ملخص
رهانات التسوية بين إيران والولايات المتحدة تضغط على الأسعار في وقت لم تستعد فيه الإمدادات عافيتها ولا تزال المخزونات تحت الضغط.
تبدو أسواق النفط العالمية أمام مفارقة يصعب أن تستمر طويلاً، فبينما تتراجع الأسعار مدفوعة بتزايد الرهانات على إمكان التوصل إلى تسوية دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة حركة الملاحة تدريجاً عبر مضيق هرمز، لا تزال السوق الفعلية تعاني نقصاً في الإمدادات، فيما تتراجع المخزونات التي استخدمت طوال الأشهر الماضية لتعويض جانب من البراميل المفقودة.
وتضع هذه الفجوة بين ما تسعره الأسواق وما يحدث فعلياً للبراميل نقطة التحول المقبلة أمام سباق زمني، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على موعد عودة الإمدادات، إنما ما إذا كانت ستعود بالسرعة الكافية لوقف استنزاف المخزونات قبل وصولها إلى مستويات تجعل السوق أكثر حساسية تجاه أية صدمة جديدة.
الفجوة لم تغلق بعد
وفي تقريرها الشهري الصادر في الـ10 من يوليو (تموز) الماضي، قالت وكالة الطاقة الدولية إن الإمدادات العالمية تعافت بمقدار 4.1 مليون برميل يومياً خلال يونيو (حزيران) الماضي لتصل إلى 98.8 مليون برميل يومياً مع استئناف جانب من التدفقات عبر هرمز، لكنها بقيت أقل بنحو 9.4 مليون برميل يومياً مقارنة بمستويات ما قبل الحرب الإيرانية.
وفي الوقت نفسه انخفض إجمال مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 62 مليون برميل خلال يونيو، منها نحو 44 مليون برميل من المخزونات الحكومية، فيما تراجعت مخزونات الخام خارج دول المنظمة 37 مليون برميل، وفق الوكالة.
وتكشف تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية اتساع أثر هذه الفجوة، إذ قدرت انخفاض المخزونات العالمية بمعدل 5.1 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من العام الحالي، وتتوقع استمرار السحب بمعدل 2.2 مليون برميل يومياً في الربع الثالث، قبل أن تبدأ السوق، وفق السيناريو الأساس للإدارة، في إعادة بناء المخزونات خلال الربع الأخير إذا استمر تعافي الإنتاج والتجارة النفطية في الشرق الأوسط.
لكن تحسن التوقعات السياسية سبق حتى الآن التعافي الكامل في السوق المادية، وهو ما ظهر في حركة الأسعار أخيراً، إذ هبط خام "برنت" إلى 79.36 دولار للبرميل في الرابع من أغسطس (آب) الجاري مع تصاعد الآمال في إنهاء الحرب، قبل أن يعود فوق مستوى 80 دولاراً مع استمرار الغموض في شأن شروط إعادة فتح مضيق هرمز.
بين عودة الإمدادات واستنزاف المخزونات
أفاد متخصصون في أسواق النفط لـ"اندبندنت عربية" أن مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة سيتحدد إلى حد بعيد من خلال السباق بين عودة الإمدادات واستمرار استنزاف المخزونات، لكنهم اختلفوا حول مدى اقتراب السوق من نقطة تحول سعرية.
وبينما يرى بعض المتخصصين أن الأسواق بالغت في تسعير الحل الدبلوماسي قبل عودة البراميل فعلياً، يعتقد آخرون أن المخزونات لا تزال توفر هامشاً يسمح بامتصاص الأزمة، ما لم يمتد التعطل أو تنتقل المواجهة إلى البنية التحتية النفطية، في حين يبقى اجتماع نقص الإمدادات مع مخزونات شديدة الانخفاض السيناريو الأكثر خطورة على الأسعار.
نقطة تحول
يرى المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز في وزارة الطاقة بسلطنة عمان علي الريامي أن سوق النفط تقترب من نقطة تحول، لكنها لن تأتي بالضرورة نتيجة ارتفاع مفاجئ في الطلب، إنما من احتمال اكتشاف المتعاملين أن الإمدادات أقل مرونة مما تفترضه الأسعار الحالية.
وقال الريامي إن الأسواق "أعطت وزناً كبيراً جداً للتفاؤل السياسي"، وخصمت جانباً من علاوة الأخطار على أساس توقع عودة الإمدادات، بخاصة من منطقة الخليج وإيران، لكن النفط في النهاية لا يتحرك بالتوقعات السياسية وحدها، وإنما عندما تتحول تلك التوقعات إلى براميل فعلية تصل إلى السوق.
وأضاف أن عدم عودة هذه البراميل بالسرعة التي يتوقعها المتعاملون قد يدفع إلى إعادة تسعير سريعة للأخطار، معتبراً أن الأسعار الحالية لا تعكس بصورة كاملة حجم الأخطار الموجودة، وأن استمرار تعطل الإمدادات تزامناً مع انخفاض المخزونات قد ينقل السوق من "تسعير التفاؤل إلى تسعير الندرة"، وعندها يمكن أن تكون حركة الصعود حادة وليست تدرجية.
وبالنسبة إلى الريامي، فإن المخزونات تمثل المؤشر الأهم الذي ينبغي مراقبته حالياً، وربما أكثر من السعر نفسه، لأن الأسعار يمكن أن تتراجع بفعل خبر سياسي أو توقع عودة الإمدادات، بينما استمرار السحب من المخزون يعني أن السوق تستهلك تدريجاً هامش الأمان المتاح لديها.
وأشار علي الريامي إلى أن السوق تستطيع تحمل انقطاع الإمدادات فترة من الزمن، لكنها لا تستطيع تعويضه إلى ما لا نهاية من المخزونات، موضحاً أن كل برميل يسحب اليوم يعني برميلاً أقل متاحاً لامتصاص أية صدمة جديدة غداً، ولذلك فإن انخفاض الأسعار تزامناً مع تراجع المخزونات لا يعني بالضرورة أن السوق أصبحت أكثر أماناً، إنما قد يعني أنها تراهن على عودة الإمدادات قبل استنزاف هامش الأمان.
الاتفاق السياسي لا يعني عودة فورية
يمتد تحفظ الريامي إلى الرهان المتزايد على المسار الدبلوماسي مع إيران، إذ يرى أن ثمة مبالغة في تسعير هذا السيناريو، لأن الاتفاق السياسي وعودة الإمدادات يمثلان مرحلتين مختلفتين.
وأوضح أن استعادة التدفقات لا تتعلق بالإنتاج وحده، وإنما بالمنشآت والموانئ والناقلات والتأمين والممرات الملاحية والعقوبات والبنية التحتية، وهي عوامل لا تعود جميعها إلى وضعها الطبيعي بمجرد صدور إعلان سياسي.
ومن ثم يرى أن استمرار القيود على الملاحة أو تأخر عودة الإنتاج سيكشفان عن أن السوق سبقت الأحداث في تسعير التفاؤل، مضيفاً أن استمرار تعطل الإمدادات يمثل "الشرارة"، بينما وصول المخزونات إلى مستويات حرجة هو ما يحولها إلى "حريق".
وفي هذا السيناريو لا يستبعد الريامي عودة سعر خام "برنت" إلى منطقة 90 دولاراً ثم اختبار مستوى 100 دولار، بخاصة إذا تزامن انخفاض المخزونات مع اضطراب أكبر في حركة الشحن، بينما ستبقى الأسعار تحت السيطرة إذا عادت الإمدادات بصورة منتظمة واستقرت الملاحة وبدأت المخزونات في التعافي.
المخزونات لم تبلغ مرحلة الخطر بعد
لكن مستشار الطاقة لدى شركة "هوك إنيرجي" خالد العوضي لا يعتقد أن السوق وصلت بعد إلى النقطة التي تجعل موجة صعود جديدة السيناريو الأكثر ترجيحاً، متوقعاً بقاء الأسعار في نطاق يراوح ما بين 75 و90 دولاراً للبرميل، في ظل استمرار الآمال بالتوصل إلى ترتيبات تعيد فتح مضيق هرمز والدور الذي تؤديه الوساطة العمانية.
ويرى العوضي أن المخزونات لا تزال توفر للدول المستهلكة مساحة للتعامل مع الأزمة، ولذلك لا يتوقع أن تتحول في المرحلة الحالية وحدها إلى المحرك الرئيس للأسعار، وإن كان استمرار الأزمة فترة أطول يمكن أن يغير هذه المعادلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار العوضي إلى أن العامل القادر على تغيير المشهد بصورة أكثر حدة لا يتمثل فقط في استمرار تعطل الشحن، وإنما في انتقال المواجهة إلى البنية التحتية النفطية نفسها.
وقال إن استهداف آبار النفط والغاز والمصافي ومحطات الضخ وموانئ التصدير سيختلف جذرياً عن تعطل موقت في حركة الإمدادات، لأنه يعني فقدان كميات من الإنتاج قد لا يكون من الممكن استعادتها سريعاً.
وأوضح أن عدم تعرض جانب كبير من هذه البنية التحتية حتى الآن يفسر جزئياً لماذا لم تشهد السوق ارتفاعات تستمر فوق مستويات شديدة الارتفاع، معتبراً أن تعطل الإمدادات يمكن التعامل معه لبعض الوقت عبر المخزونات والبدائل وترشيد الاستهلاك، لكن تدمير قدرات إنتاجية وتصديرية يغير طبيعة الأزمة ومدتها.
عندما تجتمع الصدمة مع المخزون
وفي منطقة وسط بين القراءتين، يقول الرئيس التنفيذي لمركز "كوروم للدراسات" طارق الرفاعي إن سوق النفط تقترب من نقطة تحول محتملة، لكن ذلك لا يجعل صعود الأسعار بصورة مستمرة أمراً حتمياً، إذ تكمن المسألة الأساسية في التباين بين انخفاض الأسعار واستمرار شح الإمدادات الفعلية.
ويرى الرفاعي أن تقديرات انخفاض المخزونات العالمية خلال الربعين الثاني والثالث تعني أن السوق تفقد تدريجاً جزءاً من هامش الأمان المتاح لمواجهة أية صدمة جديدة، فيما قد تكون الأسواق في الوقت نفسه تمنح المسار الدبلوماسي مع إيران وزناً أكبر من اللازم.
وأوضح أن التوصل إلى اتفاق لا يعني تعويض المخزونات المستنزفة أو استعادة الإنتاج وحركة الشحن بالكامل بصورة فورية، ومن ثم فإن الوقت اللازم لإعادة بناء المخزونات سيظل عنصراً رئيساً حتى في حال حدوث انفراجة سياسية.
ويحدد الرفاعي الخطر الأكبر في اجتماع عاملين معاً، هما استمرار اضطراب الإمدادات أو تجدده فترة طويلة، وهبوط المخزونات إلى مستويات شديدة الانخفاض، معتبراً أن كلاً منهما يستطيع بمفرده الضغط صعوداً على الأسعار، لكن اجتماعهما يمكن أن يؤدي إلى حركة أكثر حدة نتيجة تقلص قدرة السوق على امتصاص صدمة أخرى.
وفي المقابل، يرى أن استمرار تطبيع الإنتاج والتجارة في الشرق الأوسط وبدء تعافي المخزونات خلال الربع الرابع من عام 2026 ستعيد الضغوط الهبوطية إلى السوق.
وبذلك تصبح نقطة التحول المقبلة أقل ارتباطاً بمستوى سعري محدد، وأكثر ارتباطاً بمن يحسم السباق أولاً، عودة البراميل التي تراهن الأسواق عليها، أم استمرار استنزاف المخزونات حتى تصبح أية صدمة جديدة أكبر من قدرة السوق على امتصاصها.