Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المبيدات والسرطان... معاناة متفاقمة للمزارعين في إيران

"تحذر منظمة الصحة العالمية من أن المشكلة لا تقتصر على صحة العمال، إذ إن بقاء بقايا المبيدات على المنتجات الغذائية، وتلوث المياه والتربة، قد يؤثران أيضاً في صحة المستهلكين"

مزارع يسير رجل يسير داخل مزرعة للموز في جلفا شمال إيران، على ضفاف نهر أراس على الحدود الإيرانية الأذربيجانية (وكالة تسنيم الإيرانية)

ملخص

تتزايد التحذيرات من أزمة صحية صامتة في القطاع الزراعي الإيراني، إذ يواجه آلاف العمال أخطار التعرض المزمن للمبيدات والأسمدة الكيماوية، وسط مؤشرات تربط ذلك بارتفاع احتمالات الإصابة بالسرطان والأمراض المزمنة. ويرى خبراء أن الانتشار الواسع لسرطانات الجهاز الهضمي في إيران قد يرتبط بالاستخدام المكثف لهذه المواد، في ظل قصور إجراءات الوقاية والرصد الصحي.

في وقت انصب فيه اهتمام الرأي العام طوال سنوات على تلوث الهواء وتداعياته الصحية، يحذر أطباء وخبراء في مجال الصحة المهنية من تهديد أقل ضجيجاً، لكنه أكثر اتساعاً، يتفاقم في المزارع والبساتين الإيرانية، نتيجة التعرض المستمر للمبيدات الزراعية والأسمدة الكيماوية والمياه الملوثة، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الإصابة ببعض أنواع السرطان والأمراض المزمنة.

ويتحدث عمال وأطباء وباحثون في إيران عن تنامي المخاوف من الآثار بعيدة المدى للمبيدات الزراعية في صحة القوى العاملة، في أزمة تتوافق مع نتائج "منظمة الصحة العالمية" ودراسات دولية.

وتؤكد "منظمة الصحة العالمية" أن الأشخاص الذين يتعاملون مباشرة مع المبيدات، بمن فيهم العمال الزراعيون، هم الأكثر عرضة للخطر، وتوصي بعدم دخول المزارع أو البساتين أثناء عمليات الرش أو فور الانتهاء منها لمن لا يشاركون فيها. كما تشدد على ضرورة استخدام معدات الوقاية الشخصية، بما في ذلك الكمامات والقفازات والملابس الواقية، للحد من التعرض المباشر للمبيدات.

ويقول علي رضا، وهو عامل أمضى أكثر من 15 سنة في بساتين دماوند وكيلان دشت، إنه في سن الـ45 يعاني، إلى جانب الأضرار الهيكلية الناجمة عن سنوات من العمل الشاق، مشكلات في الجهاز التنفسي والكلى. ويضيف أن أحد أقاربه، الذي عمل في البساتين لسنوات طويلة، أصيب بالسرطان وتوفي، على رغم عدم وجود تاريخ عائلي للإصابة بالمرض.
وأوضح العامل، في حديثه إلى وكالة "إيلنا" للأنباء، أن التعرض المتكرر للمبيدات الزراعية كان عاملاً مؤثراً في ظهور هذه المشكلات، مستشهداً بحارس أحد البساتين الذي كان يعاني نوبات سعال حادة خلال فترات رش المبيدات، على رغم استخدامه الكمامة.

وعلى رغم أن مثل هذه الشهادات لا تكفي وحدها لإثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين المبيدات والسرطان، فإن دراسات علمية أجريت خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن التعرض طويل الأمد لبعض المبيدات في عدد من المهن قد يزيد احتمالات الإصابة ببعض الأمراض.

وأعلنت الوكالة الدولية لبحوث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، بعد مراجعة عشرات الدراسات الوبائية، أن التعرض المهني لبعض فئات المبيدات يرتبط إحصائياً بارتفاع خطر الإصابة بأنواع من السرطان، مثل سرطان الغدد اللمفاوية اللاهودجكينية. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن مستوى الخطر يعتمد على نوع المادة الكيماوية، وشدة التعرض لها، ومدته، وأن تأثير المبيدات ليس واحداً في جميع الحالات.

من جانبه، يقول الطبيب المتخصص في الأمراض المهنية ومدير أحد مراكز الفحوص البيئية في إيران مجيد رمضاني إن الدراسات أظهرت أن بعض المبيدات المستخدمة في البساتين الإيرانية، بسبب تدني جودتها وظروف استيرادها، تبقى على النباتات وفي البيئة لمدة تصل إلى 40 يوماً، في حين يعود كثير من العمال لمواقع عملهم بعد يوم واحد فقط من عمليات الرش.

ويضيف أن ذلك يؤدي إلى تعرض العمال المتكرر للمركبات الكيماوية عبر الاستنشاق، وملامسة الجلد، وحتى من خلال تلوث الملابس ومعدات العمل. ويشير إلى أن نتائج هذه الدراسات قدمت إلى الجهات المعنية خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم تتخذ إجراءات فعالة للحد من هذه الأخطار.

كما يحذر من أنه خلافاً للعوامل البيولوجية التي قد يكتسب جسم الإنسان قدراً من المقاومة تجاهها، لا توجد آلية مماثلة لمواجهة كثير من المركبات الكيماوية الموجودة في المبيدات، والتعرض المتكرر لها قد يخلف، على المدى الطويل، آثاراً صحية جسيمة لا يمكن تداركها.

ويقول مسؤول سجل السرطان في محافظة كرمانشاه كيوان خاصي إن الانتشار الواسع لسرطانات الجهاز الهضمي في إيران قد يرتبط، من بين عوامل أخرى، بالاستخدام المكثف للمبيدات والأسمدة الكيماوية في القطاع الزراعي. ويرى أن عدداً من الدول نجحت في الحد من جزء من هذه الأخطار عبر تقليص استخدام المبيدات عالية الخطورة، والتوسع في الزراعة العضوية، واعتماد وسائل المكافحة البيولوجية للآفات الزراعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتظهر مراجعة تجارب عدد من الدول الأوروبية أنها فرضت، خلال العقدين الماضيين، قيوداً واسعة على استخدام بعض المبيدات شديدة الخطورة. وإلى جانب حظر أو تقييد عدد من المبيدات، أصبحت مراقبة بقايا المبيدات في المنتجات الغذائية، وتدريب العمال على استخدام معدات الوقاية، جزءاً من سياسات الصحة العامة.

فعلى سبيل المثال، لا يزال المشروع الحكومي الفرنسي "الزراعة والسرطان"، وهو أحد أبرز الدراسات الوبائية في أوروبا، يتابع تقييم العلاقة بين التعرض طويل الأمد لمختلف مركبات المبيدات وبين الإصابة بأمراض مثل سرطان البروستاتا وسرطانات الدم، وذلك بعد دراسة شملت آلاف المزارعين والعاملين في القطاع الزراعي.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن المشكلة لا تقتصر على صحة العمال، إذ إن بقاء بقايا المبيدات على المنتجات الغذائية، وتلوث المياه والتربة، قد يؤثران أيضاً في صحة المستهلكين. ولهذا السبب وضعت معايير دولية تحدد الحد الأقصى المسموح به لبقايا المبيدات في المواد الغذائية، مع إلزام الحكومات بإجراء رقابة مستمرة عليها.

وفي إيران، في ظل حكم النظام الإيراني، لا يقتصر العمل في المزارع والبساتين على العمال المحليين، بل يشكل العمال المهاجرون جزءاً مهماً من القوى العاملة. وغالباً ما يكون هؤلاء أقل حصولاً على التدريب في مجال السلامة، ومعدات الوقاية، وخدمات الصحة المهنية، مما يزيد من مستوى تعرضهم للأخطار.

وربما يتمثل الجانب الأكثر إثارة للقلق في غياب بيانات دقيقة عن الأمراض المهنية في هذا القطاع، ويقول مجيد رمضاني إنه لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات شاملة توثق معدلات الإصابة بالسرطان أو غيره من الأمراض الناجمة عن التعرض للمبيدات بين العمال الزراعيين، مما يجعل تقدير الحجم الحقيقي للأزمة أمراً بالغ الصعوبة.

وفي وقت تصنف فيه منظمة الصحة العالمية العمال الزراعيين ضمن أكثر الفئات المهنية عرضة لأخطار المبيدات، يرى خبراء أن تشديد الرقابة على جودة المبيدات، والالتزام بفترات الأمان بعد عمليات الرش، والإلزام باستخدام معدات الوقاية الشخصية، والتوثيق الدقيق للأمراض المهنية، وتطوير وسائل بديلة لمكافحة الآفات، تمثل أبرز الإجراءات الكفيلة بالحد من تفاقم هذه الأزمة الصامتة. ويحذرون من أن استمرار تجاهلها لن يهدد صحة العمال وحدهم، بل قد تمتد تداعياتها لتطاول المجتمع الإيراني بأسره.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير