ملخص
لماذا أصبح البعض يستهجن كلمة ربة منزل ويعتبر أن بها انتقاصاً من قدر المرأة أو تقليلاً من قيمتها، ولماذا حدث ذلك في السنوات الأخيرة، إذ كانت الكلمة متداولة ومقبولة ولا تسبب هذا القدر من الحساسية، ماذا تغير في المجتمع المصري وما هي الأسباب التي أدت لذلك؟
أدوار متعددة تقوم بها النساء في المجتمع سواء داخل المنزل أو خارجه تنعكس على الأسرة والمجتمع بشكل مباشر، وتكامل كبير بين أدوار المرأة في إدارة البيت وفي الوظائف المختلفة التي تتقلدها النساء، التي وصلت إلى أرفع المناصب، إلا أنه في الفترة الأخيرة أصبح هناك شكل من أشكال التهميش للدور الكبير الذي تقوم به النساء في رعاية الأسر في المنازل، ومن الملاحظ في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة هو استنكار بعض السيدات وصفها بكلمة ربة منزل، واعتباره شكلاً من الانتقاص من قدرها.
أخيراً، تقدّمت نائبة في مجلس الشيوخ المصري بمقترح لاستبدال مسمى ربه منزل في بطاقات النساء المعتمد فيها هذه الصفة بمسمى صانعة جيل، أثار هذا الأمر نقاشات عدة، فبينما اعتبر البعض أن به جانباً من التقدير فإن الغالبية اعتبروا أنه أمر شكلي، وأن الأولوية يجب أن تتجه إلى تحسين وضع المرأة في جميع المجالات، سواء كانت ربة منزل أم لا، وأن هناك قضايا أهم بمراحل ينبغي الالتفات لها وقضايا ذات ارتباط وثيق بوضع المرأة يجب على نواب البرلمان طرحها.
البعض ذهب إلى أن المقترح يقتصر على النساء اللاتي لديهن أطفال، فهي صانعة جيل، أي أن لها أطفالاً، لكن ماذا عمن لم تنجب أو لم تتزوج من الأساس؟ مشددين على أن ذلك يحصر المرأة باعتبار قيمتها فقط في الزواج والإنجاب، مع أن رعاية الأسرة بشكل عام لها مفهوم أوسع، فهناك من ترعى والديها، ومن ترعى إخوتها على سبيل المثال، انتقد البعض أيضاً أن تكون "صناعة الجيل" طبقاً للمصطلح المقترح حكراً على النساء، في حين أنها من المفترض أن تكون مشاركة بين الأب والأم.
من الجدير بالذكر أن صفة ربة منزل تكتب في بطاقات الهوية للنساء اللاتي من دون عمل ومن دون مؤهل، إذ إن بطاقات السيدات يكتب فيها الوظيفة، إن وجدت أو المؤهل الدراسي الذي تحمله السيدة، فليس كل النساء في مصر يشار إليهن باعتبارهن ربات منازل في الأوراق الرسمية.
مفاهيم المجتمع
لماذا أصبح البعض يستهجن كلمة ربة منزل، معتبراً أن بها انتقاصاً من قدر المرأة أو تقليلاً من قيمتها؟ ولماذا حدث ذلك في السنوات الأخيرة، إذ كانت الكلمة متداولة ومقبولة ولا تسبب هذا القدر من الحساسية؟ ماذا تغير في المجتمع؟ وما الأسباب التي أدت إلى ذلك؟
وفق رؤية الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية سوسن فايد فإن الأمر "يرتبط بالمستوى الثقافي والوعي والإدراك للمفاهيم في المجتمع، فطوال زمن طويل ارتبطت كلمة ربة منزل بالسيدة التي ليست لديها مقومات للعمل، بالتالي تبقى في منزلها، ومع انتشار النساء العاملات، ووجودهن في كل القطاعات والمناصب العليا ازداد الاعتقاد بين كثير من الفئات بأن ربة المنزل هي سيدة ليست لها مهارات أو قدرات كما ارتبط في ذهن المجتمع، بالتالي أصبحت كثير من السيدات ترفضه وتستاء منه، لكن الحقيقة أن كل سيدة هي ربة أسرتها مثلما كل رجل هو رب أسرته، لكن هنا الرجل لا يستنكر الكلمة، لأنها لا تؤثر في هويته ودوره في مجتمعه، فغالباً هو له مهنة أو وظيفة يقدر بسببها وليس مثل المرأة التي ارتبطت كلمة ربة منزل في الأذهان بأنها غير مؤهلة للخروج للعمل ولا تمتلك المقومات".
وتستكمل فايد، "ربة المنزل أو سيدة البيت هي كلمات لا تقلل من شأن النساء، لأنه من المفترض أن أي سيدة مهما علت مناصبها فهي سيدة بيتها، والدوران ليس بينهما تناقض على الإطلاق، فهي المسؤولة وهي صاحبة القرار في منزلها، وكلما كانت المرأة قادرة على رعاية بيتها فإن هذا سينعكس على أسرتها وعلى المجتمع كله، لكن هناك دوراً للمؤسسات الثقافية والإعلام في طرح هذه المفاهيم للنقاش وتصحيحها وبيان المقصود منها، فالثقافة والتنوير هما السبيل للنهوض بالمجتمع".
وتلفت فايد إلى أن "السوشيال ميديا أصبح لها دور فاعل في المجتمع والأجيال الجديدة تتربى على محتوى وسائل التواصل الاجتماعي ومفاهيمه، من بينها المرتبطة بالأسرة وصورة المرأة، وهذا أصبح شديد الخطورة، لأن هناك أشخاصاً أو مجموعات يسعون لبث أفكّار هدامة، ومع تكرارها يجري التعامل معها على أنها الحقيقة، والواقع، لأنه يقابلها فراغ فلا أحد يواجه أو يفند هذه الأفكار. بالنهاية إذا انهارت الأسرة سينهار المجتمع، وهذا من أدوات حروب الجيل الرابع التي تهدف لتدمير المجتمعات من الداخل من دون حروب وتدخلات عسكرية".
إلى ربات البيوت
كان هذا عنوان برنامج إذاعي شهير استمر لعقود في الإذاعة المصرية يتوجه إلى النساء، وينتقي موضوعات مهمة بالنسبة لهن تتعلق بالأسرة والصحة ورعاية الأطفال والقضايا الاجتماعية، وعلى مدار عشرات السنوات قدمته الإذاعية الكبيرة صفية المهندس، وكانت مستمعاته من النساء العاملات وغيرهن، إذ لم تكن الكلمة حينها مستهجنة، وكانت النساء يتقبلنها، حتى إنها كانت اسماً لبرنامج إذاعي يستهدف الانتشار.
يمكن القول إنه تقريباً حتى العقدين الأخيرين لم يكن الأمر يشكّل أزمة، وكانت كثيرات لا يسبب لهن مشكلة كونهن ربات بيوت لا في الكلمة، ولا يرتبط بها، لكن هذا الاستياء بدأ في الظهور تدريجاً في السنوات الأخيرة بفعل عوامل كثيرة من المؤكد أن من ضمنها السوشيال ميديا التي أصبحت مصدراً رئيساً للأفكار والتوجهات التي تدخل على المجتمع وتنتشر بين الناس.
كثير من الناس لا يدرك أن ربات المنازل يقدمن شكلاً من أشكال الإنتاج للمجتمع، باعتبار أن القيمة في المجتمعات الحديثة ترتبط بقدرة الشخص على كسب المال أو تحويل الجهد لعائد اقتصادي، وباعتبار أن الأعمال المنزلية غير مدفوعة الأجر جرى تهميشها، واعتبر من يقوم بها عاطلاً، باعتبار أنه لا يحصل على أجر نظير هذه الأعمال، كذلك ينظر إليها بأنها لا تتطلب مهارة أو خبرة.
لكن وفق تقديرات للأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية فإن قيمة الأعمال المنزلية والرعائية تمثل نحو 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع الإشارة إلى أن نحو 75 في المئة من الأعمال المنزلية والرعائية تتحملها النساء وحدهن على المستوى العالمي. بالطبع تتفاوت نسبة مشاركة النساء من مجتمع إلى آخر بحسب الثقافة السائدة، لكن من المؤكد أن الدول العربية، من بينها مصر تتحمّل النساء هذا العبء وحدهن بشكل شبه كامل.
في دراسة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تتعلق بنسب المشاركة بين الجنسين في كل الأعمال المنزلية أجريت على نحو 50 ألف شخص أثبتت تفاوتاً كبيراً، إذ وجدت أن الإناث هن من يتحمّلن العبء بصورة تكاد تكون كاملة، فمثلاً في ما يتعلق بإعداد الطعام فإن الإناث يقمن به بنسبة 96 في المئة مقابل 3.7 في المئة للذكور، وبالنسبة للتنظيف فإن الإناث يقمن به بنسبة 97 في المئة مقابل 2.9 في المئة للذكور، والفرق هائل بين الجنسين كما يظهر من نتائج الدراسة.
رؤية النساء
كيف ترى النساء المصريات أنفسهن الجدل الثائر حول كلمة ربة منزل؟ ولماذا تستنكرها قطاعات كبيرة من النساء حالياً وفق وجهة نظرهن، وكيف تغيرت الصورة الذهنية لربات المنازل مع الزمن؟
تقول دعاء حلمي (مهندسة 37 سنة) "جزء من هذا الأمر يعود إلى تغيرات كثيرة حدثت في المجتمع، فحتى في عالم النساء العاملات فإن ذو القيمة حالياً هو الوظائف ذات الثلاثة أحرف الإنجليزية التي يروج لها على السوشيال ميديا، هنا يكمن النجاح والقيمة، فحتى من تعمل في وظيفة تقليدية مثل مدرسة أو محاسبة مثلاً فإنها تشعر بأن هذا شيء عادي، وليس مبهراً، فما بالنا بمن هي ربة منزل وكفى، بعضهن حالياً يشعرن بأنهن في المرتبة الأخيرة من المجتمع، وهذا سبب رئيس لاتجاه كثيرات للقيام بعمل من المنزل حتى لا يقال إنها لا تفعل شيئاً سوى الأعمال المنزلية، الضغط المجتمعي هو سبب لتغيرات كثيرة، ولم يكن الوضع كذلك في جيل الأمهات والجدات، إذ لم يكن هناك سوشيال ميديا ولا مقارنات".
تقول ياسمين السيد (35 سنة) "هناك صورة ذهنية مرتبطة بربة المنزل حالياً أنها غير متطورة وغير مطلعة على العالم، وكل اهتماماتها تنحصر في الأعمال المنزلية والأمور التافهة، وليست لديها خبرة في الحياة، وهذه النظرة من نساء مثلها وليس فقط من الرجال، مثلاً أنا تخرجت في كلية العلوم، وعملت فترة، ثم تفرّغت منذ نحو 7 سنوات لأسرتي وأولادي لأسباب متعددة، عندما يعرف بعض الناس إنني لا أعمل يبدأ التساؤل عن السبب ويدفعني البعض للعودة إلى العمل على رغم أن البقاء في المنزل لا يعني عدم التطور والانفصال عن العالم كما يتصورون".
وتشير أسماء ماهر (29 سنة) "أعتقد أن كثيرات تضايقهن كلمة ربة منزل، لأنها تكتب في البطاقة للسيدات اللواتي لا يحملن مؤهلاً، فأصبحت تعني ضمنياً أن السيدة غير متعلمة. فكثيرات أصبحن يرفضن الكلمة لاعتقادهن أنها ستعني أنهن غير متعلمات في وقت أصبحت الشهادات والمناصب التي تحصل عليها النساء لها أهمية عند كثيرات، ولم تعد اهتماماتهن منحصرة في الزواج والأعمال المنزلية، وحتى في الزواج فإن مؤهل العروس أحياناً يكون من معايير تفضيلها على غيرها وهذا واقع بالفعل".
وتوضح دينا حسين (45 سنة) أن "الأزمة في هذا الأمر ترتبط بعدم الاعتراف بأن إدارة المنزل ورعاية الأطفال والأسرة هي أمور تستحق التقدير، فربة المنزل تقوم بأدوار متعددة من الصباح الباكر وحتى آخر الليل، وإذا توقفت عنها سيكون على الأب استقدام عدة عاملين للقيام بهذه الأدوار ودفع مبالغ طائلة، لكن على أرض الواقع فكل هذا غير مقدر وغير مرئي من الأساس حتى من كثير من الأزواج، الذين يعتقدون أن عليهم العبء كامل خارج المنزل وربة المنزل مرفهة، فهي لا تعمل".
التقدير الذاتي
في الوقت ذاته الذي طرح فيه اقتراح استبدال كلمة ربة منزل بصانعة جيل في مصر فقد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي منشور عن رجل الأعمال الأميركي يهدان يادا كشف فيه عن أنه يمنح زوجته 250 ألف دولار سنوياً مقابل تفرغها لرعاية الأسرة وبقائها في المنزل، كذلك يمنحها 150 ألف دولار إضافية عن كل طفل جديد تنجبه. موضحاً أن الحمل ورعاية الأطفال هي أعمال شاقة تستحق التقدير المادي والمعنوي مثل أي وظيفة أخرى.
هذا الفكر بعيد تماماً عن العالم العربي، الذي يرى رعاية الأسرة والأعمال المنزلية هو من مهام النساء وواجب عليهن ربما لا تستحق عليه حتى الشكر والتقدير المعنوي، وليس المادي، وكلما أثير طرح حول هذا الأمر في أي سياق يلاقى استهجاناً واعتراضاً من الرجال بشكل خاص مثلما حدث منذ فترة بطرح شيخ الأزهر أحمد الطيب لضرورة إحياء فتوى حق الكد والسعاية، التي أشارت إلى منح النساء قيمة مادية نظير مشاركتها في تنمية ثروة زوجها حال الطلاق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الاحترام والتقدير والنظرة الإيجابية نحو عمل أو شخص أو مهنة في سياق مجتمع معين يكون لها بالغ الأثر حول تقبل الأشخاص أنفسهم وتقدير قيمتهم، فحتى في عالم الوظائف توجد مهن تحظى بالتقدير في مجتمع معين، ولا تنال نفس القيمة في مجتمعات أخرى، مما يؤثر في نظرة أصحابها إلى أنفسهم وتقديرهم لذاتهم.
يقول استشاري الصحة النفسية وليد هندي، "مفهوم الإنسان نحو ذاته له علاقة وثيقة بالصحة النفسية فكلما كانت صورة الإنسان جيدة عن نفسه كان وضعه أفضل على كل المستويات، في زمن مضى كانت المرأة تستمد قيمتها من الرجل سواء الأب أو الزوج، حتى إن بعض النساء كانت تتسمى باسم عائلة الزوج بعد الزواج، وكانت قيمة المرأة ترتفع بكونها باقية في المنزل ترعى شؤونه، وتنجب كثيراً من الأطفال، وتكون بارعة في الأعمال المنزلية، وفي هذا كانت تتمايز النساء، حدثت تغيرات كثيرة في الوضع الاجتماعي، وأصبح للمرأة كيان خارج المنزل مرتبط بخبراتها وشهاداتها ووظيفتها ومكتسباتها التي حصلت عليها مع الزمن، فأصبح هذا من معايير التميز، وأصبحت كلمة ربة منزل بها ردة اجتماعية، ويرتبط بعصر ولّى وانقضى، وهذا من أهم أسباب الاعتراض على الكلمة بين قطاع كبير من نساء العصر الحالي، فالمفاهيم تتغير من عصر إلى آخر، بالتالي تفاعل الناس معها يختلف".
يتابع هندي، "على أرض الواقع فإن أغلب النساء الناجحات يكن سيدات منازل ناجحات وقادرات على إدارة شؤون الأسرة بشكل كبير والتوازن بين أدوار المرأة حالياً هو المطلوب، ما يثار حالياً من جدل حول كلمة ربة منزل وتغييرها في بطاقة بعض النساء هو طرح ليس له معنى، لأن مشكلات النساء أكبر من هذا. فالأولى البحث عن حلول للمشكلات الحقيقية التي تعاني منها النساء مثل العمل على منع التمييز أو البحث عن حل لقانون الأحوال الشخصية وتحسين وضع النساء سواء العاملات أو غيرهن. أما الجدل حول المسميات فهو لا طائل من ورائه ولن يفيد النساء بشيء".