ملخص
لم تغير السلطات المجرية الجديدة عدداً من السياسات التي سبق وانتهجها فيكتور أوربان تجاه النظام القائم في كييف. كما أن الحكومة المجرية الجديدة لم ترق بعد إلى مستوى توقعات كييف.
في الـ12 من أبريل (نيسان) الماضي، شهدت المجر تغييراً كان أشبه بالزلزال الذي امتدت أصداء ارتداداته لتدوي عالية في كثير من مناطق شرق أوروبا وما وراءها في مختلف أركان الاتحاد الأوروبي. ففي انتخابات اتسمت بكثير من الشفافية أنهى بيتر ماغيار الذي خرج من معطف "حزب فيديس" حقبة حكم فيكتور أوربان رئيس الحكومة المجرية السابق، التي دامت لقرابة الـ20 عاماً.
وما إن تسلم حزب "تيسا" بزعامة بيتر ماغيار مقاليد الحكم في البلاد حتى أعلن استناداً إلى ما يملكه من غالبية ساحقة بلغت 141 من مقاعد البرلمان البالغ عددها 199، مجموعة من التغييرات أهمها تحديد مدة ولاية رئيس الحكومة بحد أقصى فترتين، مدة كل منهما أربعة أعوام، وحظر عودة أوربان إلى رئاسة الحكومة، فضلاً عن عزل رئيس الجمهورية تاماس سوليوك. وذلك إلى جانب إعلانه عن إعادة ضبط علاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك إنهاء عزلتها، والتوجه صوب إصلاح العلاقات مع بروكسل، والعودة إلى "التيار الرئيس" الأوروبي.
"ماذا بعد؟"
في زيارة "خاطفة" لبودابست، استهدفت من ورائها استكشاف ما يجرى من تغييرات، والاطلاع على ما يحدو ناخبي ماغيار من آمال وتطلعات، بحثاً عن إجابة عن السؤال "ماذا بعد؟". وذلك سؤال محوري، تبدو الإجابة عنه معقدة محيرة، فيما تتضمن في طياتها آمالاً كبيرة، فضلاً عن الجسيم من التحديات التي تواجه السلطات الجديدة ومن أعلن عن تأييده لها، من جموع الشعب البالغ تعداده قرابة 10 ملايين نسمة.
وكان بيتر ماغيار استهل فترة حكمه بالإعلان عن تشكيلة حكومته الجديدة، والخطوط الرئيسة لبرنامجها الذي يتضمن تفكيك "نظام أوربان" بما يتضمنه من تحديد مدة رئاسة الحكومة، ومحاولة استعادة مؤسسات الدولة من نفوذ شبكات الحزب القديمة، ومكافحة الفساد، وإجراء ما يسمى عملية "التطهير"، بما تشمله من "ملاحقة الفاسدين ومحاكمة حلفاء أوربان ورجال الأعمال المقربين منه بتهم الفساد واسترداد الأصول المنهوبة".
وفي هذا الشأن لا يفوتنا أن نشير إلى المحاولات الجادة لرئيس الحكومة الجديد حول الاطلاع على التجارب الأجنبية لاستعادة أموال وثروات الدولة، وما تعرض له بعض المهاجرين العرب من محاولات "استلاب" ممتلكاتهم من جانب ممثلي نظام أوربان، وذلك إلى جانب إصلاح المؤسسات وما تشمله من "إعادة هيكلة القضاء ووسائل الإعلام التي كانت خاضعة للسيطرة السياسية، لضمان استقلالها". كما لم يغفل رئيس الحكومة الشاب المسائل المتعلقة باستعادة 10.4 مليار يورو من صندوق الدعم الأوروبي و17 مليار يورو أخرى من أموال الاتحاد المعلقة بسبب ما أطلقت عليه قيادات الاتحاد الأوروبي "انتهاكات سيادة القانون في عهد أوربان".
هل يستطيع؟
ثمة من يقول ممن التقيناهم في بودابست إن "الواقع أكثر تعقيداً من مجرد تغيير شخص"، وذلك نظراً إلى تجذر النظام السابق في السلطة، وانتشار ممثليه في مختلف مؤسسات الدولة. كما أن المشهد الاقتصادي وما يسمي بإرث نظام أوربان، تتسم تضاريسه بكثير من التعقيدات والصعوبات، إذ تقول الأرقام إن إجمال الدين العام يبلغ نحو 75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن أن العجز المتوقع يقترب من سبعة في المئة عام 2026. إلى جانب أن المسائل المتعلقة بحل أزمة الطاقة لا تزال تشكل عقبة كبرى على طريق الحكومة الجديدة بسبب ما يعترض التخلي عن سياسة أوربان القائمة على الطاقة الروسية الرخيصة، والبحث عن البدائل والتنويع لمصادر الطاقة، وما يعترضها من صعوبات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهناك أيضاً من يقول إن أوربان صار خارج المشهد من حيث الشكل، لكن من حيث الواقع فإن ما يسمي بالأوربانية، لا تزال باقية. ويقولون في بودابست أيضاً إن أوربان وعلى رغم خسارته للانتخابات، فإنه لا يمكن الاستهانة بقوته السياسية وتأثيره. وكان أشار في خطابه الذي أعلن فيه اعترافه بهزيمته في الانتخابات، إلى أنه سيواصل العمل من صفوف المعارضة. وها هو يعود مجدداً إلى زعامة حزبه "فيديس"، متعهداً بإعادة بنائه من الصفر، بما يؤكد أن ما يُقال حول "تشرذم فلول الحزب"، قد يكون أصعب من هزيمته في الانتخابات.
المجر في "مفترق الطرق"
يقول الواقع أيضاً إن "إرث" أوربان ثقيل الوطأة، عصي على قدرات النظام الجديد، وذلك نظراً إلى أن خطر "الأوربانية" النظام الذي بناه أوربان لمدة 16 عاماً، متجذر في المؤسسات والمجتمع. وثمة من يقول إن "الدولة العميقة الأوربانية ما زالت موجودة". وأن "أوربان زرع كوادره في القضاء، والإعلام، والاقتصاد، والجامعات. حتى بعد خروجه، بما يقول إن تأثيره البنيوي سيبقى أعواماً". كما أن إعادة انتخابه رئيساً لحزب "فيديس" تعني أنه لم يخرج من المشهد السياسي تماماً.
على أن ذلك كله لا ينفي أن التوقعات الشعبية، وما يحدو جموع الشعب المجري في معظمه، من آمال وتطلعات، وإيمان بقدرات الحكومة الجديدة على حمل أعباء التغيير، تظل قائمة. فالمجريون ينتظرون تحسن الأحوال الاقتصادية، ومكافحة الفساد، واستعادة علاقات طبيعية مع الاتحاد الأوروبي، الذي يعولون عليه كثيراً في تجاوز الأزمة المالية، وإن كان هناك من لا يزال عند موقفه من أن هذه الأزمة التي كشف عنها أخيراً، قد تبطئ الإصلاحات. وذلك إلى جانب تعالي بعض الأصوات إعراباً عما يساورها من مخاوف من أن يتحول "الإصلاح" إلى تركيز سلطة جديد.
وكانت بعض المنظمات المدنية انتقدت حكومة ماغيار بسبب استخدام غالبيتها البرلمانية فيما جرى إقراره من تغييرات دستورية سريعة، مما يثير كثيراً من التساؤلات حول ما إذا كانت انتقالاً ديمقراطياً كاملاً، أم مجرد إعادة تموضع للنخبة، على حد تعبير مراقبين في العاصمة بودابست.
الخلافات تعود مجدداً مع أوكرانيا
لم تغير السلطات المجرية الجديدة عدداً من السياسات التي سبق وانتهجها فيكتور أوربان تجاه النظام القائم في كييف. كما أن الحكومة المجرية الجديدة لم ترق بعد إلى مستوى توقعات كييف. فعلى رغم التوجه الواضح المؤيد لبروكسل الذي تبنته بودابست عقب انتخاب بيتر ماغيار رئيساً للحكومة المجرية، إلا أن عدداً من قرارات السياسة الخارجية الرئيسة التي اتخذت إبان أعوام حكم فيكتور أوربان لا تزال من دون تغيير، ولا سيما أن المجر، وعلى وجه الخصوص، لا تزال تعارض عملية انضمام أوكرانيا "السريعة" إلى الاتحاد الأوروبي.
وقد بدت واضحة مثل هذه التوجهات في ما اتخذته أخيراً أنيتا أوربان (لا علاقة قرابة لها مع أوربان رئيس النظام السابق) وزيرة الخارجية في الحكومة الجديدة من قرار حول حقوق الأقليات المجرية في ما وراء جبال الكاربات التي سبق واقتطعت من المجر وجرى ضمها إلى الأراضي الأوكرانية، بموجب نتائج الحرب العالمية الثانية. وتتعلق هذه التوجهات بأن بودابست تعد أن قوانين اللغة والتعليم الأوكرانية قيدت حقوق هذه الأقليات المجرية في تلك المناطق، فضلاً عما يجري في شأن التجنيد القسري في القوات المسلحة الأوكرانية وما يتعلق في شأن إرغامهم على القتال ضد القوات الروسية.
وننقل عن أنيتا أوربان ما قالته حول أن "مسار انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي قد يتوقف، إذا لم تنفذ الاتفاقات المتعلقة بحقوق المجريين هناك". غير أن ذلك لا يعني عودة إلى تبني ما سبق وأعلنته بودابست من مواقف تجاه أوكرانيا، وإن يبدو في بعض جوانبه جنوحاً من جانب الحكومة المجرية الجديدة نحو اعتماد "الضغط المجري السياسي "كورقة من أوراق سياستها في التفاوض مع الخارج، من دون التخلي عن مبدأ حماية المجريين في مواقع إقامتهم الخارجية، أو كما يقال حول أن بودابست الجديدة "تريد التهدئة مع الحفاظ على خطوطها الحمراء القومية".
وكانت وزيرة الخارجية المجرية أنيتا أوربان صرحت في البرلمان المجري بما مفاده أن "بودابست ستعرقل المفاوضات في شأن اندماج أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي إذا لم تف بالتزاماتها بحماية حقوق الأقلية المجرية في ما وراء الكاربات، وأنه يتعين على كييف إجراء التعديلات اللازمة في غضون عامين.
ووفقاً لوزيرة الخارجية المجرية أنيتا أوربان، أصبح الاتفاق الثنائي بين بودابست وكييف في شأن حقوق المجريين في هذه المناطق شرطاً أساساً لبدء الجولة الأولى من المفاوضات في شأن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. وإذا لم تقر كييف التعديلات ذات الصلة بحلول عامي 2026-2027، فسيتم إيقاف المفاوضات فوراً.
وفي المقابل، التزمت أوكرانيا بتضمين أحكام هذا الاتفاق في التشريعات من خلال إدخال التعديلات المناسبة، وستُعتمد تباعاً خلال عامي 2026 و2027. وفي مطلع يونيو (حزيران) الماضي، صرح رئيس الحكومة المجرية بيتر ماغيار بأن المجر لا تزال تعارض الانضمام الأوروبي "المتسارع" لأي دولة، بما فيها أوكرانيا، وتلتزم بمبدأ أن يكون توسيع الاتحاد الأوروبي قائماً فقط على استيفاء جميع الشروط اللازمة من قبل الدول المرشحة.
وأشار ماغيار، إلى أن عملية التفاوض تتضمن ست مجموعات، وإن قال إن "فتحها جميعاً في آنٍ سيكون من الخطأ". وأكد كذلك أن إحراز أي تقدم إضافي في المفاوضات سيكون مستحيلاً، في حال إخفاق أوكرانيا في الوفاء بالتزاماتها بضمان حقوق الأقليات المجرية في ما وراء الكاربات.
وكانت بودابست سبق وعرقلت لهذا السبب تحديداً، المرحلة الإجرائية التالية من مفاوضات انضمام أوكرانيا ومولدوفا إلى الاتحاد الأوروبي، ورفضت دعم رسالة مشتركة من عدد من القادة الأوروبيين تدعو إلى تسريع انضمامهما. وذلك إلى جانب ما قاله حول أنه "لن يزود أوكرانيا بالأسلحة، مع استعداده لتقديم مساعدات دبلوماسية وإنسانية".
غير أن ما قد يكون الأهم من وجهة النظر العربية، في سياسات بيتر ماغيار الخارجية هو ما اتخذه في شأن وقف قرار أوربان حول انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية، بما يسمح بعدم الاعتداد بقرارها حول اعتبار بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي كمجرم حرب بسبب ما ارتكبه من جرائم في غزة وغيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وكان أوربان سبق واستقبل نتنياهو في بودابست متكفلاً بالحماية وتأمين زيارته التي قام بها في أبريل (نيسان) 2025، وهو ما كان استفزازاً للمجتمع المجري ومعه المجتمع العالمي والشعوب العربية.