Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يتحول إنفاق الذكاء الاصطناعي البالغ 745 مليار دولار إلى فقاعة؟

تراجع التدفقات النقدية والاعتماد المتزايد على الديون يثيران مخاوف المستثمرين

شركات التكنولوجيا الكبرى تضاعف استثماراتها في مراكز البيانات والبنية التحتية (رويترز)

ملخص

تتجه شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى إلى إنفاق نحو 745 مليار دولار هذا العام على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في أكبر موجة استثمارية من نوعها في تاريخ الاقتصاد الحديث. 

تدخل طفرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مرحلة اختبار حاسمة، بعدما تحولت الاستثمارات التي تقودها أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية إلى واحدة من أضخم موجات الإنفاق الرأسمالي في التاريخ، فيما يزداد قلق المستثمرين بشأن قدرة هذه الشركات على تحقيق العوائد التي تبرر هذا الإنفاق الهائل.

وبعد أحدث نتائج فصلية للشركات الكبرى، من المتوقع أن يصل الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا العملاقة الأربع، وهي "ألفابت" و"أمازون" و"ميتا" و"مايكروسوفت"، إلى نحو 745 مليار دولار خلال العام الحالي، أي أكثر من ضعف ما أنفقته في العام الماضي.

ويمثل ذلك تحولاً كبيراً بالنسبة إلى شركات كانت تعتمد تاريخياً على نماذج أعمال كثيفة الأرباح وقليلة الاحتياجات الرأسمالية نسبياً، ومع ذلك، يتوقع محللون استمرار ارتفاع الإنفاق خلال الأعوام المقبلة.

وبحسب مؤسسة "أبولو"، من المتوقع أن يعادل الإنفاق الرأسمالي لشركات "ألفابت" و"أمازون" و"ميتا" و"مايكروسوفت"، إلى جانب أوراكل، نحو ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمال الأميركي سنوياً بين عامي 2027 و2029، مقارنة بنحو 2.4 في المئة خلال العام الحالي و1.4 في المئة العام الماضي.

ويثير حجم هذه الاستثمارات قلق المستثمرين، خصوصاً مع اعتماد الشركات بصورة متزايدة على الديون لتمويل توسعها، في وقت تتراجع فيه أرصدتها النقدية.

400 مليار من القروض لبناء مراكز البيانات

اقترضت شركات التكنولوجيا العملاقة أكثر من 400 مليار دولار خلال العام الحالي لتمويل بناء مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، عادت شركة "أبل" إلى دائرة اهتمام المستثمرين بعدما عوقبت قبل عامين بسبب اتباعها نهجاً أقل كثافة في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وارتفع سهمها بنحو 15 في المئة منذ بداية العام.

وحققت الشركات التي توفر أشباه الموصلات والخوادم ومعدات الشبكات اللازمة لتشغيل مراكز البيانات مكاسب كبيرة، وهي الشركات التي يطلق عليها في "وول ستريت" اسم "المجارف والمعاول" التي تبيع الأدوات اللازمة لطفرة الذكاء الاصطناعي.

لكن حتى هذه الشركات بدأت تتعرض لضغوط خلال الأسابيع الأخيرة، مع تزايد التساؤلات بشأن استدامة الطفرة.

وفي الشهر الماضي، تراجع مؤشر أشباه الموصلات بأكثر من 20 في المئة، مما أدى إلى محو نحو 2.2 تريليون دولار من القيمة السوقية.

وقالت الرئيسة التنفيذية لشركة "سيتي غروب" جين فريزر، خلال زيارة إلى لندن هذا الأسبوع، إن السوق تمر بمرحلة "هشة للغاية"، مضيفة أن هذا القلق يتردد أيضاً لدى عملاء البنك.

نتائج الشركات تهدئ المخاوف موقتاً

في حين ساعدت أحدث نتائج الشركات الكبرى على تهدئة الأسواق، ولو بصورة موقتة، بعدما وجد المستثمرون دليلاً على أن جزءاً من الإنفاق الضخم بدأ يتحول بالفعل إلى إيرادات.

ويراقب المستثمرون بصورة خاصة قطاعات الحوسبة السحابية، باعتبارها مؤشراً مهماً إلى مدى توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، فالإيرادات الناتجة من تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وطلبات المستخدمين عليها تظهر في حسابات شركات مثل "أمازون" و"مايكروسوفت" و"ألفابت" ضمن إيرادات الخدمات السحابية.

وتراجع سهم "مايكروسوفت" بنحو 20 في المئة قبل إعلان نتائجها، لكنه ارتفع في اليوم التالي بما أضاف نحو 450 مليار دولار إلى قيمتها السوقية، في أكبر زيادة يومية في القيمة السوقية لشركة في التاريخ.

وقالت الشركة إنها أضافت 31 مركز بيانات جديدة في خمس قارات خلال ربع واحد، بما يعادل إضافة غيغاواط من القدرة الحاسوبية لكن الطلب من العملاء لا يزال يتجاوز الطاقة المتاحة.

وارتفعت إيرادات وحدة الحوسبة السحابية "أزور" بنسبة 43 في المئة، في أكبر نمو فصلي لها منذ أوائل عام 2022، وهو ما ساعد على تهدئة المخاوف بشأن الإنفاق الضخم للشركة، الذي يتوقع أن يبلغ نحو 175 مليار دولار هذا العام.

أما "أمازون"، فتجاوزت قيمتها السوقية 3 تريليونات دولار للمرة الأولى هذا الأسبوع، على رغم رفع الشركة توقعاتها للإنفاق الرأسمالي بمقدار 20 مليار دولار إلى 220 مليار دولار.

وجاء ذلك مدفوعاً بالنمو القوي في خدمات الحوسبة السحابية، إذ ارتفعت إيرادات "خدمات أمازون السحابية" بنسبة 37 في المئة على أساس سنوي.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة "أمازون"، آندي جاسي، إن هذا القطاع "يشهد ازدهاراً". وأضاف أن الشركة، حتى مع إنفاق 220 مليار دولار، لن تمتلك طاقة حوسبة كافية لتلبية الطلب المتوقع خلال عام 2026، مرجحاً استمرار الوضع نفسه في 2027، فيما وصف الطلب المتوقع لعام 2028 بأنه "لافت".

وقدّر فيفيك آريا، من "بنك أوف أميركا"، أن حجم الطلبات المتراكمة على خدمات الحوسبة السحابية لدى أكبر أربعة مزودين، بينهم "غوغل كلاود" و"أوراكل"، ارتفع 16 في المئة خلال ربع واحد، ليتجاوز حالياً 2.3 تريليون دولار.

وقال آريا لصحيفة "التايمز" إن القدرة الحاسوبية لا تزال محدودة مقارنة بالطلب، مضيفاً أن شركات التكنولوجيا العملاقة تواصل زيادة استثماراتها في الطاقة الاستيعابية، مدعومة بالتزامات العملاء وتسارع مبيعات خدمات الذكاء الاصطناعي.

شكوك أكبر تجاه "ميتا"

لكن المستثمرين أكثر تشككاً تجاه الشركات التي لا تمتلك نشاطاً ضخماً في الحوسبة السحابية، إذ تراجعت أسهم شركة "ميتا" بنحو ثمانية في المئة خلال يوم واحد الأسبوع الماضي، بعدما أعلنت توقعات مخيبة للإيرادات وسجلت أدنى مستوى للتدفقات النقدية الحرة منذ سنوات، في الوقت الذي ترفع فيه استثماراتها في مراكز البيانات والنظارات الذكية ،كما انخفض سهم الشركة بأكثر من 10 في المئة منذ بداية العام.

من جانبها دافعت المديرة المالية لشركة "ميتا"، عن الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، قائلة إن القطاع لم يستثمر تاريخياً بما يكفي لمواجهة موجة الطلب الحالية، وهو ما جعل الطاقة الاستيعابية القائمة ذات قيمة كبيرة.

وأضافت أن سلاسل الإمداد ستحتاج على المدى الطويل إلى التوسع لتوفير القدرة التي تتوقع الشركة وغيرها من الشركات حاجتها إليها لتطوير تجارب تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ارتفاع الإنفاق يضغط على التدفقات النقدية

لا تقتصر المخاوف على حجم الإنفاق نفسه، بل تمتد إلى قدرة الشركات على تمويله من مواردها الداخلية ،إذ تراجعت التدفقات النقدية التشغيلية لدى شركات التكنولوجيا العملاقة إلى أدنى مستوياتها منذ عقد، في وقت تضطر الشركات إلى اللجوء بصورة متزايدة إلى أسواق الديون والأسهم لتمويل استثماراتها المستقبلية.

وسجلت "ألفابت" تدفقاً نقدياً سلبياً خلال الربع الأخير للمرة الأولى في تاريخها، وهو ما ضغط على سهمها.

وقال مدير المحافظ الاستثمارية الأول لدى شركة "سينوفوس"، دانيال مورغان، إن "وول ستريت" أصبحت أكثر تشككاً، لأن هذه الشركات كانت في السابق قادرة على توليد تدفقات نقدية تشغيلية تكفي لتمويل نفقاتها الرأسمالية.

وأضاف أن الشركات أصبحت الآن مضطرة إلى اللجوء إلى أسواق الديون والأسهم، وهو ما يزيد الأخطار على ميزانياتها، خصوصاً في ظل عدم وضوح الزيادة الملموسة في المبيعات والأرباح التي يمكن ربطها مباشرة بهذا الإنفاق الضخم.

وفي تقرير حديث، قدرت شركة "بانمور ليبروم" أن شركات التكنولوجيا العملاقة بحاجة إلى مضاعفة إيراداتها أربع مرات، من دون زيادة ملموسة في الكلفة، حتى تتمكن من تبرير حجم الاستثمارات الحالية.

وخلص معدا التقرير يواخيم كليمنت وفرانسيسكا ريس، إلى أن طفرة مراكز البيانات بأكملها تبدو كأنها "بيت من ورق".

هل تحقق الاستثمارات عوائد كافية؟

تأتي طفرة الإنفاق أيضاً في وقت لا تزال الشركات تحاول فهم النموذج الاقتصادي للذكاء الاصطناعي، إذ خفضت شركة "أوبن أي آي" أسعار خدماتها بصورة كبيرة خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تزايد التدقيق في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي داخل الشركات، إلى جانب اشتداد المنافسة من النماذج مفتوحة المصدر الأرخص التي يمكن تشغيلها محلياً بدلاً من الاعتماد على الحوسبة السحابية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويثير ذلك سؤالاً أساساً: هل سيولد الذكاء الاصطناعي بالفعل إيرادات كافية لتبرير مئات المليارات التي تنفق حالياً على مراكز البيانات والرقائق والطاقة؟

وتبدو المبيعات الحالية مركزة بدرجة كبيرة لدى عدد محدود من العملاء. وأظهر إفصاح من "مايكروسوفت" الأسبوع الماضي أن الشركة حققت مبيعات بقيمة 24.1 مليار دولار من "أوبن أي آي" خلال السنة المنتهية في يونيو (حزيران) الماضي.

وبحسب تحليل لوكالة "بلومبيرغ"، شكلت "أوبن أي آي" أكثر من نصف مبيعات "مايكروسوفت" الفعلية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

خطر تحول الطفرة إلى ركود

وتثير هذه المعطيات مخاوف من أن تتحول موجة الاستثمار الحالية إلى دورة هبوط طويلة إذا لم ينم الطلب على الذكاء الاصطناعي بالسرعة المتوقعة.

وقال كبير الاقتصاديين في "أبولو" تورستن سلوك، إن دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تتسارع حالياً بنحو ضعف سرعة طفرة الإسكان في ذروتها قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وكانت أسرع فترة نمو في قطاع الإسكان بين عامي 2002 و2005، عندما ارتفع الإنفاق من 5.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 6.6 في المئة، بمعدل زيادة يبلغ نحو 0.5 نقطة مئوية سنوياً.

أما الإنفاق على مراكز البيانات وحدها، فمن المتوقع أن ينمو بنحو 0.85 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.

وحذر سلوك من أن دورة تنمو بهذه السرعة يمكن أن تنكمش بالوتيرة نفسها، معتبراً أن الخطر الاقتصادي الأكبر لا يتمثل في بناء البنية التحتية في حد ذاته، وإنما في احتمال حدوث انعكاس حاد إذا خيّب الطلب على الذكاء الاصطناعي الآمال.

وبذلك، تبدو طفرة الذكاء الاصطناعي أمام مفترق طرق: فمن جهة، تشير الزيادة الهائلة في الطلب على الحوسبة السحابية والقدرات الحاسوبية إلى أن الشركات لا تزال تكافح لتلبية احتياجات العملاء. ومن جهة أخرى، فإن اعتماد هذا التوسع على الديون وتراجع التدفقات النقدية وارتفاع كلفة البنية التحتية يجعل المستثمرين أكثر حساسية لأي تباطؤ في الطلب.

والسؤال الذي سيحدد مصير هذه الطفرة ليس حجم الاستثمارات التي تستطيع شركات التكنولوجيا إنفاقها، وإنما ما إذا كانت الإيرادات والأرباح الناتجة من الذكاء الاصطناعي ستنمو بالسرعة الكافية لتغطية هذه الاستثمارات الهائلة.

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة