Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التصعيد العسكري الأوكراني هل يدفع بوتين إلى التراجع؟

إحباط 49 هجوماً على منشآت النقل و17 هجوماً على منشآت مجمع الوقود والطاقة في روسيا منذ بداية العام الحالي

استهدفت القوات الأوكرانية نظام الحرب الإلكترونية الروسي "فولنا كوبول غارانت" في مقر الوحدة العسكرية رقم 2156 بمدينة غيلينجيك جنوب روسيا (أ ف ب)

ملخص

يرى خبراء أن الهدف الرئيس لحلفاء أوكرانيا الغربيين ليس حل النزاع، بل محاولة كسب الوقت لإعادة بناء البنية التحتية الأوكرانية وتعزيز الجيش وإطلاق إنتاج الصواريخ الأوروبية.

فاجأت الطبيعة المتغيرة للصراع في أوكرانيا كثيرين حول العالم، سواء من حيث الحجم المروع للخسائر التي تلحق بجيشي البلدين، وبالمرافق الحيوية والبنية التحتية لدى جانبي الصراع، أو من حيث الديناميكية والجرأة المطلقة اللتان تميزت بها العمليات العسكرية الأوكرانية في الفترة الأخيرة، حيث أصبحت تطاول عمق الأراضي الروسية ومصافي النفط والمخازن اللوجيستية لأكبر شركة مبيعات إلكترونية في روسيا.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، اخترقت الضربات الأوكرانية البعيدة المدى عمق روسيا أكثر من أي وقت مضى، وأوقعت قتلى وجرحى بالعشرات يومياً في مناطق متفرقة من روسيا. وتأمل كييف بأن تُضعف هذه الحملة الروح المعنوية الروسية، وتجعل الكرملين يخفف من مطالبه وشروطه لإنهاء هذه الحرب أو وقفها موقتاً في الأقل، لكن ثمة خطراً من أن تصب هذه الهجمات الدامية في مصلحة المتشددين الذين يدعون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تصعيد الصراع بدلاً من تجميده، بحسب ما ذكرت صحيفة "التايمز" البريطانية.

النجاح التقني للحملة الأوكرانية ضد أهداف مدنية وعسكرية وقطاع الطاقة الروسي، لا جدل فيه. ففي ذروة الحملة، أدت الضربات إلى تعطيل أكثر من ثلث طاقة تكرير النفط الروسية، لكن الجدل يدور حول مدى تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية منها، بعدما جعلت هذه الضربات المواطنين الروس يستشعرون أهوال الحرب حتى لو كانوا على بعد مئات وآلاف الكيلومترات من خط الجبهة.

حرب فوق البر والبحر

لم تقتصر الهجمات الأوكرانية المتصاعدة بالطائرات المسيرة على أهداف في عمق البر الروسي، بل طاولت أيضاً البحار التي تحد كلا البلدين. فقد أدت الهجمات على السفن في بحر آزوف، التي ألحقت أضراراً بـ236 سفينة في يوليو (تموز) وحده، إلى تقييد حركة الملاحة التجارية بصورة كبيرة على طول هذا الممر المائي الحيوي. وانخفض حجم حركة المرور بنحو ثلاثة أرباع.

كذلك حوّلت أوكرانيا أخيراً تركيزها إلى الهجمات على مبان ومستودعات تابعة لشركة "وايلدبيريز" التي تعدّ أكبر شركة روسية للتسويق الإلكتروني. فقد تعرّض أكثر من 12 مستودعاً ومركزاً لوجيستياً كبيراً تابعاً للشركة للهجوم، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار أو تدمير ما يقارب 20 في المئة من إجمال سعتها التخزينية، وكانت الأضرار واسعة النطاق. ووفقاً لأحد التقديرات، تجاوز إجمال الأضرار حتى الآن 280 مليار روبل (ما يساوي 3.5 مليار دولار).

وعلى رغم ذلك، ارتفعت عائدات النفط والغاز الروسية مع استمرار الأزمة في الخليج. وعلى رغم انخفاض الإيرادات الأساس بنحو الخمس منذ بدء الحملة، فإنها بدأت تستقر الآن. وبالمثل، تعد شركة "وايلدبريز" بتعويضات محدودة للبائعين، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى نقل مخزونها لمستودعات أكثر أماناً في كازاخستان المجاورة، حسبما ذكرت صحيفة "التايمز".

رد بوتين

ومع تصاعد وتيرة الهجمات اليومية، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عزمه على مواصلة الحرب، متجاهلاً اقتراح أوكرانيا وقف الضربات البعيدة المدى ضد روسيا. وصرح رداً على آخر مقترح أوكراني بوقف الغارات الجوية المتبادلة وحصر العمليات القتالية في أربع مناطق، هي مقاطعتا دونيتسك ولوغانسك، ومنطقتا زابوروجيا وخيرسون، بأن "إنقاذ نظام كييف" ليس ضمن خطط روسيا. ووفقاً للرئيس الروسي، فإن الهدف الرئيس لجيشه هو التحرير الكامل لمنطقة دونباس.

ووصف بوتين المبادرة الأوكرانية بأنها مناورة تكتيكية بسبب نقص الأفراد، وذكر أن الولايات المتحدة ستستأنف المفاوضات في شأن أوكرانيا بعد انتهاء "المرحلة الساخنة" من الصراع الإيراني. وكشف في مقابلة مع قناة "فيستي" التلفزيونية أن موسكو تلقت اقتراحاً بحصر العمليات العسكرية في أربع مناطق وأعلن رفضه القاطع لهذا الاقتراح.

وبحسب قوله، فإن قبول هذا الاقتراح سيسمح لأوكرانيا بإعادة نشر قواتها من مناطق ميكولايف ودنيبروبيتروفسك وخاركيف وسومي، إضافة إلى بعض أجزاء الحدود. وأضاف "بالنظر إلى النقص الكارثي في الأفراد، يبدو أن القوات المسلحة الأوكرانية تعتقد أن هذا قد يكون طوق نجاتها".

كذلك حذر بوتين من أن أوكرانيا ستدفع ثمن هجماتها على عمق الأراضي الروسية بخسارة أراضٍ ضرورية لإنشاء منطقة عازلة. وأضاف أن الضربات الروسية الانتقامية في عمق الأراضي الأوكرانية ستكون "أقوى وأكثر إيلاماً" من الهجمات الأوكرانية على روسيا.

وفي حديثه عن آفاق التوصل إلى تسوية، أكد بوتين أن موسكو تتوقع وصول ممثلين أميركيين بعد انتهاء "المرحلة الساخنة" من الصراع الإيراني. وأوضح أن الولايات المتحدة وروسيا ناقشتا، خلال قمة العام الماضي في أنكوريج، إمكانات إنهاء الصراع، ووافقت موسكو على المقترحات الأميركية، إلا أنه لم يجرِ توقيع أي اتفاقات رسمية. وأضاف أن الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو مستعد أيضاً لتيسير عملية التفاوض.

ولا تزال تفاصيل مبادرة أوكرانيا للحد من الأعمال العدائية غامضة، فلم يحدد بوتين تاريخ استلام المقترح أو القناة التي أرسل من خلالها. ولم يؤكد الجانب الأوكراني هذه الخطوة تحديداً بصورة علنية. وفي سياق عملية السلام الجارية، سبق لأوكرانيا أن طرحت مبادرات مختلفة. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، اقترح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنشاء منطقة منزوعة السلاح في دونباس مع منطقة عازلة تحت سيطرة دولية، وخلال محادثات برلين في أواخر مايو (أيار) الماضي، نوقشت مسودة خطة سلام وصفها زيلينسكي نفسه بأنها "غير كاملة، ولكنها قابلة للتطبيق". ولم توافق روسيا حتى الآن على أي من هذه المقترحات.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أعلن صراحة أن روسيا ستشن، بتوجيه من الرئيس بوتين، ضربات منتظمة وواسعة النطاق ضد أهداف في أوكرانيا تُعدّ سلامتها أمراً بالغ الأهمية للقوات المسلحة الأوكرانية.

بحسب وزير الخارجية الروسي، تأتي هذه الإجراءات رداً على هجمات كييف. وأشار إلى أن القائد الأعلى للقوات المسلحة قد حدد المهمة المطلوبة، وأن القوات المسلحة الروسية تنفذها بالفعل وستواصل القيام بذلك. وقال إن الجانب الأوكراني كان "يستهدف عمداً أهدافاً ومنشآت مدنية"، وصنّف الكرملين الضربات على أنها "هجمات إرهابية".

تصدرت الهجمات الصفحات الأولى للصحف الروسية طوال معظم الشهر الماضي، وبحسب استطلاع رأي أجرته شركة "ليفادا"، انخفضت نسبة الروس الذين يعتقدون أن الحرب تسير على ما يرام الشهر الماضي إلى مستوى قياسي بلغ 50 في المئة، أي أقل بـ19 نقطة مئوية عن الفترة نفسها من العام الماضي. في المقابل، قال 28 في المئة فقط إنهم يعتقدون أن الحرب تسير بصورة سيئة، بينما لم يُبدِ الباقون رأياً واضحاً.

ولاحظ علماء الاجتماع أيضاً انخفاضاً في معدلات تأييد بوتين الشخصية. وعلى رغم أنها لا تزال مرتفعة بصورة لافتة بسبب غياب أي معارضة حقيقية، فإنها انخفضت إلى 74 في المئة، وهو أدنى مستوى لها منذ بدء الحرب في أوكرانيا.

ويُلاحظ أن السخط يتزايد أيضاً بين الروس، وهو موجه ليس بالضرورة ضد بوتين وحكومته بقدر ما هو موجه ضدّ أوكرانيا وقيادتها التي يتهمونها بـ"ممالأة الغرب والانقياد لتوجيهاته". فبينما تُؤيد الغالبية تجميد الصراع وبدء المفاوضات، هناك فئة تعتقد أنه، إذا كان هناك ما يجب فعله، فهو تصعيد قصف أوكرانيا ومرافقها الحيوية ومراكز قيادتها.

يرى البعض أن تزايد عدد الضحايا المدنيين في روسيا يصبّ في مصلحة المتشددين في الكرملين الداعين إلى السير بالحرب حتى استسلام كييف، بينما يعتبر آخرون أن نشر وسائل الإعلام الحكومية الروسية معلومات فورية وموثقة عن الخسائر المحلية الهدف منه إقناع الشعب الروسي بأن بلاده هي الضحية وليست المعتدية على أوكرانيا والغرب على وجه الخصوص.

يهدف بوتين إلى إضفاء الشرعية على الحرب وأي تصعيد مستقبلي. كان وعده الضمني الأولي هو أن الروس لن يُجبروا على القتال إلا إذا تطوعوا. ثم حاول تصوير "عمليته العسكرية الخاصة" كضرورة وجودية. وعلى رغم حملة دعائية ضخمة، لم ينجح هذا الطرح. قد يكون اتباع نهج جديد أكثر فاعلية في تعزيز الدعم للنظام وتبرير خطوات غير شعبية، مثل تعبئة جنود الاحتياط لسد النقص الحالي في التجنيد الإجباري.

بتوجيهات شخصية من بوتين ترد روسيا بالفعل على الحريق بالنار. فقد تعرض مجمع موانئ أوديسا الكبرى لهجمات متكررة، مما أدى إلى تعليق معظم حركة الملاحة في المنطقة.

وأعلن مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف أن التسوية الأوكرانية ستبقى في مكانها حتى لو شنت كثيراً من الضربات وأجرت عشرات الجولات من المفاوضات ما لم تسحب كييف قواتها من دونباس، وأشار أيضاً إلى أن كييف تدرك ضرورة سحب القوات من أراضي دونباس وأنها ستضطر إلى أن تفعل ذلك عاجلاً أم آجلاً.

ومع استنفاد أوكرانيا لجميع مخزوناتها من صواريخ "باتريوت" اللازمة لاعتراض الصواريخ الباليستية والفرط صوتية الروسية، هناك مخاوف من أن موسكو ستستأنف حملتها ضد البنية التحتية للطاقة مع حلول فصل الشتاء، التي تعمل بالفعل بأقل من ثلث طاقتها قبل الحرب.

هدف أوكرانيا

منذ أواخر يونيو (حزيران) الماضي وحتى اليوم، يشنّ الجيش الأوكراني حملةً عسكريةً لا تزال مستمرة منذ أكثر من 50 يوماً، وجّه خلالها ضرباتٍ عنيفة وعميقةً ضد روسيا، لإجبارها على وقف النار وإنهاء الحرب قبل حلول الشتاء المقبل. صحيح أن هذه الهجمات كانت خطوة محفوفة بالأخطار، ولكن الرئيس الأوكراني يعتقد أنه بحاجة إلى أن يظهر لحلفاء أوكرانيا الغربيين، لا سيما الرئيس ترمب المشكك بقدرات بلاده وامتلاكها أدوات ضغط قوية، أنه يمتلك أوراقاً رابحة، وفق خبراء في الشأن العسكري.

ويُلاحظ في الوقت ذاته، أنه كان هناك شعور حقيقي لدى بعض الأوساط في كييف، بأن السخط المتراكم داخل النخبة الروسية قد يطفو على السطح من خلال ضربات عميقة تستهدف أهدافاً اقتصادية بارزة.

ويقول الخبراء "قد تنجح محاولات إضعاف معنويات أمة وإجبارها على طلب السلام عبر الغارات الجوية، ولكن فقط إذا كان الخصم قادراً على توجيه ضربات مدمرة حقاً. ففي الحرب العالمية الثانية، أجبر القصف الذري الأميركي لمدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابان على الاستسلام، لكن حملة القصف الألماني الجوي المكثف ضد بريطانيا لم تزدها إلا إصراراً على المقاومة والمضي في الحرب. وحتى الآن، لم تتمكن أوكرانيا من تحقيق التأثير ذاته".

وعلى رغم ذلك، يرى هؤلاء الخبراء أن الضربات العميقة تقوض بلا شك الثقة في بوتين وتضعف الاقتصاد، ومن ثم الآلة العسكرية. لذلك تدفع النخب البراغماتية والتكنوقراطية في روسيا إلى المطالبة بصورة متزايدة بضبط النفس ووقف الأعمال العدائية.

في المقابل، هناك من رجح أن يستغل بعض مسؤولي الكرملين هذه الحملة كذريعة لدفع الرئيس الروسي إلى مرحلة أكثر عنفاً وتصعيداً في الحرب، في محاولة لإنهائها سريعاً وفق شروطهم. وتعني "حرب المستودعات" حتماً شنّ غارات في المناطق المأهولة بالسكان ومحيطها، مما يؤدي إلى ارتفاع عدد الضحايا المدنيين من كلا الجانبين. علاوة على ذلك، قد يشعر بوتين وفريق عمله الآن بمزيد من المبررات لتعبئة قوات إضافية لحملة الخريف، إذا ما شعروا أن "الموقف الشعبي المتعطش للانتقام يؤيدهم".

إن اختراق صاروخ روسي مارق للمجال الجوي البولندي قبل أسابيع واكتشاف طائرة مسيرة متفجرة مطلع أغسطس (آب) الجاري في مطار لايبزيغ/هاله بألمانيا، التي يبدو أنها كانت تستهدف طائرة شحن أوكرانية تحمل أسلحة، قد يكونان بمثابة بادرة انتقام وتحذير لما سيحدث.

ويقول المحللون "قد تؤدي المقامرة المحسوبة التي تقوم بها أوكرانيا إلى دفع بوتين للشروع في مغامرة أكثر خطورة".

ضربات ضد روسيا

علاوة على مصافي النفط والبنية التحتية للطاقة والمستودعات اللوجيستية للبضائع، ضربت القوات الأوكرانية نظام الحرب الإلكترونية الروسي "فولنا كوبول غارانت" في مقر الوحدة العسكرية رقم 2156 بمدينة غيلينجيك جنوب روسيا. وقد أفاد بذلك محلل الاستخبارات المفتوحة المصدر غاربوز من منظمة "دنيبرو أوسينت"، الذي نشر صوراً التقطتها الأقمار الاصطناعية في السابع من أغسطس الجاري.

وأوضح أن هذا النظام المعقد يخلق تداخلاً لاسلكياً موجهاً باتجاه القمر الاصطناعي، مما يمنعه من استقبال الإشارات من المحطات الأرضية.

وغير الضربات المحققة، أعلنت اللجنة الوطنية الروسية لمكافحة الإرهاب أنه جرى إحباط 49 هجوماً على منشآت النقل و17 هجوماً على منشآت مجمع الوقود والطاقة في روسيا منذ بداية العام الحالي. وأشارت إلى أن كييف تصعد وتيرة هجماتها التي تخترق في بعض الحالات منظومات حماية مرافق البنية التحتية وتستهدف هذه المرافق في عمق البلاد بعيداً من خطوط المواجهة.

وقال رئيس اللجنة ومدير هيئة الأمن الفيدرالية الروسية ألكسندر بورتنيكوف أول من أمس الثلاثاء، "لتنفيذ مخططاتها تكثف الأجهزة المتخصصة الأوكرانية تجنيدها للمواطنين الروس لتنفيذ الهجمات، فضلاً عن إرسال جماعات تخريبية". وأكد على "ضرورة تعزيز حماية مرافق النقل والوقود والطاقة من التخريب والإرهاب والتهديدات الأخرى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصاعد الحرب

استبعد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إمكانية انتهاء الحرب في أوكرانيا بانتصار عسكري حاسم لأي من الجانبين، في الأقل وفقاً للمفهوم التقليدي للانتصارات العسكرية. وقال "لن ينتهي (النزاع في أوكرانيا) بانتصار عسكري لأحد الطرفين، في الأقل بالمعنى التقليدي لكيفية تعريف الانتصارات العسكرية".

ومن جهته، حذر الجنرال إريك فاد، المستشار العسكري للمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، من تحول هذا النزاع إلى حرب أوروبية، مشيراً إلى أنه في حال استمرار الوضع على هذا النحو، فإن الأمور قد تتجه فعلاً إلى هذا السيناريو. ودعا إلى ضرورة التوصل سريعاً لاتفاق سلام في أوكرانيا بسبب تصاعد حدة النزاع. وقال في مقابلة مع صحيفة "برلينير زيتونغ" قبل أسبوعين "أعتقد أنه يجب عاجلاً العودة إلى مسار المفاوضات في الحرب في أوكرانيا، لأنه لا يوجد بديل حقيقي"، وأضاف أنه يجب توخي الحذر الشديد.

لكن المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أكدت أن قادة بريطانيا وألمانيا وفرنسا يطرحون شروطاً مرفوضة من جانب موسكو في البيان المتعلق بتسوية الأزمة الأوكرانية.

وكتب أندريه كلينتسيفيتش، رئيس مركز دراسة الصراعات العسكرية والسياسية، على "تيليغرام"، أن أزمة الأسلحة في الدول الغربية قد تؤدي إلى سلسلة من الاستفزازات التي تهدف إلى إقناع القيادة العسكرية والسياسية الروسية بالتنازل وبتعليق عملياتها العسكرية على الجبهة الأوكرانية. وأشار إلى أن الحلفاء الغربيين لا يزالون يجدون الأموال اللازمة لدعم أوكرانيا، لكن مخزوناتهم الصاروخية آخذة في النفاد. علاوة على ذلك، فقد أنفقت الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من مخزوناتها من الصواريخ الدقيقة البعيدة المدى في الحرب مع إيران، لذلك لا توجد موارد كافية لحرب إيران وأوكرانيا معاً في الوقت ذاته.

ويشير عالم السياسة إلى أن "الوقت ينفد أمام كييف على خطوط المواجهة. فالجيش الروسي يزيد من نطاق وقوة ودقة ضرباته، مدمراً البنية التحتية الأوكرانية في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة".

وبحسب هذا المتخصص، في ظل هذه الظروف، فإن حلفاء كييف الغربيين مستعدون لشن هجوم دبلوماسي على روسيا. ويشير إلى اقتراح تركيا بفرض وقف موقت للعمليات في البحر الأسود، ومبادرات أخرى محتملة قد تؤدي إلى مزيد من الاستفزازات.

وخلص إلى القول "قد يعود ويتكوف وكوشنير إلى موسكو في الأيام المقبلة. وستتبع ذلك عقوبات جديدة ووسطاء ومبادرات سلام وهجمات إعلامية. وسيكون هدفهم واحداً: خلق شعور بكارثة وشيكة وإقناع القيادة العسكرية والسياسية الروسية بالتوقف في اللحظة التي يكون فيها العدو في أمس الحاجة إلى فترة راحة".

ويؤكد هذا المتخصص أن الهدف الرئيس لحلفاء أوكرانيا الغربيين ليس حل النزاع، بل محاولة كسب الوقت لإعادة بناء البنية التحتية الأوكرانية وتعزيز الجيش وإطلاق إنتاج الصواريخ الأوروبية. ويؤكد أن روسيا لا تحتاج إلى وقف العمليات العسكرية اليوم.

وفي وقت سابق، صرح كونستانتين بلوخين، وهو باحث بارز في مركز الدراسات الأمنية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، بأن الولايات المتحدة، التي تراقب تطور الصراع بين روسيا وأوكرانيا، تعتزم السعي إلى الحصول على تنازلات من الجانب الذي يجد نفسه في موقف خاسر.

هل يتنازل بوتين عن شروطه لوقف الحرب؟

لا توجد إجابة قاطعة لهذا السؤال. فالضربات العسكرية الأوكرانية على الأراضي الروسية تُغيّر كلف الحرب بالنسبة إلى الكرملين، ولكن من غير المرجح أن تُجبر بوتين، بمفردها، على التراجع الكامل، إذ لا يزال النظام يملك الموارد اللازمة للتكيف.

صحيح أن الهجمات الناجحة على البنية التحتية والمنشآت العسكرية في عمق روسيا تُظهر للمواطنين الروس مدى ضعف جبهتهم الداخلية، وارتفاع كلف الحرب المستمرة منذ أربعة أعوام ونصف العام، لكن الصحيح أيضاً أنه لا يمكن عدّ هذه الهجمات المؤلمة أكثر من عنصر من عناصر الضغط قبل المفاوضات المحتملة، وهذا يمكن أن يؤثر ولو جزئياً في المواقف السياسية لأطراف النزاع قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وهذه الهجمات لا يمكنها تقويض الاستقرار الداخلي في روسيا، على رغم إلحاقها الضرر بالاقتصاد الروسي والخدمات اللوجيستية وخلق توترات داخلية بين النخب والمجتمع الروسي، لأن "نظام بوتين يمسك بالأمور بيد من حديد، ويقمع استباقياً أي تحرك يمكن أن يشكل خرقاً للاستقرار والتماسك المجتمعي".

ومن العوامل التي تقلل من احتمالية تراجع بوتين عن خططه، وتعزيز الموقف المتشدد للكرملين، أن الضغوط الخارجية غالباً ما تؤدي إلى الالتفاف حول الحكومة بدلاً من الاحتجاج على سياساتها، وهذه الاستجابات المجتمعية موروثة تاريخياً في روسيا منذ العهد القيصري.

والسيطرة المحكمة على السياسة الداخلية وتوافر الموارد يسمحان للكرملين بمواصلة العمليات العسكرية على رغم الدمار الموضعي، وتقدم هذه السيطرة هامش أمان قوياً للنظام ورأسه. فبوتين ينظر إلى نتيجة الصراع مع الغرب الجماعي في أوكرانيا على أنها وجودية بالنسبة إلى سلطته، لذا نادراً ما تجبر الضربات التكتيكية على تغيير المسار الاستراتيجي من دون استنفاد جميع الموارد الأخرى.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير