Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمات الكهرباء والمياه تربك الحياة اليومية لملايين الإيرانيين

مراقبون يرجعون السبب إلى أعوام من الإهمال في تطوير وتحديث البنية التحتية ومحطات التوليد

شهدت فصول الصيف خلال الأعوام الأخيرة في إيران انقطاعات مبرمجة للكهرباء (رويترز)

ملخص

في خضم أحد أشد فصول الصيف حرارة خلال الأعوام الأخيرة، يعيش ملايين الإيرانيين يومياً لساعات من دون كهرباء أو مياه أو وسائل تبريد. وهي أزمة لا يمكن معالجتها بتغيير مواعيد الانقطاعات أو بإرجاعها إلى الحرب الأخيرة، بل تعكس، قبل كل شيء، تراكم أعوام من نقص الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، وهي كلفة يدفعها المواطن الإيراني يومياً في منزله ومكان عمله وحياته اليومية.

لا يزال قطاع واسع من الإيرانيين يواجه انقطاعات يومية مبرمجة للتيار الكهربائي، لا تقتصر آثارها على انقطاع الكهرباء فحسب، بل تؤدي في كثير من المناطق، بسبب توقف المضخات وشبكات التوزيع عن العمل، إلى انقطاع إمدادات المياه أيضاً.

وتشير التقارير الواردة إلى صحيفة "اندبندنت فارسية" والجداول الرسمية الصادرة عن شركات توزيع الكهرباء إلى أن الانقطاعات لم تعد حدثاً استثنائياً، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لملايين الإيرانيين في ذروة فصل الصيف.

ووفقاً للجداول المنشورة الخاصة بطهران، قسمت المناطق الـ22 في العاصمة إلى ثماني مجموعات تخضع لبرنامج الانقطاعات المبرمجة. وفي طهران، تراوح مدة انقطاع الكهرباء عادة بين ساعتين وأربع ساعات يومياً، إلا أن تقارير المواطنين الواردة من المحافظات الشمالية والغربية والشرقية والوسطى تشير إلى أن مدة الانقطاع في كثير من المدن تمتد إلى ما بين أربع وست ساعات يومياً، مما تسبب، في ظل حرارة الصيف الشديدة، في مشكلات كبيرة للأسر، والمرضى وقطاع الأعمال والصناعة.

وتقدم الرسائل الواردة إلى "اندبندنت فارسية" صورة مغايرة للرواية الرسمية. فقد كتب أحد القراء، قائلاً "لم تعد رواتبنا تكفي لتغطية كلف المعيشة، وفوق ذلك يغيرون يومياً مواعيد انقطاع الكهرباء. ففي يوم يكون الانقطاع من السادسة إلى الثامنة مساء، وفي اليوم التالي من الـ11 صباحاً حتى الواحدة والنصف ظهراً. حتى إننا لم نعد قادرين على التخطيط لحياتنا".

وأفاد أحد المواطنين من مدينة كرج بأن الانقطاعات، التي كانت تحدث يوماً بعد يوم، أصبحت الآن يومية. وقال "تعرض جهاز التلفزيون في المنزل للتلف بسبب تذبذب التيار الكهربائي، وطُلب مني نحو 10 ملايين تومان (نحو 67 دولاراً) لإصلاحه. فمن أين لي بهذا المبلغ في ظل هذا الوضع الاقتصادي؟".

وانتقد عدد من المواطنين أيضاً آلية الإخطار التي تعتمدها شركة الكهرباء، إذ ورد في عدد من الرسائل أن شركة توزيع الكهرباء توفر خدمة الإشعارات الخاصة بمواعيد الانقطاع عبر تطبيق "برق من"، لكنها تقدمها ضمن خدمة مدفوعة.

وتزامناً مع استمرار الانقطاعات، تتزايد المخاوف في شأن أوضاع المرضى. فقد أعلن رئيس لجنة الطاقة في غرفة التجارة الإيرانية آرش نجفي أنه على رغم توجيهات رئيس الجمهورية بتقليل انقطاعات الكهرباء عن القطاع الصناعي خلال شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضيين، فإن قطع الكهرباء عن المصانع بات أمراً لا مفر منه. وأكد أن الانقطاعات باتت تهدد حياة المرضى الذين يعتمدون في منازلهم على أجهزة حيوية، مثل أجهزة توليد الأوكسجين.

من جهته، حذر المدير التنفيذي لـ"خانه أي بي" من أن موجات الحر الشديدة خلال الصيف تشكل خطراً بالغاً على مرضى انحلال البشرة الفقاعي (مرضى الفراشة). وأوضح أن جروح هؤلاء المرضى تكون عرضة لمضاعفات خطرة في حال غياب أجهزة التكييف أو تعذر الحفاظ على برودة المكان، وأن استمرار انقطاع الكهرباء قد يؤدي إلى تفاقم أوضاعهم الصحية.

ولم تقتصر آثار الانقطاعات الواسعة على حياة الأسر، بل امتدت إلى القطاع الإنتاجي أيضاً. فقد أفاد موقع "خبر أونلاين" بأن استمرار أزمة الطاقة واحتمال تصاعد وتيرة انقطاعات الكهرباء خلال يونيو (حزيران) الماضي ألقيا بظلال من الغموض على آفاق الإنتاج، تزامناً مع تزايد المخاوف في شأن تأمين إمدادات الغاز للقطاع الصناعي خلال الأشهر المقبلة.

في الوقت نفسه، تكشف الحوارات المنشورة في وسائل الإعلام الإيرانية أن المسؤولين وممثلي العمال باتوا يناقشون سبل تعويض توقف المصانع الناجم عن انقطاع الكهرباء، بدلاً من البحث عن حلول جذرية للأزمة. وفي مقابلة مع وكالة "إيسنا" للأنباء، طرح مقترح يقضي بتعويض أيام التوقف عن العمل الناتجة من انقطاع التيار الكهربائي عبر العمل يوم الجمعة أو زيادة ساعات العمل خلال بقية أيام الأسبوع.

وقال الناشط في شؤون العمال فتح الله بيات إن انقطاع الكهرباء يلحق أضراراً كبيرة بالمصانع، موضحاً أن بعض الصناعات تعتمد على الأفران الحرارية، وأن كل انقطاع للتيار يؤدي إلى تعطيل عملية الإنتاج لساعات. وأضاف أن كثيراً من العمال، في ظل غياب الأمن الوظيفي، لا يملكون عملياً القدرة على الاعتراض على تغيير جداول العمل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حين سعت وسائل الإعلام الحكومية وعدد من المسؤولين خلال الأسابيع الأخيرة إلى ربط الانقطاعات الواسعة للكهرباء بالحرب الأخيرة والهجمات الأميركية، فإن مراجعة تطورات الأعوام الماضية تقدم صورة مختلفة. فلم يصدر حتى الآن أي تقرير رسمي يفيد بأن محطات توليد الكهرباء في إيران تعرضت للاستهداف خلال الهجمات الأميركية، ولم يطرح المسؤولون الإيرانيون مثل هذا الادعاء.

من جهة أخرى، لا تعد أزمة نقص الكهرباء في إيران ظاهرة مستجدة. ففي الأعوام الماضية، وقبل اندلاع أي حرب، تحدثت وزارة الطاقة مراراً عن عجز كبير في إنتاج الكهرباء، واختلال في توازن شبكة الكهرباء، واضطرارها إلى فرض انقطاعات واسعة على القطاعين السكني والصناعي. وقدرت تقارير رسمية خلال الأعوام الأخيرة حجم العجز بما يراوح ما بين 13 ألفاً و25 ألف ميغاوات.   

وشهدت فصول الصيف خلال الأعوام الأخيرة انقطاعات مبرمجة للكهرباء طاولت ملايين المواطنين وآلاف المنشآت الإنتاجية، مما يدل على أن جذور الأزمة أقدم بكثير من التطورات العسكرية الأخيرة.

ويرى كثير من الخبراء أن السبب الرئيس لاستمرار هذه الأزمة يعود إلى أعوام من الإهمال في تطوير وتحديث البنية التحتية. فمع تزايد عدد السكان وارتفاع معدلات الاستهلاك وتهالك المعدات، لم تشهد شبكات إنتاج الكهرباء ونقلها استثمارات تتناسب مع الحاجات الفعلية، فيما بقي تطوير محطات التوليد وشبكات النقل وأنظمة التخزين وبرامج إدارة الاستهلاك، متأخراً عن متطلبات البلاد لأعوام.

إلى جانب هذا التدهور في البنية التحتية، يرى منتقدو النظام الإيراني أن جزءاً كبيراً من الموارد المالية للدولة وُجه، على مدى العقود الماضية، إلى البرامج العسكرية والصاروخية والنووية ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة، بدلاً من استثماره في البنى التحتية الحيوية مثل الكهرباء والمياه والبيئة والتعليم والرعاية الصحية وقطاع النقل. وبحسب هؤلاء، فإن نتائج هذه الأولويات باتت تتجلى اليوم في صورة انقطاعات يومية للكهرباء والمياه، وتراجع الإنتاج وتفاقم معاناة المرضى، وتهالك القطاع الصناعي وانخفاض جودة الحياة لملايين الإيرانيين.

واليوم، وفي خضم أحد أشد فصول الصيف حرارة خلال الأعوام الأخيرة، يعيش ملايين الإيرانيين يومياً لساعات من دون كهرباء أو مياه أو وسائل تبريد. وهي أزمة لا يمكن معالجتها بتغيير مواعيد الانقطاعات أو بإرجاعها إلى الحرب الأخيرة، بل تعكس، قبل كل شيء، تراكم أعوام من نقص الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، وهي كلفة يدفعها المواطن الإيراني يومياً في منزله ومكان عمله وحياته اليومية.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير