Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرق غاز مشاعل إنتاج النفط في إيران وإهدار مليارات الدولارات

يؤكد خبراء أن الأزمة تعود لتقادم البنية التحتية وغياب المستثمرين إضافة إلى العقوبات

ينتج في إيران حالياً نحو 80 مليون متر مكعب يومياً من الغاز المصاحب للنفط (رويترز)

ملخص

في وقت تواجه إيران عجزاً متفاقماً في إمدادات الغاز، وانقطاعات متكررة للكهرباء، تكشف البيانات الرسمية والدولية عن أن مليارات الدولارات تتبدد سنوياً جراء إحراق الغاز المصاحب للنفط في المشاعل.

لم ينتهِ فصل الصيف بعد، ولا تزال تداعيات الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي تلقي بظلالها على الحياة اليومية وأنشطة المواطنين الاقتصادية، حتى بدأت التحذيرات من عودة أزمة انقطاع الغاز خلال فصل الشتاء.

في هذا السياق، يقول محمد جعفر قائم‌ بناه، وهو المساعد التنفيذي للرئيس الإيراني مسعود بشكيان، إن البلاد ستواجه خلال فصل الشتاء عجزاً يومياً يناهز 100 مليون متر مكعب من الغاز، مضيفاً أنه حتى في حال لم يكن الشتاء المقبل قارس البرودة، فإن إيران ستظل تعاني نقص الطاقة، مما يتطلب إدارة هذا العجز.

وربط قائم‌ بناه أزمة نقص الطاقة في الشتاء باستهداف المصافي خلال الحرب، لكن تجارب الأعوام الماضية تظهر أن إيران، وعلى رغم امتلاكها ثاني أكبر احتياط من الغاز الطبيعي في العالم، لكنها تعاني نقص إمدادات الغاز خلال مواسم البرد.

ويعزى هذا الخلل إلى مجموعة من العوامل، أبرزها تقادم البنية التحتية، وتراجع ضغط حقول الغاز، وغياب الاستثمارات، ويضاف إلى ذلك إحراق كميات هائلة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط في المشاعل، المعروفة باسم "فلير" (Flare)، وهو محور هذا التقرير.

وبحسب بيانات "شركة النفط الوطنية" الإيرانية، ينتج في إيران حالياً نحو 80 مليون متر مكعب يومياً من الغاز المصاحب للنفط، ينقل جزء منه إلى وحدات المعالجة ومصانع سوائل الغاز الطبيعي، بينما يحرق الجزء الآخر في المشاعل بسبب غياب البنية التحتية اللازمة للاستفادة منه، وتؤكد إحصاءات صادرة عن مراكز بحثية ووسائل إعلام إيرانية حجم هذا الهدر، فوفقاً لتقرير "مركز أبحاث البرلمان الإيراني"، جرى خلال عام 2022 إحراق نحو 50.5 مليون متر مكعب من غاز المشاعل يومياً، وهو حجم يعادل تقريباً الطاقة الإنتاجية لمرحلتين من حقل "بارس الجنوبي"، ويقارب أيضاً حجم صادرات إيران اليومية من الغاز في العام نفسه.

وقدّر المركز الخسائر الاقتصادية الناجمة عن حرق غاز المشاعل خلال العقد الماضي بنحو 33.79 مليار دولار، مشيراً إلى أنه لو جرى جمع الغاز الذي أحرق خلال عام 2022 وتصديره، لكان بإمكانه أن يدرّ على البلاد نحو 4.6 مليار دولار من الإيرادات.

ما هو غاز "فلير" ولماذا يحرق؟

عند استخراج النفط، يخرج من المكمن عادة مقدار من الغاز يعرف باسم "الغاز المصاحب للنفط"، وإذا لم يجمع هذا الغاز ويعالج فإنه يحرق عبر مشاعل مرتفعة منتشرة في الحقول النفطية والمصافي، بهدف منع تراكمه أو تسربه وتقليل أخطار الحرائق والانفجارات، وتعرف هذه العملية باسم "حرق الغاز في المشاعل" (فلير)، وبعبارة أخرى فإن ألسنة اللهب التي تشاهد على مدار الساعة فوق المنشآت النفطية، ما هي إلا نتيجة احتراق هذا الغاز، ويمكن بعد جمع الغاز المصاحب ومعالجته استخدامه في إنتاج الوقود أو الكهرباء أو الصناعات البتروكيماوية، لكن غياب المعدات والبنية التحتية اللازمة يؤديان إلى إحراقه في المشاعل، وما يرافق ذلك من انبعاث ملوثات إلى الغلاف الجوي.

ومن الناحية الفنية، ينقسم حرق الغاز في صناعة النفط إلى نوعين: الأول الحرق الاضطراري، ويحدث أثناء تشغيل المنشآت أو صيانتها، أو عند تعطل المعدات أو حدوث ارتفاع مفاجئ في الضغط، وفي هذه الحالات تؤدي المشاعل دور نظام أمان من خلال حرق الغاز الزائد، بما يقلل أخطار الحرائق أو الانفجارات، ويعد هذا النوع من الحرق موقتاً ولا يمكن تجنبه بالكامل.

والثاني هو الحرق الروتيني الدائم الذي لا يرتبط غالباً باعتبارات السلامة، بل ينجم عن نقص البنية التحتية، والقيود الاقتصادية، وضعف الإدارة والحوكمة، ويحدث هذا النوع عندما تكون عمليات جمع الغاز المصاحب ومعالجته ونقله صعبة أو مرتفعة الكلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بحسب بيانات "التقرير العالمي لرصد غاز المشاعل" الصادر عن البنك الدولي، جاءت إيران عام 2025 في المرتبة الثانية عالمياً بعد روسيا من حيث حجم الغاز المحروق في المشاعل، فقد أحرقت روسيا نحو 30.28 مليار متر مكعب من الغاز، في مقابل 29.93 مليار متر مكعب في إيران، أي إن حجم الحرق في روسيا تجاوز نظيره في إيران بواحد في المئة فقط، على رغم أن إنتاجها النفطي يقدر بأكثر من ضعف إنتاج إيران.

ويتضح هذا التفاوت أيضاً في مؤشر كثافة حرق الغاز الذي يقيس حجم الغاز المحروق في مقابل كل برميل نفط منتج، ووفقاً لبيانات البنك الدولي، أحرقت إيران عام 2025 نحو 19.55 متراً مكعباً من الغاز مقابل كل برميل نفط، في حين بلغ هذا المؤشر نحو 0.69 متر مكعب في السعودية، و0.98 متر مكعب في الإمارات العربية المتحدة، و2.43 متر مكعب في قطر، وتظهر هذه الأرقام أن دول الجوار، وفي مقدمها السعودية والإمارات وقطر، حققت نتائج أفضل بكثير من إيران في الحد من حرق الغاز، فقد نجحت السعودية منذ سبعينيات القرن الماضي في إدخال جزء كبير من الغاز المصاحب إلى دورة الاستهلاك، عبر إنشاء نظام الغاز الرئيس والاستثمار في جمعه والاستفادة منه، وكذلك خفضت الإمارات كثافة حرق الغاز إلى أحد أدنى المستويات عالمياً، بفضل استثماراتها في البنية التحتية الخاصة بجمع الغاز ومعالجته، والتعاون بين الحكومة و"شركة بترول أبوظبي الوطنية" (أدنوك)، وصنّف تقرير البنك الدولي لعام 2026 الإمارات ضمن الدول الأدنى في معدلات كثافة حرق الغاز في العالم.

ونجحت هذه الدول، بفضل استثماراتها في البنية التحتية، في توظيف الغاز المصاحب لتوليد الكهرباء، وتوفير اللقيم للصناعات البتروكيماوية، وإنتاج الغاز الطبيعي المسال، مما أسهم في تحويل جزء كبير من هذا المورد إلى قيمة اقتصادية مضافة.

احتراق 750 ألف دولار من غاز "فلير" كل ساعة

تظهر بيانات "مركز البيانات المفتوحة لإيران" أن البلاد أحرقت خلال عام 2024 نحو 22.8 مليار متر مكعب من الغاز المصاحب للنفط أثناء عمليات الإنتاج، وهو أعلى حجم سنوي مسجل في إيران، وفق البيانات المتاحة وقت إعداد الدراسة، وقدّر المركز القيمة الاقتصادية لهذا الغاز المهدر، استناداً إلى الأسعار المرجعية في الأسواق الأوروبية، بنحو 9 مليارات دولار، مما يعني أن إيران كانت تحرق، في المتوسط، غازاً بقيمة 1.4 مليون دولار كل ساعة خلال عام 2024.

ووفقاً للدراسة نفسها، أحرقت إيران خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2024 ما مجموعه 203 مليارات متر مكعب من الغاز، وقدّر "مركز البيانات المفتوحة لإيران" القيمة التراكمية لهذا الحجم، وفق آلية التسعير ذاتها، بنحو 85.6 مليار دولار، وهو ما يعادل قرابة ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد والبالغ 341 مليار دولار عام 2025، وتشير هذه الحسابات إلى أن إيران أحرقت، في المتوسط، غازاً بقيمة 750 ألف دولار في الساعة، على مدى تلك الأعوام الـ 13.

على رغم مرور أعوام عدة، فإن تصريحات المسؤولين الإيرانيين تشير إلى عدم حدوث تغيير ملموس في حجم هذا الهدر، فقد أقرّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في فبراير (شباط) الماضي أن إيران تحرق يومياً نحو 50 مليون متر مكعب من الغاز، مقدراً قيمة هذا الفاقد بنحو 17 مليون دولار يومياً، مضيفاً أن إحراق كل مليون متر مكعب من الغاز يعني خسارة تقدر بنحو 330 ألف دولار.

استمرار حرق الغاز عبر المشاعل

وأكد خبراء، على مدى أعوام، أن استمرار حرق الغاز عبر المشاعل في إيران يعود لتقادم البنية التحتية وغياب المستثمرين القادرين على تمويل مشاريع جمع الغاز والاستفادة منه، فيما فاقمت العقوبات هذه الأزمة، ويضاف إلى ذلك، بحسب هؤلاء، أولويات الحوكمة في النظام الإيراني والتي توجه الثروة الوطنية نحو دعم القوى الوكيلة في المنطقة، بدلاً من الاستثمار في التنمية وتطوير البنية التحتية.

من جانبه، يؤكد البنك الدولي أن التكنولوجيا اللازمة للحد من حرق الغاز متوافرة، وأن العقبات الرئيسة تتمثل في نقص الاستثمارات، وضعف البنية التحتية للأسواق وشبكات النقل، وعدم كفاية الأطر التنظيمية، وغياب الأولوية والحوكمة الفاعلة.

في المقابل، فإن جمع الغاز المصاحب ومعالجته لا يحد فقط من هدر مليارات الدولارات سنوياً، بل يسهم أيضاً في خفض الانبعاثات الملوثة، وتحسين جودة الهواء في المناطق النفطية، والتقليل من الآثار الصحية الناجمة عن حرق الغاز في سكان تلك المناطق، وكذلك يمكن استغلال الجزء القابل للاسترداد من هذا الغاز في إنتاج الكهرباء، وتوفير اللقيم للصناعات والمجمعات البتروكيماوية، بما يسهم في الحد من أزمة اختلال توازن الطاقة التي تعانيها البلاد.

 نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير