Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الفتارين"... غربة المثقف على خشبة مصرية

جمهور الفيوم يرحب بالعرض الآتي من تجربة مدينية حديثة

من مسرحية "الفتارين" المصرية  (خدمة الفرقة)

ملخص

قدم المخرج المصري عزت زين عرضه المسرحي "الفتارين" مع فرقة الفيوم القومية، مستهدفاً الجمهور في المقام الأول، ساعياً إلى تطوير وعيه، وكشفه عن الانهيارات التي يشهدها المجتمع، بعيداً من السعي إلى الحصول على جوائز المهرجانات، التي لا تذهب، غالباً، إلى هذه النوعية من العروض.

تطرح مسرحية "الفتارين" أسئلة تتعلق بمن المستهدف من المسرح، هل الجمهور، أم النقاد ولجان تحكيم المهرجانات؟ لمن نصنع المسرح؟ ولماذا نصنعه في الأساس؟

سبب الأسئلة أن العرض، الذي قدمته فرقة الفيوم القومية (هيئة قصور الثقافة - وزارة الثقافة) شارك في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المصرية، ولم يحصل على جوائز مهمة، باستثناء بعض الجوائز (مركز ثالث أشعار، أسامة سند)، جائزة لجنة التحكيم الخاصة في التمثيل (محمود عبدالمعطي، جيهان رجب، باتع خليل)، ربما لأن صناعه اهتموا أكثر بالجمهور، ولم ينشغلوا بإرضاء لجنة التحكيم.

الاهتمام بالجمهور هنا لا يعني مخاطبة غرائزه، وتقديم ما يرضيه، على غرار المسرحيات الهزلية الخفيفة، وجعله يخرج من العرض سعيداً ومتفائلاً، وشاكراً ربه على نعمة "الأمن والأمان". فالعرض، وإن لجأ إلى المباشرة أحياناً، يطرح أفكاراً تقلق هذا الجمهور، وتجعله ينظر إلى واقعه في غضب. ويعيد التفكير في أشياء كثيرة، أصبحت من المسلمات، من كثرة شيوعها، وضغطها عليه، ومطاردتها له أينما حل.

عروض المهرجانات

ولعل المتابع لحركة المسرح، سواء في مصر أو في العالم العربي عموماً، يدرك أن هناك عروضاً أصبحت تصنع خصيصاً للمهرجانات، ليس مهما أن تمس هموم الناس. المهم، هنا، أن توغل في الاستعراض، أن تكون أكثر انغلاقاً على نفسها، وليذهب الجمهور إلى الجحيم. وسوف يتكفل النقاد بالتحليل والإشادة، وإلا تم اتهامهم بالرجعية والتخلف، وعدم مواكبة ما طرأ على المسرح من تطور في العالم كله.

المؤكد أن الكلام لا ينسحب على كل العروض "المهرجاناتية" ولا حتى لجان تحكيمها، فثمة عروض يمتلك صناعها وعياً يمكنهم من المواءمة بين الحداثة وما بعدها، وترك ولو مساحات صغيرة، ينفذ الجمهور من خلالها إلى مغزى أو معنى العرض. فالمتعة البصرية وحدها ليست غرض المسرح الوحيد، والمسرح لا يكتمل، في ظني، إلا بمتعتيه البصرية والفكرية.

المهرجانات، في غالبها، ترسخ فكرة الشكل، فكرة تغييب الجمهور، وكأننا أصبحنا بصدد معامل للمسرح لا يدخلها سوى المتخصصين، ليمارسوا التجريب مع أنفسهم، بعيداً من أصحاب الشأن، الجمهور.

تحديث النص

نص العرض مأخوذ عن مسرحية "الزجاج" تأليف الكاتب المصري الراحل ميخائيل رومان (1924-1973)، دراماتورجيا وأشعار أسامة سند، إخراج عزت زين.

يطرح نص العرض، الذي تم تحديثه ليواكب اللحظة الراهنة، فكرة الغربة التي يعيشها المثقف، في واقع ينهار فيه كل شيء. ذلك المثقف الذي يمكن أن يكون "دون كيشوت" عصرنا الحديث، يحارب طواحين الهواء، أو أولئك الساهين عن المياه التي تتسرب من السد، بعنف، لتغرقهم جميعاً في لحظات، من دون أن يهتم أحدهم لعلاج التشققات، التي تقوض، بسرعة شديدة، بنيان المجتمع كله.

"الفتارين" هي تلك الواجهات الزجاجية التي تتصدر المحال التجارية، وتعرض فيها البضائع. وهي تشير هنا إلى فكرة الاستهلاك، ليس البضائع فحسب، بل الأفكار أيضاً، التي ينتجها الغير، من دون رغبة في إنتاج بضائع وأفكار تخص المجتمع، وتكفيه شر الاستيراد. حتى إن بطل العرض حمدي (محمود عبدالمعطي) يسأل حارس عقار، توسم فيه الذكاء: أليس لديك قطعة أرض في قريتك تقوم بزراعتها بدلاً من خدمة الآخرين؟

السؤال هنا ينسحب على باقي أنماط العرض. هنا أنماط لا شخصيات، موظف البنك، الطبيب، صاحب المكتبة، الواعظ، البلطجي، المجنون... كلها شخصيات مشوهة ومتآكلة داخلياً، كل منهم لديه نوع من الشراهة، للمال، للنساء، للوجاهة، للطعام، لكنهم ليسوا فاعلين، بل إنهم متعاطون، مغيبون، حتى إنهم في لحظة نقاش حاد وجاد، ينصرفون للتحلق حول صانعة محتوى تافه، أو مطربي مهرجانات، أولئك الذين أصبحوا نجوماً في المجتمع، وأكثر شهرة، وحظوة، من العلماء والمفكرين والكتاب. وكأن التفاهة هي ما يجمع أفراد المجتمع ويجذبهم إليه، بعيداً من أي شيء جاد بإمكانه تطوير وعيهم، وإبصارهم ما آل إليه مجتمعهم من انهيارات.

3 مشاهد

العرض يدور في ثلاثة مشاهد (ديكور مصطفى فكري). الأول في مكتب حمدي، الذي رفض رشوة أحد المقاولين (باتع خليل)، مع شدة احتياجه إلى المال ليرضي زوجته المتطلعة، التي دائماً ما تعنفه بسبب فقره وعدم قدرته على تلبية طلباتها. وهي ابنة العز، التي رماها القدر على زواج غير متكافئ. بينما يدور المشهد الثاني في بيت الزوجية، لنتعرف على الزوجة وتطلعاتها، التي كان من شأنها أن يقبل الزوج الرشوة، لكنه لم يفعل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما المشهد الثالث، فهو الأطول، ويدور في الشارع الممتلئ بالفتارين، تلك التي يطالب بطل العرض بإزالتها، في إشارة إلى أنها، على المستويين المادي والمعنوي، سبب كل الابتلاءات التي يعانيها المجتمع.

المجتمعون في الشارع يقابلون طلب حمدي، ليس باستهجان فحسب، بل باعتباره شخصاً غير طبيعي. أية فتارين تلك التي يطالب بإزالتها، وهم ساهون عن أنها سبب أزمتهم، أو ربما نتيجة لها. وقد تعمد المخرج أن تكون كل لافتات الواجهات باللغة الإنجليزية، لتأكيد غياب الهوية، لكن أحداً لا يلتفت، أو لا يريد أن يلتفت.

صنع المخرج عزت زين فرجة مسرحية جيدة، بإمكانات مادية محدودة، واستطاع أن يخز الجمهور، بمشرط جراح ماهر، لعله يدرك ما أصابه من انهيارات. حتى لو لجأ إلى المباشرة في بعض الأحيان، بخاصة أن عرضه موجه بالأساس إلى جمهور إقليمي (الفيوم 95 كيلومتراً جنوب القاهرة)، يعد المسرح بالنسبة إليه نشاطاً موسمياً. لذلك لم يغفل الكوميديا والاستعراض (تصميم ياسمين عسكر) والأغاني، التي شكلت جزءاً من بنية الدراما، وأدت دوراً في إضفاء قدر من البهجة على العرض (أشعار أسامة سند، ألحان إيهاب حمدي) ليشعر هذا الجمهور، في النهاية، أنه يشاهد نفسه على خشبة المسرح، ومن ثم ينجذب إليه، ويتفاعل معه، ويتأثر بما يطرحه من أفكار. فما الذي نريده من المسرح أكثر من ذلك، حتى لو شابه بعض الفجوات الدرامية؟ كأن يلجأ المثقف إلى صاحب مكتبة ليكتب له رسالة أو شكوى على جهاز الكمبيوتر، وكأن هذا المثقف هو نفسه الذي تركه لنا ميخائيل رومان منذ أواخر ستينيات القرن الماضي.

في كل الأحوال، وعلى رغم أن هذه النوعية من العروض لا تحظى بقبول لجان التحكيم في المهرجانات، يظل عرض "الفتارين" واحداً من العروض التي تتحلى بالشجاعة، في مجتمع يلجأ الكثيرون فيه الآن، إلى الابتعاد عن مناقشة قضايا واقعهم، تجنبا لسطوة الرقابة وعسفها. فيضحي بالجوائز، مصراً على إيقاظ الوعي، حتى لو ارتفع صوته في بعض الأحيان. فالهمس يفقد معناه وجدواه في مجتمع كل ما فيه صاخب وغير متزن.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة