ملخص
لم يصدر عن الحكومة المغربية أي موقف رسمي أو ضمني لتفسير الأحداث الجارية في سبتة، كذلك لم تقدم رؤية للحلول الممكنة لتفادي ما حصل في المستقبل، لا سيما أنه منذ عام 2021 إلى اليوم، شهدت سبتة ومليلية ثلاث موجات هجرة جماعية لآلاف الأشخاص.
مثل كرة ثلج بدأت صغيرة قبل أن تكبر وتتضخم مع تدحرجها، تحول الاقتحام الجماعي لآلاف المهاجرين غير النظاميين لمدينة سبتة، الخاضعة للسيطرة الإسبانية، إلى أزمة دولية بلغت حدَّ وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة العبور الجماعي بـ"المروعة"، وأن الولايات المتحدة قد تواجه وضعاً مشابهاً إذا عاد الديمقراطيون إلى البيت الأبيض.
وفي وقت تدخلت فيه بلدان أوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وغيرها، في هذه الأزمة التي تشهدها مدينتا سبتة ومليلية، لجأت الحكومة المغربية إلى "سياسة الصمت" في مواجهة مشاهد وصور آلاف الشباب الذين اختاروا "الهجرة الجماعية" إلى مدينة سبتة خلال أيام قليلة.
وفي خضم تبادل الاتهامات ومواقف الحكومات الأوروبية، أبرزها إعلان إيطاليا تعليق العمل بترتيبات اتفاق "شنغن" مع إسبانيا مدة شهر، لا يزال مئات المهاجرين القاصرين غير النظاميين الذين ولجوا إلى سبتة يعولون على المكوث في مراكز الإيواء بمدينة سبتة، التي يقطنها زهاء 87 ألف نسمة، من بينهم أكثر من 31 ألف شخص من أصول مغربية.
ضعف التواصل الحكومي
لم يصدر عن الحكومة المغربية أي موقف رسمي أو ضمني لتفسير الأحداث الجارية، كما لم تقدم رؤية للحلول الممكنة لتفادي ما حصل في المستقبل، لا سيما أنه منذ عام 2021 إلى اليوم، شهدت سبتة ومليلية ثلاث موجات هجرة جماعية لآلاف الأشخاص.
في هذا الصدد، قال الباحث في مجال الإعلام والتواصل، أسامة باجي، إن "هذه الأزمة كشفت أن التواصل الحكومي يتعامل مع الأزمات باعتبارها شأناً أمنياً أو إدارياً أكثر منها حدثاً تواصلياً"، وتابع باجي "إذا نظرنا إلى الأزمات التي عرفها المغرب خلال الأعوام الأخيرة، نجد نمطاً متكرراً يتمثل في تأخر الخطاب الرسمي أو اقتصاره على البلاغات، بينما يحتاج الرأي العام إلى تفسير للسياقات ومعلومات متجددة تواكب تطور الأحداث".
وأوضح باجي أن "التواصل الحكومي لم يعد وظيفة تكميلية، فهو جزء من الأمن المجتمعي، فحتى عندما تكون الأزمة معقدة ولا توجد حلول فورية، فإن التواصل السريع والشفاف والمنتظم يحافظ على الثقة ويحد من انتشار الأخبار الزائفة".
ولفت المتحدث إلى أن "الفراغ التواصلي لا يبقى فراغاً، فسرعان ما تملأه منصات التواصل الاجتماعي والمؤثرون والصفحات والإشاعات التي تقدم نفسها باعتبارها حقائق، وفي هذه الحال تنتقل الدولة من موقع صناعة الرواية إلى ملاحقتها ومحاولة تصحيحها بعد انتشارها، وهو وضع يضعف قدرتها على إدارة الأزمة".
ونبه باجي من أنه "في سياق أزمة الهجرة، تزداد خطورة الفراغ، لأننا أمام قضية مشحونة إنسانياً واجتماعياً وسياسياً، تتقاطع فيها تطلعات الشباب مع أوضاع اقتصادية واجتماعية"، متابعاً بأن "أي تأخر في التواصل يفتح المجال أمام تضخم الشائعات، ويؤجج الانفعالات الجماعية، ويحول النقاش العمومي من نقاش قائم على المعطيات إلى نقاش تحكمه العاطفة والتأويلات".
واسترسل الباحث في القول إن "الأزمة تكشف عن اختلال يتجاوز تدبير الهجرة ليطاول نموذج التواصل المؤسساتي نفسه، فغياب خطاب يفسر للرأي العام ما يجري ويحدد المسؤوليات والسياقات يجعل المؤسسات تبدو كأنها تكتفي بإدارة الحدث ميدانياً، بينما تترك المجال العمومي من دون إدارة تواصلية".
وذهب باجي إلى أن "حق المواطنين لا يقتصر على الحماية، بل يمتد إلى الحق في الحصول على المعلومة، وعندما تغيب هذه المقومات تتحول المنصات الرقمية إلى فاعل في إنتاج الرواية، وتصبح الشائعة أكثر قدرة على التأثير".
وزاد بأن "هذا المعطى يعمق الاستقطاب وهشاشة النقاش العمومي، لذلك فإن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتحسين أدوات التواصل، وإنما بإعادة بناء ثقافة مؤسساتية تعتبر التواصل المؤسساتي حقاً ديمقراطياً وآلية للحوكمة، لا مجرد وسيلة لتبرير القرارات بعد وقوع الأزمات".
مهام ووظائف مراكز الإيواء
وفي مقابل الفراغ في التواصل الحكومي المغربي، تواجه مراكز الإيواء المخصصة للمهاجرين غير الشرعيين في سبتة مشكلة في استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين، خصوصاً خلال موجات الاقتحام الجماعي، وهو ما يضع السلطات الإسبانية أمام تحديات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والإنسانية.
ويقول رئيس مرصد التواصل والهجرة بأمستردام الهولندية، جمال الدين ريان، إن "مراكز الإيواء في مدينتي سبتة ومليلية تشكل ركناً أساساً في منظومة إدارة الهجرة على الحدود الجنوبية لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، وتختلف طبيعة هذه المراكز وفق الفئة العمرية والوضعية القانونية للمهاجرين".
وأوضح ريان أن "مراكز الإيواء في سبتة ومليلية تنقسم إلى نوعين رئيسَين: الأول هو مراكز الإقامة الموقتة للمهاجرين (CETI)، وهي مراكز خدماتية ورعائية مفتوحة، وليست مراكز احتجاز مغلقة، ويحق للمقيمين فيها الخروج والدخول ضمن مواعيد ولائحة داخلية محددة".
وتؤوي هذه المراكز المهاجرين البالغين والعائلات المصحوبة بأطفال ممن دخلوا سبتة ومليلية بطرق غير نظامية، إضافة إلى طالبي اللجوء والحماية الدولية، وتخضع لإدارة وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة في الحكومة الإسبانية المركزية.
و"النوع الثاني من مراكز الإيواء في سبتة هو مراكز رعاية القاصرين" (Centros de Menores)، وهي، وفق ريان، "مراكز حماية واحتضان اجتماعي مغلقة أو شبه مفتوحة، مخصصة للأطفال والأحداث، تؤوي المهاجرين القاصرين غير المصحوبين، وتخضع قانوناً لخدمات الحماية الاجتماعية التابعة لحكومتي مدينتي سبتة ومليلية".
وبخصوص الخدمات المقدمة داخل مراكز (CETI)، أفاد الناشط الحقوقي ذاته بأنها "تتمثل في حزمة من الخدمات الأساسية الممولة من الدولة والمنظمات غير الحكومية الشريكة، من قبيل توفير السكن في غرف مشتركة، والوجبات الغذائية اليومية، والملابس الأساسية، وأيضاً الرعاية الصحية والنفسية، من خلال إجراء الفحوصات الطبية الأولية، والتطعيمات، وتقديم العلاجات، والرعاية النفسية للتعامل مع الصدمات".
وزاد ريان أن "المساعدة القانونية للمهاجرين غير النظاميين تتمثل في توفير مترجمين ومحامين لمساعدة الراغبين في تقديم طلبات اللجوء أو متابعة ملفاتهم الإدارية، ويتلقون دروساً في اللغة الإسبانية، ويتكونون في ورشات حرفية، ويحظون بأنشطة ترفيهية، بينما في حال القاصرين يُلزم القانون الإسباني إدماجهم في المنظومة التعليمية الرسمية".
وضع حقوق المهاجرين
وتثير وضعية حقوق الإنسان في مراكز إيواء المهاجرين غير الشرعيين بمدينتي سبتة ومليلية جدلاً مستمراً بين التقارير الرسمية وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية، مثل "منظمة العفو الدولية"، و"مجلس أوروبا"، والجمعيات الإسبانية المحلية.
في هذا السياق، أفاد جمال الدين ريان بأن "هذه المراكز تعاني بصورة دورية تجاوز طاقتها الاستيعابية بصورة حادة عقب موجات التدفق الجماعي، وهو ما يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات، والضغط على المرافق الصحية، ونشوء بيئات عيش قاسية داخل الخيام أو الغرف المزدحمة".
وشدد الناشط على أنه "وفقاً للقانون الإسباني والاتفاقات الدولية لحقوق الطفل، يُعتبر القاصرون المهاجرون قانونياً، أطفالاً تحت الحماية، قبل أن يكونوا مهاجرين غير نظاميين، وتمنحهم القوانين حق الإقامة والتعليم والرعاية من دون إمكان ترحيلهم الفوري إلا عبر مساطر قانونية معقدة تراعي مصلحة الطفل الفضلى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت ريان إلى أن "تقارير حقوقية تشير إلى بطء إجراءات تحديد السن عبر الفحوصات الطبية للأسنان والعظام، مما يترك أحياناً قاصرين داخل مراكز البالغين (CETI) فترات زمنية طويلة، فضلاً عن مشكلة النقص المشهود في الكوادر التربوية والمتخصصين النفسيين مقارنة بأعداد الأطفال الوافدين".
وسجل المتحدث وجود انتقادات في شأن ظروف إعادة التوزيع أو الترحيل نحو البلدان الأصلية لهؤلاء المهاجرين غير الشرعيين، من دون ضمانات كافية في بعض الأزمات الحدودية الاستثنائية.
وخلص ريان إلى أنه "على رغم أن إسبانيا تمتلك إطاراً قانونياً متقدماً يحمي حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء والقاصرين، فإن واقع الحدود الجنوبية والضغط الديموغرافي المفاجئ يولّد تفاوتات واضحة بين التشريعات النظرية والواقع الميداني داخل مراكز الإيواء في المدينتين".
مغاربة سبتة
مدينة سبتة، التي تصدرت هذه الأيام الأخبار العالمية بسبب مشاهد الاقتحامات والفرح، من جهة، ببلوغ "الأرض الإسبانية"، ومن جهة أخرى مشاهد الجثث والأحذية التي تطفو على مياه البحر، تعتبرها الرباط جزءاً من أراضيها المحتلة، بينما تعتبرها مدريد جزءاً من التراب الإسباني منذ قرون.
وتحظى مدينة سبتة بوضع مدينة ذاتية الحكم داخل إسبانيا منذ عام 1995، وتشكل بوابة رئيسة للهجرة غير النظامية نحو الاتحاد الأوروبي، فأحاطتها السلطات الإسبانية بسياج حدودي لمنع تسلل المهاجرين السريين براً أو بحراً، وهو جدار فاصل بطول ثمانية كيلومترات وارتفاع ستة أمتار.
ويقطن مدينة سبتة مواطنون مغاربة مقيمون بصفة قانونية، يحملون الجنسية المغربية ويقيمون بتصاريح إقامة أو عمل، وإسبانيون من أصول مغربية، ولِد أغلبهم في سبتة أو مليلية ولديهم جميع حقوق المواطنة الإسبانية، ثم عمال وعابرون للحدود، وهؤلاء تقلصت أعدادهم في الأعوام القليلة الأخيرة بسبب تشديد المراقبة على الحدود.
وفي الوقت الذي لا توجد فيه إحصاءات رسمية من الجانب الإسباني، ولا المغربي، حول عدد "مغاربة سبتة"، ولا معطيات عن أصولهم العرقية وديانتهم، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن عدد سكان سبتة يتجاوز 87 ألف نسمة، وأن السكان المتحدرين من أصول مغربية أغلبهم مسلمون.
وفي هذا الصدد، أفادت دراسة ديمغرافية حديثة نشرها مركز الدراسات والتدريب والتحليل الاجتماعي بجامعة "سي إي يو سان بابلو" الإسبانية، بوجود حضور طاغٍ للمهاجرين المولودين في المغرب داخل مدينتي سبتة ومليلية، إذ يشكلون، وفق المصدر، 21.2 في المئة من سكان سبتة و11.8 في المئة من سكان مليلية.
وتبعاً للدراسة نفسها، تتمتع سبتة، ومعها مليلية، بهرم سكاني يميل إلى الشباب، بخلاف الهرم السكاني لإسبانيا، إذ يبلغ متوسط العمر في سبتة 39 سنة، بينما يصل في إسبانيا إلى 44 سنة، وذلك بفضل ارتفاع الخصوبة لدى السكان ذوي الأصول المغربية.