Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاكمة بشار الأسد في دمشق... بداية العدالة أم اختبار لقوة القانون؟

يرى حقوقيون أن بدء المسار القانوني خطوة إيجابية لكن تواجهه تحديات كبيرة

تجمع شعبي أمام قصر العدل في دمشق مع بدء جلسات محاكمة عاطف نجيب، في الـ26 من أبريل الجاري (رويترز) 

ملخص

تمكنت وزارة الداخلية السورية أخيراً، من إلقاء القبض على أمجد يوسف أحد أهم المتهمين بارتكاب جرائم حرب في سوريا، فيما عقدت وزارة العدل في دمشق أول جلسة علنية لمحاكمة بشار الأسد غيابياً وعدد من رموز النظام السابق، وسط تساؤلات عن جدية مسار العدالة الانتقالية في سوريا التي تواجه تحديات لوجستية وقانونية واقتصادية، ولم تنته بعد من نفض غبار الحرب.

في مبنى "قصر العدل" وسط العاصمة السورية دمشق، ينادي القاضي بصوت مرتفع على "المتهم بشار حافظ الأسد"، لمحاكمته على جرائم الحرب، في مشهد كان أقرب للخيال من كونه حقيقة، لكن بالفعل عقدت الجلسة الأولى في دمشق لمحاكمة عدد من أبرز رموز النظام السابق على رأسهم بشار الأسد وأخوه ماهر غيابياً، وابن خالته عاطف نجيب حضورياً، وهذا الأخير هو المتهم الأول بتعذيب المتظاهرين في مدينة درعا عام 2011.

عقدت الجلسة، لكنها لم تصدر حكماً، وتأجلت حتى الـ10 من مايو (أيار) 2026، ولقيت القضية تفاعلاً واسعاً بين أوساط السوريين، بين مرحب يرى أنها بداية جدية لتحقيق العدالة الانتقالية والانتصار للضحايا، وبين أن يرى أن المحاكم السورية ليست مؤهلة قانونياً للبدء بهكذا محاكمات مصيرية، وبين طرف ثالث يرى أن الخطوة على رغم أهميتها إلا أنها متأخرة. في هذا التقرير ترصد "اندبندنت عربية" آراء الحقوقيين والقانونيين المختصين في هذه القضية، التي شغلت الرأي العام في سوريا.

وسبق بدء محاكمة رموز نظام الأسد، بيومين اعتقال المدعو أمجد يوسف، وهو الذي ظهر في تسجيلات مصورة يطلق النار على عشرات المدنيين في حفرة بحي التضامن بالعاصمة دمشق، في تسجيلات تعود لعام 2013، وهي مجزرة شهيرة وثقتها عدسات مرتكبيها، ولقيت صدى دولياً، إذ فرضت الولايات المتحدة ودول أوروبية عقوبات على يوسف ومعاونيه، وحظي خبر إلقاء القبض على المتهم الأول بالمجزرة بترحيب محلي وإقليمي ودولي.

كما أعلن وزير الداخلية السوري أنس خطاب عبر منصة "إكس" أمس الأربعاء أن "اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية في عام 2013، بات اليوم في قبضة إدارة مكافحة الإرهاب".

سوريا بين السلم الأهلي والمحاسبة

وقال الباحث في مركز دراسات سوريا المعاصرة محمد السكري إن "اعتقال أمجد يوسف يمثل لحظة مهمة جداً في سياق البدء الحقيقي بمسار العدالة الانتقالية، ويعكس تفاعلاً من الحكومة السورية مع هذا الملف، سواء نتيجة ضغوط شعبية أم إدراك متزايد بضرورة التعامل الجدي معه، لأن الحديث عن السلم الأهلي من دون عدالة انتقالية لم يسهم في تحقيق الاستقرار". وأضاف السكري أن "تحقيق السلم الأهلي يتطلب بالضرورة مساءلة قانونية ومجتمعية، إذ لا يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية من دون محاسبة، كما أن الحالة السورية أكثر تعقيداً من تجارب دول أخرى، مما يحتم تحويل العدالة الانتقالية من عبء إلى ضرورة لبناء الدولة".

وتابع الباحث أن "طبيعة العنف في سوريا كانت مركبة، بمشاركة أطراف داخلية وخارجية، مما يفرض مساراً طويلاً من التحقيقات وإعادة بناء المنظومة القانونية، خصوصاً وأن القوانين الحالية لا تعالج بصورة كافية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية".

وأشار إلى أن "هذا المسار ليس سورياً خالصاً، بل يتطلب تعاوناً دولياً، نظراً إلى وجود متهمين خارج البلاد، كما أن تجارب دول مثل الأرجنتين وجنوب أفريقيا ورواندا تؤكد أن المحاكمات قد تستمر لعقود، لكن الأهم هو البدء الفعلي بالمسار، كما أن هناك اعتبارات سياسية تحكم هذا الملف، إذ تخشى بعض الأطراف من أن يؤدي الكشف الكامل عن الجرائم إلى توترات طائفية، مما يدفع الحكومات إلى إدارة التوازن بين العدالة والاستقرار".

ويختم السكري حديثه بالقول إن "للمجتمع المدني دور محوري في الكشف عن الانتهاكات والضغط على الحكومة، إضافة إلى طمأنة السلطة بأن العدالة الانتقالية يمكن أن تعزز السلم الأهلي لا أن تهدده".

خطوات رمزية

أما الباحث في مركز "جسور" للدراسات وائل علوان فيعتبر أن "العدالة الانتقالية كانت مطلوبة منذ سقوط النظام، لكن تطبيقها يحتاج إلى ترتيبات أمنية وقانونية، ويحسب للحكومة إعلانها المحاكمات العلنية بما يعكس قدراً من الجدية والشفافية، كما أن هذه الخطوات تلبي مطالب شريحة واسعة من السوريين، لكنها ما تزال محدودة ورمزية، ويفترض أن تتحول إلى مسار متكامل واضح المعالم، من حيث الإطار القانوني والإجراءات والمدة الزمنية". وزاد علوان أن "العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاسبة، بل تشمل التعويض وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، إلى جانب تفكيك شبكات الفساد، لكن بالمقابل هناك تحديات قائمة، خصوصاً في بناء مؤسسات تشريعية وقضائية قوية، لكن يمكن تجاوزها تدريجاً مع تعافي الدولة، كما أن إشراك المجتمع المدني والضحايا في هذا المسار يعد أمراً ضرورياً لضمان شموليته وصدقيته".

إشكالية في تعريف جرائم الحرب

في المقابل يرى المحامي والحقوقي السوري فادي كردوس أنه "لا يوجد رابط قانوني مباشر بين اعتقال أمجد يوسف ومحاكمة عاطف نجيب، لكن يمكن الربط بينهما سياسياً، في ظل تباطؤ مسار العدالة الانتقالية وعدم صدور قانونها الخاص، إذ إن هذه الإجراءات لا تمثل بداية جدية للمسار، لأن الإطار القانوني الحالي لا يعرف بصورة واضحة جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، مما يحد من فعالية المساءلة". ويضيف المحامي السوري أن "الخطوات الحالية لا تلبي تطلعات الضحايا، خصوصاً في ظل غياب الكشف عن الحقيقة واستمرار وجود عدد كبير من المتهمين في حالة فرار، إذ إن انطلاق المسار فعلياً يتطلب إصدار قانون خاص بالعدالة الانتقالية، وتعديل التشريعات بما يتوافق مع المعايير الدولية، إضافة إلى معالجة ملفات أساسية مثل المفقودين وجبر الضرر، أما التحديات فتشمل ضعف خبرة الجهاز القضائي، وفقدان الأدلة، وخوف الشهود، فضلاً عن صعوبات ملاحقة المتهمين خارج البلاد".
ويختم الحقوقي السوري حديثه بالقول إن "إشراك الضحايا يجب أن يكون فعلياً في تصميم المسار وتنفيذه، بينما يلعب المجتمع المدني دوراً رقابياً في التوثيق ومتابعة المحاكمات".

غياب التشريعات

من جانبه قال المحامي والناشط السياسي أحمد شحادة، إن "اعتقال أمجد يوسف خطوة إيجابية تحسب للأجهزة الأمنية في ملاحقة المتورطين، كما أن محاكمة عاطف نجيب تمثل بداية لمسار المساءلة والمحاسبة، إذ إن العدالة الانتقالية مطلب أساس للسوريين، وجزء من تحقيق السلم الأهلي، لكنها تحتاج إلى إطار قانوني واضح يصدر عن السلطة التشريعية لمعالجة الثغرات القائمة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى المحامي السوري أن "هناك تحديات قانونية تواجه تحقيق العدالة، تتمثل بغياب التشريعات المناسبة، إضافة إلى قضايا مثل التقادم التي تحتاج إلى معالجة خاصة، ومن جانب آخر فإن إشراك الضحايا يمكن أن يتم من خلال علنية المحاكمات وتمكينهم من تقديم الأدلة، إلى جانب دور المجتمع المدني في الرقابة".

بداية أولية

في المقابل يختلف رأي الصحافي السوري حسام المحمود، إذ رأى أن "الخطوات الحالية لا تمثل بداية جدية لمسار العدالة الانتقالية، بل مجرد بداية أولية، إذ لا يمكن الحكم على المسار من خلال إجراءات محدودة، ومع ذلك فإن الشارع السوري يتفاعل بإيجابية مع هذه المحاكمات على رغم طابعها الرمزي، خصوصاً مع ارتباطها بذكرى بداية الأحداث في درعا، مما يمنحها دلالات معنوية". وأضاف المحمود أن "هناك ممارسات قد تؤثر سلباً في صدقية المسار، مثل إشراك غير المختصين أو تقديم الملف إعلامياً بصورة غير مهنية، كما أن القوانين الحالية قد لا تكون كافية للتعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مما يستدعي تطويرها، وتجاوز هذه التحديات يتطلب نقاشات موسعة بين القانونيين والحقوقيين، مع ضرورة إشراك المجتمع والمطالبة بتسليم المتهمين الفارين".

في المحصلة، يتفق الحقوقيون على أن تحقيق العدالة الانتقالية والمحاسبة ضرورة لتحقيق السلم الأهلي في بلد مزقته الحرب، لكنهم يختلفون في آلية تعاطي السلطات مع الملف، فيما يطالب جزء منهم بسن قوانين وتشريعات خاصة بالعدالة الانتقالية، إذ إن القانون السوري القديم لا توجد فيه نصوص واضحة تتعلق بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، كما أن هناك جزء من رجالات النظام السابق يعملون حالياً مع الحكومة الجديدة في ملفات تتعلق بتهدئة التوترات الطائفية، فضلاً عن شخصيات انشقت عن النظام خلال السنوات القليلة الماضية، أي بعد مشاركتها في جرائم حرب ببداية الانتفاضة، أما ملف الفارين خارج البلاد فيرى محللون أنه مرتبط بمدى علاقات سوريا مع الدول التي فر إليها هؤلاء، خصوصاً أن الحكومة السورية الجديدة تبدو وكأنها تبني علاقات متزنة مع غالب دول العالم، ولديها علاقات دبلوماسية قوية مع معظم الدول باستثناء إيران وإسرائيل، نظراً إلى موقفهما من سوريا الجديدة.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات