Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قانون العفو في لبنان: خفض العقوبات وإشكالية "المبعدين"

لن يؤدي إلى إخلاء سبيل الشيخ أحمد الأسير بصورة فورية... وألزم القاضي الإفراج عن المسجون الذي تجاوزت فترة توقيفه 12 سنة سجنية

نص القانون على خفض العقوبات، فاستبدل الإعدام بالسجن 28 سنة سجنية، والأشغال الشاقة أصبحت 17 سنة سجنية، وخفض ثلث العقوبات الأخرى المختلفة (اندبندنت عربية)

ملخص

منذ عهد الاستقلال شهد لبنان 16 قانوناً للعفو العام، تعددت أسبابها والعوامل الدافعة لها، فتراوحت ما بين المبررات الانتخابية والسلم الأهلي، وحتى معالجة مشكلة الاكتظاظ داخل السجون. وكان أول عفو عام في الـ19 من أكتوبر (تشرين الأول) 1949 لمناسبة بدء الولاية الثانية للرئيس بشارة الخوري، وتعاقبت قوانين العفو، فصدر قانون العفو عن الجرائم العسكرية خلال عهد كميل شمعون، وعفا الرئيس فؤاد شهاب عن أحداث ثورة 1958، وسجل عهد شارل حلو رقماً قياسياً بـ6 قوانين عفو عام تنوعت بين جرائم المطبوعات والضالعين بانقلاب الحزب السوري القومي الاجتماعي ضد الرئيس السابق فؤاد شهاب. وصدر خلال عهد سليمان فرنجية قانونَي عفو عام، وصولاً إلى العفو الصادر في نهاية الحرب الأهلية عام 1991، والعفو العام الصادر في الـ20 من يوليو (تموز) 2005 الذي أنهى المشرع بموجبه مفعول بعض القرارات الصادرة عن المجلس العدلي ومحكمة جنايات بيروت، مما أسهم في إخلاء سبيل رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، قبل أن يأتي القانون الحالي ليخفف العقوبات عن الجرائم.

بعد أعوام من الشد والجذب والتعديلات العميقة، أقرت الهيئة العامة لمجلس النواب اللبناني قانوناً للعفو العام على "قياس القوى السياسية"، إذ عكست مواد القانون السياسة التشريعية القائمة على تقديم التوازنات الطائفية الدقيقة والخصوصيات المناطقية ومنطق المزايدات الشعبوية على سواه من المبادئ القانونية والحقوقية. وانضم قانون العفو الجديد إلى قائمة القوانين الاستثنائية التي تأتي بحلول ظرفية وموقتة، فالقانون الذي أُريد له حل مشكلة اكتظاظ السجون، وإنصاف "السجناء الإسلاميين" بعد أعوام طويلة من التوقيف من دون محاكمة، فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاطي مع "المبعدين" من جنوب لبنان بعد التحرير في الـ23 من مايو (أيار) عام 2000.

كذلك، جاء القانون تكريساً لمسار جديد بدأ بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، وانفتاح الإدارة الجديدة على استرداد دمشق للمسجونين السوريين في لبنان. ولاقى ترحيباً من قبل أهالي الموقوفين، فرأت الناشطة في لجنة أهالي السجناء رائدة الصلح أن "إقرار القانون خطوة أولى ضرورية لمعالجة كارثة اكتظاظ السجون، لكنه قانون منقوص"، موضحة "لقد أسقطنا فخ المادة التي كانت تحيل لقانون تنفيذ العقوبات، ولكن القانون الجديد لا يزال يحمل استثناءات واسعة". وتلفت إلى أن "القانون على رغم إخلائه سبيل شريحة واسعة من الموقوفين، فإنه ترك مئات العائلات خارج العفو، وسيبقى أبناؤها في السجون بانتظار محاكمات ربما تمتد لأعوام". وعبرت عن موقف الأهالي بالقول "نحن لا نطلب عفواً عن الدماء. نحن نطلب عدالة سريعة وعادلة".

من جهته نقل المتحدث باسم "شباب مسجد بلال بن رباح" (رفاق الشيخ أحمد الأسير المعتقل) محمد شامية امتعاض الأهالي من معالجة الملف، إذ "ألحق الغبن بالشبان وحرموا من العفو، فيما استفاد المئات من باقي الطوائف... نحن نرفض استمرار 15 عاماً من الظلم بحق الشيخ الأسير ورفاقه، وسنعبر عن رفضنا بطرق مختلفة".

قانون الممكن

وانطلقت الأسباب الموجبة لقانون العفو من أرض الواقع، مقدماً تشخيصاً للحال اللبنانية، إذ "يرزح البلد منذ أعوام تحت وطأة أزمات متلاحقة طاولت مرفقَي القضاء وإدارة السجون، وأفضت إلى أزمة إنسانية حادة تجلت في احتجاز الموقوفين والسجناء لفترات تتجاوز المهل القانونية المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية"، وأشار المشرع ضمن قائمة الأسباب إلى الأزمات السياسية والدستورية المتلاحقة وتأخر تشكيل الحكومات وشغور سدة رئاسة الجمهورية، إضافة إلى التأكيد على أن "العدالة المتأخرة تفقد معناها العملي".

ومنح القانون عفواً عن الجرائم المرتكبة قبل الأول من مارس (آذار) الماضي، وأقر "سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها"، وتسقط أيضاً جميع الملاحقات والأحكام والقرارات، سواء كانت وجاهية أو غيابية أو بمثابة الوجاهية. إلا أنه استثنى قائمة من الجرائم، في مقدمتها تلك التي أحيلت على المجلس العدلي، ولا سيما القتل عمداً أو قصداً والجرائم الواردة في قانون الإرهاب بحق المدنيين أو العسكريين، وبعض الجرائم المحالة على القضاء العسكري، وجرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، وجنايات تكرار المخدرات، والجرائم المتعلقة بالتعدي على الأملاك العامة والمشاعات البلدية، والجرائم الواقعة على المال العام وجرائم الفساد والجرائم المصرفية وتلك المتعلقة بالآثار، وجرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القُصر وأحكام قانون التعذيب والإخفاء القسري، وجرائم السرقة المشددة والجرائم البيئية.

كذلك نص القانون على خفض العقوبات، فاستبدل الإعدام بالسجن 28 سنة سجنية، والأشغال الشاقة أصبحت 17 سنة سجنية، وخفض ثلث العقوبات الأخرى المختلفة، بينما يبقى حق النظر في الحقوق الشخصية عن جرم شمله العفو من اختصاص المحاكم الجزائية إذا كانت الدعوى العامة قُدمت مباشرةً أمام المراجع الجزائية أو أحيلت إليها بموجب القانون. ونصت المادة الخامسة على استثناء مهم من شأنه إنصاف الموقوفين من دون محاكمة، وتخفيف الاكتظاظ داخل السجون حيث ألزمت القاضي إخلاء سبيل المسجون الذي تجاوزت فترة توقيفه 12 سنة سجنية. 

ترحيب واسع

لاقى إقرار قانون العفو ترحيباً شعبياً واسعاً من أهالي الموقوفين، فيما دافع عنه النواب الداعمين في مواجهة تحفظات "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"، وقدمت بعض الجهات الحقوقية تساؤلات حول الآليات التطبيقية ومصير مؤسسة العدالة في لبنان.

وتنص المادة 10 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن "دعوى الحق العام تسقط بالعفو العام"، فيسقط العفو العام الصفة الجرمية عن بعض الأفعال، مما يستتبع سقوط دعوى الحق العام وسقوط العقوبات الأصلية والفرعية والإضافية التي كانت معينة قانوناً للجرائم المعفاة. لكن لا تأثير للعفو في الحقوق الشخصية ولا يشمل التدابير الاحترازية والإصلاحية إلا بنص صريح في قانون العفو.  

ويؤكد نقيب المحامين السابق في طرابلس والشمال محمد المراد أن "القانون جاء لينهي مرحلة من المحاكمات غير العادلة وظروف سياسية غير متوازنة وملفات ملتبسة كملف 'عبرا' والشيخ أحمد الأسير، وسادت مشاعر المظلومية في أوساط الموقوفين وأهاليهم، وبدأت تكبر ككرة الثلج في الأوساط المختلفة. فبدأت المطالبة في أوساط الإسلاميين قبل أن تتسع لتشمل فئات أخرى مستفيدة من مندرجات القانون".

ويعتقد بأن "التغيير السياسي في المنطقة شكّل دفعاً لقانون العفو الحالي بعد أعوام من الآذان الصماء، واندفعت مجموعة من النواب من أجل تقديم اقتراح والمشاركة في النقاشات"، معتبراً أن "القانون رفع الظلم نسبياً عن كثير من المسجونين والمحكومين، كما استفاد مرتكبو جرائم جنائية وجنح. وبدأ أيضاً بمعالجة إشكالية كبيرة اسمها ’السجون‘".

ويكشف المراد عن دراسة أعدها تفيد بإخلاء سبيل 3500 مسجون خلال ستة أشهر بموجب القانون الحالي، "ولكن الخوف كل الخوف من تحوله إلى إجراء موقت، فإذا لم تعالج أزمة السجون فستعود لسابق عهدها خلال أعوام قليلة بفعل تقصير الدولة".

ويقول "يمكن للقانون أن يشكل بداية جديدة للعلاقات السياسية في لبنان، وتجاوز حال الانقسام وبدء مرحلة التقارب الوطني، بالتالي التوجه نحو المشكلات الخطرة التي تعصف بالبلاد".

ويفرض القانون مسؤوليات كبيرة على عاتق المحامين من أجل إعداد ملفات إخلاء السبيل، من هنا يلفت المراد إلى أن القانون نص على إجراءات متعددة، مشيراً إلى "تطبيق قانون العفو بواسطة قضاة النيابة العامة أي النيابة العامة التمييزية والنيابات العامة الاستئنافية، وليس قضاة الحكم، إذ يجب تصنيف وحساب فترات التوقيف، كما تقع على عاتق المحامين ملاحقة ملفاتهم، ناهيك عن جهد يقوم به مكتب المعونة القضائية في نقابة المحامين بطرابلس للدفاع عن الموكلين الفقراء ومحدودي الحال لمتابعة الملف من الناحية الإجرائية".

وأقرّ المراد بوجود تفاهمات سياسية ساعدت في تمرير القانون، وهو أمر سائد منذ عام 1991،عندما جاء قانون العفو في حينه نتيجة توافق سياسي، ليشمل الجرائم السياسية بسبب ضلوع مختلف الأطراف بارتكاب جرائم الحرب، مضيفاً "اعتدنا أن يأتي قانون العفو لتلبية ظروف القوى السياسية ويتماهى مع السياق العام الواقعي".  

مسار طويل

أسهم "تجمع النواب السنة" في دفع كبير لاقتراح القانون نحو الهيئة العامة للبرلمان من أجل إقراره، ويقارب النائب عن صيدا الدكتور عبدالرحمن البزري القانون من زاوية أنه "قانون خفض أحكام وليس قانون عفو عام"، متحدثاً عن مسار طويل قطعه "نواب سنّة" لوضع القانون ومناقشته وصولاً إلى إقرار "أفضل الممكن"، ومشيراً إلى محاولات لتجويف النسخة الرئيسة للقانون من جوهرها باقتراح تعديلات واستثناءات في اللجان المشتركة التي أفقدته كثيراً من روحيته.

ويوضح أن "مجموعة من النواب السنة قامت بجهد مشترك، وتقدم هؤلاء باقتراح متفق عليه، لاقى ترحيباً من النواب السنة الباقين، ومن ثم عرضنا الاقتراح الجديد على رئيس مجلس النواب نبيه بري وكان له موقف إيجابي، كما حصل على تأييد كتل الجمهورية القوية (القوات اللبنانية) والتقدمي الاشتراكي، في مقابل تحفظ مبدئي من كتل أخرى".

ويلفت البزري إلى عقبة "الحكم المبرم" التي كادت تطيح بالتوافق، فنشب خلاف حول تفسير هذا المفهوم والموضوع القانوني المحض، قبل التوصل إلى تسوية تتيح الإفراج عن أعداد كبيرة من الموقوفين الإسلاميين أي قرابة 60 في المئة منهم، (80 من أصل 140 شخصاً)، فيما سيُخلى سبيل الباقين خلال مدة تراوح ما بين عام وعامين، مشدداً على أهمية إقرار القانون لأنه "سيحل مشكلة الاكتظاظ داخل السجون، حيث يقيم النزلاء في ظروف غير إنسانية وغير صحية، وأماكن لا تتم صيانتها".  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويردف أن "نسبة الاستيعاب القصوى جرى تجاوزها، فالسجون اللبنانية تستقبل مبدئياً 4 آلاف نزيل، ولكنها تضم حالياً 7500 نزيل، ناهيك عن وجود 2000 آخرين داخل نظارات المخافر وقصور العدل، بل إن الأسوأ من ذلك هو وجود 1500 محكوم من بينهم فقط".

ويقول البزري إن عوامل عدة أدت إلى إقرار القانون، في مقدمتها "تغيير في المزاج السياسي في البلد والمنطقة ساعد في إقرار القانون العالق لأعوام" والسعي إلى تجاوز حقبة القضاء العسكري المسيس والمنحاز، إضافة إلى "استرداد الدولة السورية لموقوفيها في لبنان من أجل محاكمتهم في بلادهم"، متحدثاً عن "إنقاذ القانون من محاولات التفخيخ وإسقاطه بالكامل". وينوه إلى شعور مشترك بـ"وجود نية لدى بعضهم بعدم إفادة بعض الموقوفين الإسلاميين وفي مقدمتهم الشيخ أحمد الأسير من العفو"، متسائلاً "هل يعقل إبقاء سجناء من دون محاكمة لأعوام طويلة؟ وماذا لو ثبتت براءة هؤلاء؟".

ملف المبعدين

كذلك يفتح القانون الباب أمام عودة اللبنانيين المبعدين من جنوب لبنان منذ مايو (أيار) 2000، بعد مرور 26 عاماً، وأوضح النائب عن كتلة "الجمهورية القوية" زياد حواط خلال تصريح صحافي أن "أي مواطن لبناني موجود في إسرائيل، ولم يكُن في ’جيش أنطوان لحد‘ (’جيش لبنان الجنوبي‘ الذي كان ينال الدعم من إسرائيل)، ولم يصدر حكم بحقه يمكنه العودة للبنان بعد نشر قانون العفو العام في الجريدة الرسمية شرط التخلي عن الجنسية الإسرائيلية".

من جهته يوضح النائب عبدالرحمن البزري أن "المادة المتعلقة بالمبعدين إلى الأراضي المحتلة، تأسست على القانون الصادر عام 2011، وهو قانون ولِد برعاية تفاهم 'التيار الوطني الحر' و'حزب الله'"، لافتاً إلى أن "فلسفة القانون انطلقت من أن التحرير أدى إلى حال خوف من الانتقام لدى شريحة كبيرة من السكان، وغادرت شرائح مختلفة من الناس، فبعضهم كان مرتبطاً بالميليشيات المتعاملة مع العدو، وبعضهم الآخر غادر ملتحقاً بالجيش الإسرائيلي، ولكن هناك شريحة كبيرة من النساء والأولاد ممن غادروا أرضهم مكرهين". ويقول "ما قام به النواب في القانون الحالي إنما هو إعادة تذكير بالنص القديم، ودفعه إلى التطبيق من دون حاجة إلى إقرار مراسيم تطبيقية إضافية".

من جهته يشرح المراد أن "القانون الصادر عام 2011 عالج مسألة الفارين من لبنان، وجاء القانون الجديد على غرار السابق ليصنف هؤلاء إلى فئتين، فئة المستفيدين وهي الفئة التي لم تشترك مع 'جيش لحد' في القتال إلى جانب الجيش الإسرائيلي، والفئة غير المستفيدة التي شاركت في القتال". ويرى أنه "في المبدأ لا يجب محاكمة النوايا، ولكن هناك سؤالاً جدياً، هل سيبادر من نشأ وولد وكبر هناك، واندمج في المجتمع وتوظف وتعلم، هل سيعود للبنان على وجه الحقيقة؟".     

في الموازاة، يسود تشكيك في إمكان عودة المبعدين للبنان بعد مرور 26 عاماً على المغادرة، وبدء حياة جديدة، بل إن بعض اللبنانيين المبعدين أعرب عن عدم حماسة لذلك بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي. ورفض شموله بقانون واحد مع من وصفهم بـ"السفاحين والمجرمين والمغتصبين والخائنين" كما كتبت الشابة المبعدة، مريم يونس عبر "إكس". ولقي النص المرتبط بالعفو عن المبعدين استنكاراً من بعض الناشطين اللبنانيين بوصفه برأيهم "تبريراً لجرائم العمالة والتطبيع التي لا يزال يعاقب عليها قانون العقوبات اللبناني".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات