطة المعتمدة"، في إشارة إلى أراض في شرق وجنوب أوكرانيا.
وفي المقابل، تعول كييف على حملة الضربات بعيدة المدى لترجيح الكفة والضغط على اقتصاد روسيا ومجتمعها، إذ تسببت هجماتها في أزمة وقود خلال الصيف، وأجبرت السلطات الموالية لموسكو في شبه جزيرة القرم على إعلان حال طوارئ محلية، ورداً على ذلك كثفت روسيا هجماتها الصاروخية على كييف مما أسفر عن مقتل العشرات في منطقة العاصمة الأوكرانية خلال الأسابيع الأخيرة، وعطلت صادرات أوكرانيا عبر البحر الأسود من خلال ضربات استهدفت الموانئ والسفن، وقال المحلل السياسي الروسي فيودور لوكيانوف، المقرب من السلطات، في أغسطس الجاري، إن "روح أنكوراج تلاشت، وأن ذلك يسفر عن تصعيد وحشي في النزاع".