ملخص
اتهامات بانتحال فقرات واسعة من أطروحة دكتوراه تضع جامعة كامبريدج أمام أصعب اختبار لنزاهتها الأكاديمية منذ أعوام. الجامعة تصف ما يجري بحملة خبيثة ضد أكاديمي أسود، فيما يطالب أساتذة من جامعات أخرى بتحقيق مستقل خارج أسوارها. عريضة تضامن يوقعها نواب ورؤساء كليات في مواجهة تحليلات نصية تقول إن التطابق يستحيل أن يكون مصادفة، والقضية تتجاوز شخص الأكاديمي إلى جدل بريطاني وأميركي أوسع حول التنوع والمعايير والمساءلة.
خرج خلاف كان يدور في الكواليس منذ ثلاثة أعوام إلى العلن في الـ24 من يوليو (تموز) الماضي، حين نشرت صحيفة "تليغراف" تحقيقاً عن أستاذ علم اجتماع التربية في جامعة كامبريدج جيسون أرداي، تزامناً مع تدوينة نشرها الفيلسوف ناثان كوفناس تضمنت مقارنات متجاورة بين أطروحته وأطروحة طالبة أخرى. وبات الرجل الذي احتفى به الوسط الأكاديمي عند تعيينه في سن الـ37، وتحول إلى وجه لحملة التنوع في الجامعة، موضوع خلاف مرير قسم زملاءه عشية صدور سيرته الذاتية.
شُخص أرداي بالتوحد في طفولته ولم ينطق حتى الـ11، ولم يتعلم القراءة والكتابة قبل الـ18، وغادر المدرسة بشهادتي ثانوية فحسب، ثم درس التربية ونال الدكتوراه في جامعة "ليفربول جون مورز"، ثم تنقل بين جامعات "روهامبتون" و"درم" و"غلاسكو" حيث صار أستاذاً عام 2021، قبل انتقاله إلى كامبريدج بعد عامين. وحظي تعيينه بتغطية دولية شملت "بي بي سي" و"سي بي أس نيوز" وبرنامج "غود مورنينغ أميركا"، ويرد اسمه شريكاً في منح بحثية تتجاوز 10 ملايين دولار من هيئتي تمويل بريطانيتين.
تقول "تليغراف" إن تحليلاً أُجري لحسابها على أطروحة أرداي المؤلفة من 401 صفحة رصد أكثر من 100 مقطع مطابق أو شبه مطابق لأطروحة قدمتها عام 2009 باولا زفوزدياك مايرز من جامعة "برونيل"، وإن اسم الباحثة يرد 17 مرة في نص أرداي، وإن جوهر الخلاف هو ما إذا كان عليه أن ينسب إليها كل فقرة أعاد صوغها أو اقتبسها. ثم صدر تحليل جديد أحصى 188 جملة متطابقة أو شديدة الشبه بعملها، وقدرت احتمالية أن يكون ذلك محض مصادفة بواحد في المئة مليار.
لم تبدأ الشكوك هذا الصيف، ففي مايو (أيار) 2023 راسل ديف هاريس، الأستاذ الفخري في جامعة "بليموث مارجون"، أرداي في شأن تشابهات محيرة بين دراسة له نشرت عام 2018 وبحث سابق في دورية طبية، فجاء الرد حاداً يطالبه بالكف عن المراسلة واعتبار أي تواصل لاحق تنمراً ومضايقة. وحين توجه زميله مارتن هامرسلي برسالة إلى رئاسة كلية التربية وإلى مسؤول النزاهة في "كامبريدج"، جاء الجواب أن الوقائع سابقة لالتحاق الأستاذ بالجامعة بالتالي خارج نطاق اختصاصها، مع تأكيد أنه يحظى بدعم قسمه الكامل.
نشرت دورية "سوشيال ساينسز" تصويباً في ديسمبر (كانون الأول) 2023، وتلاه تصويب ثانٍ في دورية أخرى العام التالي بسبب تداخل نصي. غير أن موقع "ريتراكشن ووتش" كشف عن أن ما جرى أبعد من مجرد إضافة إحالات، إذ حذفت من النسخة المصححة عبارات عن استخدام برنامج تحليل كيفي وعن مراجعة باحث ثانٍ للنصوص، وعدلت أو حذفت اقتباسات كانت منسوبة إلى مشاركين في مجموعات نقاش، بعضها يشبه اقتباسات وردت في دراسة سابقة، ولم يوضح إشعار التصويب شيئاً من ذلك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الفصل الأكثر إثارة للقلق مهنياً يتعلق بالصحافة نفسها. فقد كانت مجلة "تايمز هاير إديوكيشن" تعد تحقيقاً عن الأمر في سبتمبر (أيلول) 2025، لكنها أوقفت نشره بعدما استعان أرداي بمكتب محاماة لتوجيه رسالة قانونية تعد الاتهامات كاذبة وضارة بسمعته، وفق ثلاثة مصادر تحدثت إلى "ريتراكشن ووتش". أحد المصادر هو عالم الكيمياء الحيوية في جامعة "بردو ديفيد ساندرز" الذي راجع ملفاً من 63 صفحة من المقارنات النصية وخلص إلى أن الانتحال واسع بلا شك، ولكن كثيراً من الاتهامات كاذب أو مبالغ فيه.
موقف الجامعتين حاسم في الاتجاه المعاكس. قال متحدث باسم "كامبريدج" إن أرداي ضحية حملة دنيئة لتقويض صدقيته يجب أن تتوقف، وإن الاتهامات المتعلقة بأطروحته ومنشوراته خضعت لتحقيق دقيق من المؤسسة المعنية ومن الدوريات وبريء من أي مخالفة. أما "ليفربول جون مورز" فأعلنت أنها تلقت الاتهامات في سبتمبر 2025 وأجرت تدقيقاً سرياً، مؤكدة أن شهادة أرداي ما زالت قائمة، ولن تعلق أكثر على ما وصفته بمسألة خاصة.
دعا أساتذة من جامعات أخرى إلى تحقيق مستقل، إذ رأى إيان بيس من جامعة "سيتي سانت جورج" أن الجامعات مؤسسات تستفيد من المال العام وعليها أن تكون خاضعة للمساءلة العامة، مقترحاً أن يشرف "مكتب الطلبة" على التحقيق، فيما قال روبرت دينغوول إنه ينبغي إجراء تحقيق مستقل في الأدلة الظاهرية إذا امتنعت الجامعتان. وكان دينغوول حذر من صعوبة التعليق على اتهامات تطاول باحثاً من أقلية دون أن يبدو المرء منحازاً في معركة المساواة والتنوع والدمج، مؤكداً أن الإنصاف يقتضي فحص الأدلة بصرامة ودعوة المعني إلى رد مفصل بدل تركه فريسة للتلميحات.
في المقابل، تشكلت جبهة دفاع واسعة. فقد دانت رسالة تضامن نشرها "غود لو بروجكت" ما وصفته بالهجمات المتواصلة والخبيثة على النزاهة الأكاديمية للأستاذ، وجمعت العريضة المرفقة بها نحو 10 آلاف توقيع، من بينهم اللورد سايمون وولي والبروفيسورة الدايم إيجيوما أوتشيغبو وسونيتا ألين وكيهندي أندروز والنائب جون ماكدونيل واللورد بول بواتينغ. ووقعها زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي، وجاء فيها أن استهداف أكاديمي أسود بارز باتهامات لا أساس لها بعد تبرئته يشي بمحاولة لتقويض السود في مواقع النفوذ.
تسرب الخلاف إلى السياسة مبكراً، إذ عمم البروفيسور السير سايمون بارون كوهين مدير مركز أبحاث التوحد في كامبريدج وزميله ريكاردو ساباتيس، رسالة مفتوحة عاجلة لمناهضة العنصرية دفاعاً عن أرداي، أشارت إلى رسالة سابقة أرسلت إلى وزيرة الدولة وإلى تقدم في معالجة هذه القضايا، وحذرت من هجوم علني محتمل عليه، وتظهر السجلات البرلمانية أن وزيرة المرأة والمساواة جاكي سميث التقت في الـ15 من سبتمبر الماضي مجموعة من الأكاديميين لبحث مضايقة الأكاديميين السود.
لم يرد أرداي على أسئلة الصحافة، لكنه تحدث في جلسة عامة بمؤتمر الجمعية السوسيولوجية البريطانية في إدنبره خلال أبريل (نيسان) الماضي عن الهجمات التي تطاول الأكاديميين السود، قائلاً إن الأدوات المصممة لحماية النزاهة الأكاديمية والملكية الفكرية تستخدم سلاحاً، وإن المرء يجد نفسه في موقع دفاعي أمام آلة يصعب مواجهتها. في المقابل، امتد التدقيق إلى إنجازاته غير الأكاديمية، إذ عدلت جامعتان منحتاه دكتوراه فخرية سيرتيه المنشورتين لديهما لحذف أو تخفيف إشارات إلى قطعه 300 ميل في ثلاثة أيام و600 ميل في ستة أيام.
لم تبق القضية بريطانية. فمن أخرجها إلى العلن فيلسوف يعمل في بلجيكا، ومن أكد اتساع التطابق عالم أميركي في جامعة بردو بولاية إنديانا، والموقع الذي كشف عن تفاصيل التصويبات أميركي أيضاً، فيما تناولتها الصحافة الكندية بوصفها انفجاراً في ملف التنوع والإنصاف والدمج داخل "كامبريدج". والمقارنة الأكثر حضوراً هي مع قضية كلودين غاي، إذ استقالت أول رئيسة سوداء لجامعة هارفرد بعد أشهر من توليها، وخضع مسارها الأكاديمي لتدقيق مكثف كشف عن حالات مزعومة من الانتحال في أطروحتها عام 1997، وأقر مجلس الجامعة بوجود حالات من الاستشهاد غير الكافي دون أن يجد دليلاً على سوء سلوك بحثي.
بحسب صحيفة "تليغراف" يواجه المسؤولون في "كامبريدج" اليوم تمرداً من قبل الموظفين بسبب طريقة تعاملهم مع الجدل الدائر حول القضية، فقد أعرب عدد متزايد من الأكاديميين عن قلقهم إزاء رفض الجامعة إعادة فحص المؤهلات الأكاديمية لأرداي، وباتوا يعتقدون أن صدقية المؤسسة نفسها أصبحت الآن على المحك، وفي أول تنازل من جانب كامبريدج، أعلنت أن مسألة "سوء السلوك البحثي" ستناقش في اجتماع مقبل للجنة المتخصصة، وقد تقدم توصية بمراجعة إجراءات الجامعة المتعلقة بسوء السلوك الأكاديمي.
المعادلة التي تواجهها كامبريدج قاسية، إذ إن أي تحقيق جديد سيُقرأ لدى أنصار أرداي إذعاناً لحملة يعدونها عنصرية، فيما يقرأ رفض التحقيق لدى منتقديها تنازلاً عن معايير النزاهة التي تقوم عليها سمعتها. ولخص هامرسلي المأزق بقوله إن الوضع مؤسف لأن كامبريدج كان في مقدورها معالجته، وإن النتيجة أن من يتولون الملف اليوم هم أطراف اليمين الراديكالي وحدهم. وبين رواية الضحية ورواية المعايير، يبقى السؤال الأصعب معلقاً وهو مَن يملك في بريطانيا اليوم سلطة الفصل في نزاع كهذا بصدقية يقبلها الطرفان؟