ملخص
شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً أوكرانياً لافتاً عبر استخدام المسيرات في استهداف خزانات الوقود ومصافي النفط في موسكو ومناطق أخرى بعيدة من الحدود الأوكرانية، وهي عمليات لا تحتاج إلى موافقات مسبقة من الدول المصنعة، كما هي الحال بالنسبة إلى بعض الأسلحة الغربية الأخرى.
في الرسالتين اللتين بعث بهما الرئيس فلاديمير بوتين إلى كل من حلف شمال الأطلسي (الناتو) والإدارة الأميركية السابقة في ديسمبر (كانون الأول) 2021، شدد على ضرورة عودة الحلف إلى حدود عام 1997، أي إلى ما قبل موجات التوسع الخمس التي انتهت بضم معظم دول أوروبا الشرقية، بما فيها دول كانت تنتمي إلى حلف وارسو، الذي أعلن الاتحاد السوفياتي حله طوعاً في الأول من يوليو (تموز) 1991.
لكن بوتين لم يعد يكرر هذا الشرط في تصريحاته اللاحقة، ربما لإدراكه استحالة تحقيقه، مكتفياً ببقية الشروط التي تضمنها مشروع اتفاق التسوية الذي توصل إليه الوفدان الروسي والأوكراني في إسطنبول برعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مارس (آذار) 2022، بعد أسابيع من بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
وشملت تلك الشروط تخلي أوكرانيا عن السعي للانضمام إلى "الناتو"، ونزع السلاح، واجتثاث ما تصفه موسكو بـ"النازية الجديدة"، وضمان حقوق الناطقين بالروسية، ومنح اللغة الروسية صفة اللغة الرسمية، إضافة إلى رفع العقوبات الغربية عن روسيا، والاعتراف الدولي بالمكاسب الإقليمية التي حققتها، وفي مقدمها شبه جزيرة القرم ومناطق دونباس. وكان ذلك قبل إعلان موسكو الاعتراف باستقلال "جمهوريتي" دونيتسك ولوغانسك، ثم ضمهما مع زابوروجيا وخيرسون.
ولا يزال بوتين يكرر هذه الشروط بوصفها أساساً لأي وقف لإطلاق النار أو تسوية سلمية، مع تعديلات محدودة فرضتها تطورات الميدان، وآخرها ما أعقب قمة أنكوريج في ألاسكا مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب المباحثات التي أجراها ويجريها مع مبعوثيه في موسكو وعدد من العواصم العربية والأوروبية.
المسيرات تغير الاستراتيجيات
فرض التطور المتسارع للطائرات المسيرة خلال الأشهر الماضية واقعاً عسكرياً جديداً تجاوز في تأثيره الصواريخ بعيدة المدى، ليس فقط في الحرب الروسية الأوكرانية، بل أيضاً في الخليج والشرق الأوسط وإيران.
وقد جاء هذا التحول بدعم مالي وعسكري ولوجيستي مباشر من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، مما دفع بعض القيادات الغربية إلى الاعتقاد بأن أوكرانيا باتت قادرة على فرض وقائع ميدانية جديدة تجبر موسكو على التخلي عن شروطها.
وشهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً أوكرانياً لافتاً عبر استخدام المسيرات في استهداف خزانات الوقود ومصافي النفط في موسكو ومناطق أخرى بعيدة من الحدود الأوكرانية، وهي عمليات لا تحتاج إلى موافقات مسبقة من الدول المصنعة، كما هي الحال بالنسبة إلى بعض الأسلحة الغربية الأخرى.
وترى موسكو أن الهدف من هذه الهجمات، إرغام بوتين على قبول تسوية بالشروط الغربية، الأمر الذي أدى إلى رفع مستوى التوتر إلى مستويات غير مسبوقة. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أشار خلال قمة "الناتو" الأخيرة إلى أن "ذلك تصعيد، لكنه قد يؤدي إلى إنهاء الأعمال العدائية".
وسبق هذا التحول في موقف ترمب، بحسب مصادر غربية، جهد واسع لإقناعه بأن مسار الحرب بدأ ينقلب لمصلحة أوكرانيا وأن روسيا باتت تخسر.
لكن هذه التقديرات لا يمكن التعامل معها باعتبارها نهائية، في ضوء سجل ترمب المعروف بتغيير مواقفه خلال فترات زمنية قصيرة.
تقديرات خاطئة لتوجهات مغايرة
يرى كثيرون في موسكو، أن الحديث الغربي عن "نقطة تحول" في الحرب يستند إلى افتراضات مشكوك في صحتها، سواء بشأن وضع الجبهة العسكرية أو تماسك المجتمع والاقتصاد الروسيين، أو قدرة الغرب على منع انزلاق الصراع نحو مواجهة نووية.
ومن أبرز هذه الافتراضات الاعتقاد بأن ضربات الطائرات المسيرة قد تؤدي إلى زيادة الضغوط الداخلية على بوتين، بما يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية. غير أن هذا التصور، وفق الرؤية الروسية، يقوم على قراءة خاطئة للمجتمع الروسي، وكأن المواطنين سيديرون ظهورهم للكرملين بمجرد اضطرارهم إلى الوقوف في طوابير محطات الوقود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف أصحاب هذا الرأي أن كثيراً من المراقبين الغربيين وقعوا في الخطأ نفسه خلال تمرد قائد مجموعة "فاغنر" يفغيني بريغوجين عام 2023، ثم خلال التوغل الأوكراني في منطقة كورسك عام 2024، حين راهنوا على انهيار داخلي لم يتحقق، بعدما تمكنت السلطات الروسية من احتواء الموقف، وهو ما تناولته "اندبندنت عربية" في تقرير سابق من موسكو.
وتشير تطورات المواجهة العسكرية، بحسب هذه القراءة، إلى أن الغرب لا يزال يراهن على استمرار القتال، انطلاقاً من تأييده مطلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعودة القوات الروسية إلى حدود عام 1991، وهو هدف يستبعد معظم المراقبين وصناع القرار إمكان تحقيقه.
ويعزو مراقبون هذا الموقف إلى رغبة غربية في استنزاف روسيا وإضعاف مواردها، أكثر من كونه دفاعاً عن القانون الدولي وسيادة الدول. وفي المقابل، يرى هؤلاء أن العقوبات الغربية بدأت ترتد على أصحابها، في ظل الخسائر الاقتصادية التي تواجهها دول كبرى مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.
في انتظار "اختراق سياسي"
لطالما انتقد بوتين حجم الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه الدول الغربية إلى أوكرانيا، معتبراً أنه يطيل أمد الحرب، ووصف الاستراتيجية الغربية بأنها تقوم على القتال "حتى آخر جندي أوكراني".
ومع دخول الحرب عامها الخامس، لا تزال فرص التسوية تبدو بعيدة، رغم تعدد الوسطاء، وفي مقدمهم الولايات المتحدة وتركيا، اللتان تواصلان في الوقت ذاته تقديم أشكال مختلفة من الدعم لكييف، وهو ما ترى موسكو أنه يسهم في استمرار المعارك.
ورغم تشكيك الكرملين مراراً في شرعية السلطة الأوكرانية الحالية، واعتباره أن ما جرى عام 2014 كان انقلاباً أطاح الرئيس المنتخب فيكتور يانوكوفيتش، فإنه أكد أكثر من مرة استعداده للتفاوض مع ممثلي كييف، وسبق أن وقع معهم اتفاقاً لوقف إطلاق النار، كما سحب قواته من محيط كييف وأخلى مساحات واسعة في مقاطعة خاركيف، في خطوة قال إنها جاءت التزاماً بما تم الاتفاق عليه آنذاك.
وفي المقابل، تجنب بوتين توجيه انتقادات مباشرة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وعلى الرغم من إقرار الأخير، بعد لقائهما في ألاسكا، بعدم التوصل إلى اتفاق بشأن الأزمة الأوكرانية، فإن موسكو تحدثت عن "روح أنكوريج"، واعتبرت القمة محطة تمهد لمرحلة جديدة من الحوار، وربما للقاء لاحق في موسكو، بحسب ما يتمناه بوتين.
ويعكس هذا الموقف ترحيباً روسياً باستمرار الوساطة الأميركية، باعتبارها قناة دبلوماسية مفيدة، وإن كانت موسكو لا تخفي شكوكها في أن واشنطن تتحرك انطلاقاً من مصالحها الوطنية. كما تؤكد في الوقت ذاته أن أي تسوية يجب أن تراعي الواقع الجديد الذي تعده محصناً بالدستور الروسي، بعد ضم دونيتسك ولوغانسك وزابوروجيا وخيرسون.
وفي أحدث تصريحاته لقناة "فوكس نيوز"، أعرب ترمب عن توقعه انتهاء الحرب في أوكرانيا قبل نهاية ولايته الرئاسية، مؤكداً أن روسيا تبذل جهوداً للتوصل إلى حل، وأنه يعتقد أن بوتين مستعد لإبرام اتفاق قريباً.
وفي تعليق على هذه التصريحات، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن الولايات المتحدة تشير إلى استعداد روسيا لاستئناف العمل على تسوية الأزمة الأوكرانية، مضيفاً أن واشنطن قد تعود إلى لعب دور الوسيط بعد تسوية الملفات المتعلقة بالخليج وإيران.
ورغم حديث ترمب المتكرر عن إنهاء الحرب بسرعة، يرى الكرملين أن الظروف لم تنضج بعد لمفاوضات حاسمة، في ظل رفض كييف تقديم تنازلات. ويؤكد بيسكوف أن بوتين يقدر رغبة ترمب في إنهاء النزاع، لكنه يعتقد أن أزمة بهذا الحجم لا يمكن حلها "بين عشية وضحاها"، مشدداً على أن روسيا لا تزال منفتحة على مفاوضات التسوية، شرط معالجة الأسباب التي أدت إلى اندلاع الصراع منذ البداية.