ملخص
رداً على تكثيف المسيرات الأوكرانية هجماتها ضد مستودعات الوقود ومصافي النفط في أرجاء متفرقة من الأراضي الروسية، مما تسبب في ارتباك شديد الوطأة في مراكز التوزيع ومحطات الوقود، سارع الرئيس فلاديمير بوتين إلى عقد عدد من الاجتماعات لاحتواء الموقف، واتخاذ ما يلزم من إجراءات، بما تيسر معه خلال أسابيع قلائل استعادة زمام الموقف.
فيما كان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي يفرك يديه ابتهاجاً بنجاح مسيراته في قصف مستودعات الوقود ومصافي النفط في عمق الأراضي الروسية ولمسافات بعيدة عن الحدود الأوكرانية، كان للكرملين رأي آخر، إذ سرعان ما انطلقت الصواريخ الباليستية والأسلحة فرط الصوتية لتقول كلمتها في شأن "خطة الـ40 يوماً" التي أعلنها زيلينسكي سبيلاً إلى حسم المعركة مع روسيا.
وبينما كانت الماكينة الدعائية لكييف وحلفائها في العواصم الغربية تتيه فخراً ببوادر إنجازات "خطة الـ40 يوماً"، من خلال ما نشرته من صور طوابير السيارات التي اصطفت إلى جوار محطات توزيع الوقود في أرجاء متفرقة من الأراضي الروسية، كانت صواريخ "أوريشنيك"، وإسكندر، و"تسيركون"، وكينغال وغيرها تقوم بقصف الموانئ الأوكرانية الحيوية، ومصانع السلاح، وورش تجميع المسيرات، والمنشآت اللوجيستية، ومراكز صناعة القرار في كييف وكبريات المدن الأوكرانية، لتشل حركة النقل البحري وتحول دون وصول إمدادات المعدات والأسلحة، وتُفقِد أوكرانيا ثلث قدرتها التصديرية للحبوب.
"خطة الـ40 يوماً"
هي خطة وضعها جهاز الأمن الأوكراني، بهدف الضغط على موسكو لوقف عملياتها القتالية. وفي إطار هذه الخطة تم تكليف وحدة الأعمال الاستراتيجية بإنجاز ثلاث مهام في غضون 40 يوماً، يمكن تلخيصها في عزل شبه جزيرة القرم، والنيل من مجمع الطاقة الروسي، وتعطيل أنظمة الإنذار والاستطلاع والأمن الجوي الروسية. وقد أقر زيلينسكي هذه الخطة في الـ25 من يونيو (حزيران) الماضي، بهدف زعزعة استقرار روسيا من الداخل قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر (أيلول) المقبل.
وتقول المصادر إن "فترة الـ40 يوماً لم تُحسب فقط لتتزامن مع فترة الاستعداد للانتخابات في روسيا، بل وعلى الأرجح لمراعاة عدد من العوامل الأخرى عند اختيار هذا الإطار الزمني: قائمة الأهداف الروسية المستهدفة بالهجوم، وإمكان حصول القوات المسلحة الأوكرانية على طائرات من دون طيار وصواريخ كروز، وجدول الضربات الواسعة النطاق المتوقعة، وتوقيت وكمية شحنات أسلحة الدفاع الجوي الجديدة من شركاء أوكرانيا الدوليين"، وها هي فترة الـ40 يوماً تشارف على نهايتها، فماذا كانت النتائج؟
رداً على تكثيف المسيرات الأوكرانية هجماتها ضد مستودعات الوقود ومصافي النفط في أرجاء متفرقة من الأراضي الروسية، مما تسبب في ارتباك شديد الوطأة في مراكز التوزيع ومحطات الوقود، سارع الرئيس فلاديمير بوتين إلى عقد عدد من الاجتماعات لاحتواء الموقف، واتخاذ ما يلزم من إجراءات، بما تيسرت معه خلال أسابيع قلائل استعادة زمام الموقف. وننقل عن صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس" بعضاً مما كتبته حول تكثيف الجانب الروسي قصفه ضد أوديسا ونيكولايف وإيليتشيفسك وإسماعيل، التي أصبحت موانئها قاعدة الشحن الرئيسة لنقل الأسلحة والطائرات المسيرة إلى أوكرانيا، صمن خطته التي حددها في "الـ40 يوماً".
وقالت الصحيفة إن القوات الروسية بدأت بتطهير مياه البحر الأسود بشكل كامل من "الأسطول السري" الأوكراني، باستخدام المسيرات والصواريخ، بما تيسر معه تدمير مرافق البنية التحتية للموانئ في أوديسا ونيكولاييف وتشورنومورسك ونيكولاييف، إضافة إلى مرافق البنية التحتية للوقود والطاقة والنقل، بما في ذلك محطة توليد الطاقة الحرارية في مقاطعة سومي شمالي أوكرانيا، ومستودعات الطاقة، ومئات محطات الوقود.
وفي أسبوع واحد، من الـ25 إلى الـ31 من يوليو (تموز) تضررت 31 سفينة بحرية تستخدم لصالح القوات المسلحة الأوكرانية، بما في ذلك 23 سفينة شحن جافة، وأربع سفن شحن سائبة، وقاطرتان، وسفينة رافعة، وسفينة إنزال. وخلصت المصادر الروسية إلى أن "حركة الملاحة في البحر الأسود الأوكراني توقفت تماماً. وتكبد المنتجون الزراعيون ومصانع المعادن، الذين حُرموا من الصادرات، خسائر بمليارات الدولارات. وخلال الفترة ما بين الـ25 والـ31 من يوليو فقط، نفذت القوات المسلحة الروسية غارة جوية رئيسة واحدة و15 غارة جوية جماعية. وألحقت هذه الغارات كثيراً من الأضرار بمصانع في كييف (راديوزميريتل، وبوريفستنيك، وفاير بوينت)، ووردت أنباء عن انفجارات ثانوية قوية في مستودعات أسلحة في فيشنيف (مقاطعة كييف) وخميلنيتسكي".
وطرحت المصادر الروسية تساؤلاتها حول ما إذا كانت "عملية الضغط التي استمرت 40 يوماً" أسهمت في تقريب اتفاقات السلام، لتجيب بقولها "ربما، لكن ليس بشروط نظام كييف، لقد بذل زيلينسكي كل ما في وسعه لضمان أن يكون الشتاء المقبل هو الأخير لنظامه".
"خروج المارد من قمقمه"
وننقل هذا العنوان الفرعي عن العقيد الأميركي المتقاعد لورانس ويلكرسون، الذي قال في حديثه إلى قناة "Dialogue Works" على "يوتيوب": "لقد خرج المارد من قمقمه: بوتين سمح بتقسيم أوكرانيا. الغرب في خطر، وينطبق المبدأ نفسه هنا: احذر مما تتمناه، فإنه غالباً ما يتحقق. وفي هذه الحال فإن تحقيق ذلك يعني تلقي رد من بوتين يوضح بجلاء إدراكه أنه في حال حرب ليس فقط مع أوكرانيا، بل أيضاً مع حلف الناتو وجميع الدول الأعضاء".
وإذ أكد ويلكرسون أن "زيلينسكي يؤجل ما لا مفر منه"، توقف عند محاولات كييف والدول الغربية الرامية إلى تصعيد الموقف، من دون مراعاة رد بوتين، ليقول إنه "لا يرى أن زيلينسكي يُقدم لشعبه أي مفهوم مُقنع للاستقرار الطويل الأمد، أو حتى للسلام الطويل الأمد، الذي يبدو لي أن غالبية الأوكرانيين يتوقون إليه"، وأضاف العقيد الأميركي المتقاعد أن "مثل هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. ولم يدم كل هذا الوقت إلا بفضل الأوروبيين وواشنطن. يجب أن نخجل من أفعالنا، نحن لا نزيد إلا الضغط، بل نضاعفه ونثلثه، تماماً كما حدث في برلين وباريس ولندن".
بوتين و"إيمانه الصوفي بالتاريخ"
كثيراً ما يعود الرئيس بوتين إلى التاريخ، وذلك ما سجله وزير الخارجية، مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي الأسبق هنري كيسنجر، في ما سبق وقاله حول "الإيمان الصوفي لبوتين بالتاريخ". وفي هذا الصدد نشير إلى ما كتبه بوتين في مقاله الأكاديمي الذي نشره تحت عنوان "الوحدة التاريخية بين الشعبين الروسي والأوكراني" في الـ12 من يوليو 2021، وأوجز خلاله تاريخ العلاقة الوثيقة التي تربط ما بين الشعبين.
وثمة من يقول إن تصريحات بوتين حول تاريخ العلاقة بين روسيا وأوكرانيا لم تكن عفوية، بل تعكس تفكيره الاستراتيجي الذي تشكل على مر أعوام طويلة، إذ إن بوتين برر مقاله، بما قاله حول اشتراك الدولتين في ثقافة ودولة واحدة منذ قرون، كذلك فإن كون الروسية لغة زيلينسكي الأم، يؤكد عمق اندماج روسيا وأوكرانيا. أما اليوم فحدود أوكرانيا هي نتاج قرارات إدارية متعمدة من الحكومة السوفياتية، وتفتقر إلى الشرعية التاريخية.
وقد أسهمت التغييرات الإقليمية التي أجراها ثلاثة قادة سوفيات في تشكيل خريطة أوكرانيا الحالية، فقد منح لينين منطقة دونباس لجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية، وسلّم نيكيتا خروشوف شبه جزيرة القرم، وضم ستالين الأراضي الواقعة في غرب أوكرانيا، التي اقتطعها من بولندا والمجر ورومانيا بموجب نتائج الحرب العالمية الثانية. وذلك ما تثيره القوى الوطنية القومية من آن لآخر في كل من هذه البلدان الثلاثة، في إشارات مباشرة وغير مباشرة، إلى مشروعية مطالبهم باستعادتها.
كييف تنتظر مبعوثي ترمب؟
وفي ظل كل هذه الأجواء أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إيفاد مبعوثيه ستيف ويتكوف وغاريد كوشنر إلى كييف خلال الأيام القليلة المقبلة. وتعد هذه الزيارة، الأولى من نوعها، فيما كان المبعوثان قاما بثماني زيارات لروسيا على أقل تقدير. كذلك فإن الاتفاق حول هذه الزيارة يعني ميلاً من جانب الرئيس الأوكراني نحو ما قد يكون إضافة إلى الموقف الأميركي تجاه شروط التسوية المنشودة. فيما قد يكون ذلك مناسباً لدعم موقف الرئيس الأوكراني في ظروف لم تبرأ فيها البلاد بعد من تبعات ما عصف بها من أحداث تراوحت ما بين انفجار قضايا الفساد، وما تبعها من تغيرات في النسق الأعلى للسلطة شملت رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع إلى جانب عدد آخر من مؤسسات الدولة.
وننقل عن مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية ما كتبته حول أن زيلينسكي طلب من ترمب وساطته للحصول على إذن من الملياردير الأميركي إيلون ماسك لاستخدام خدمات منظومته "ستارلينك" لتوجيه الطائرات المسيرة خلال الضربات الجوية على الأراضي الروسية. وكشف مسؤولان شريطة عدم الكشف عن هويتيهما، عن أن إيلون ماسك لم يسمح للأوكرانيين باستخدام "ستارلينك"، "إلا داخل أراضيهم، بما في ذلك شبه جزيرة القرم والمناطق الجديدة"، حسبما أشارت المصادر الأميركية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد قيدت شركة "سبيس إكس"، التابعة لماسك والمتخصصة في مجال الطيران والفضاء، عمليات "ستارلينك" داخل روسيا. وذلك في الوقت الذي تواصل فيه الصواريخ الباليستية الروسية قصف مواقع البنية التحتية والمصانع الحربية والموانئ الأوكرانية بما فيها أوديسا ونيكولايف ومواقع صناعة القرار، والمؤسسات اللوجيستية، ما يعده المراقبون رداً على قصف المسيرات الأوكرانية مصافي النفط، ومستودعات الوقود، بهدف إضعاف القدرة الروسية على دعم الجبهة، وإثارة الداخل الروسي ضد قياداته السياسية.
موسكو ترفض تجميد النزاع
وتعليقاً على ما تردد خلال الأيام القليلة الماضية حول اقتراح الرئيس الكازاخي قاسم توكاييف الذي طرحه على هامش لقائه مع نظيره الروسي في مدينة أومسك الروسية، في شأن تجميد النزاع العسكري بين روسيا وأوكرانيا، والتحول إلى ما جرى التوصل إليه من مشروع سلام في إسطنبول في فبراير (شباط) – مارس (آذار) 2022 تحت رعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أكد الناطق الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف تمسك روسيا بالأهداف التي أعلنها الرئيس بوتين في مستهل العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وهو ما أشارت إليه "اندبندنت عربية" في أكثر من تقرير لها من موسكو. وقال إن الشرط الرئيس لروسيا هو "تحقيق أهداف هذه العملية". وأوضح بيسكوف أن إمكان إنهاء الحرب "في نهاية اليوم نفسه" (الذي يتوصلون فيه إلى اتفاق) لا تزال قائمة، إذا اتخذت كييف "القرارات المناسبة"، التي تشمل الانسحاب من إقليم دونباس والتخلي عن خطط الانضمام لحلف الناتو، أما الرئيس بوتين فقد اكتفى بإطلاع نظيره قاسم توكاييف على تطورات الأوضاع على جبهات القتال، من دون إبداء أي مرونة تجاه ما طرحه من اقتراحات.