Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاكم مدريد تفتح سبتة ومليلة أمام آلاف المغاربة

مهربو البشر استغلوا قرارا قضائيا يمنع إعادة القادمين إلى المدينتين الإسبانيتين عبر البحر

اقتحم مئات المهاجرين غير الشرعيين معظمهم عبروا سباحة من شواطئ قريبة مثل شاطئ الريفيين بمدينة الفنيدق شمال المغرب (أ ب)

ملخص

يرى البعض أن المراقبة الأمنية على معبر سبتة كانت "متساهلة"، وأن الأمر يتعلق بـ"قرصة أذن" من الرباط وجهتها إلى مدريد، في إظهار مركز الثقل للمملكة في إيقاف جحافل المهاجرين السريين صوب الأراضي الإسبانية، والسبب هو ما قرأه مراقبون على أنه تقارب إسباني - جزائري في الأيام الأخيرة، بعد طول نفور دبلوماسي بين البلدين.

خلف صور التدافع والكر والفر في اقتحام آلاف المغاربة، من مختلف الأعمار، مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين تحت السيادة الإسبانية، تتوارى قصص إنسانية أكثر تعقيداً من مجرد محاولة عبور فاشلة أو حتى ناجحة، قصص تظهر كيف أصبحت شبكات الاتجار بالبشر أكثر قدرة على استثمار الإشاعات والثغرات القانونية واليأس الاجتماعي لاستقطاب ضحايا جدد.

وتتضافر عوامل متشابكة لتفسير الاقتحام الجماعي لعابري حدود سبتة ومليلية الواقعتين في التراب المغربي، من طرف مهاجرين غير شرعيين عن طريق السباحة، منهم أطفال قاصرون وفتيات وأمهات حاملات رضعاً ومعاقون، ليطرح السؤال الملح: من يقف فعلاً وراء موجات الاقتحام؟ ومن المستفيد الحقيقي من استمرارها؟

في مشاهد وصور غير مسبوقة، اقتحم مئات المهاجرين غير الشرعيين، معظمهم عبروا سباحة من شواطئ قريبة، مثل شاطئ الريفيين بمدينة الفنيدق شمال المغرب، معبر مدينة سبتة على حين غرة، منهم من نجح في العبور، ومنهم من فشل في دخول المدينة، بينما قضى تسعة منهم نحبهم أثناء محاولتهم العبور، وفق الحكومة الإسبانية.

وانتشرت مثل النار في الهشيم صور لفتاة مغربية تبدو في بداية عقدها الثاني بلباس السباحة، وهي ترفع علامة النصر بعد نجاحها في اقتحام معبر مدينة سبتة، بينما حرص آخر على سجدة شكر للوصول إلى "الفردوس الإسباني"، غير أن كثيرين فشلوا في بلوغ الهدف.

وإذا كانت أسباب هذه الهجرة السرية الجماعية عبر قطع البحر سباحة في اتجاه سبتة، تتقاطع بين ما هو اجتماعي، مثل الفقر وغياب فرص العمل وضعف الأجور، فإن هناك أسباباً مباشرة أخرى تفسر وقوع هذه الموجة من الاقتحامات الجماعية لمعبر سبتة، ومليلية أيضاً، خلال الأيام القليلة الأخيرة.

ويرى مراقبون أن النقطة التي أفاضت الكأس في الاقتحام الجماعي لمعبر سبتة هي قرار قضائي وصف بالتاريخي، صدر أخيراً عن المحكمة العليا الإسبانية، مفاده حظر إرجاع المهاجرين السريين الذين يصلون إلى مدينتي سبتة ومليلية عبر السباحة، باعتبار أن البحر ليس حاجزاً حدودياً مادياً مثل السياج.

ووفق هذا التصور، فإن "السحر انقلب على الساحر"، إذ إن القرار القضائي الرامي إلى احترام حقوق المهاجرين غير الشرعيين تحول إلى "جرأة" لهؤلاء المهاجرين على الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة، معتقدين أنه بمجرد الوصول إلى سبتة سيكونون في حماية القانون بمظلة قرار القضاء، ولن يعادوا بالقوة للبلاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الاتجار بالبشر

ويبدو أن شبكات الاتجار بالبشر وجدت في هذا القرار القضائي فرصة سانحة من أجل تحريض الشباب والقاصرين، على وجه الخصوص، على خوض مغامرة السباحة إلى سبتة، أو امتطاء زوارق في اتجاه المجهول، في رحلة محفوفة بالأخطار في ظل وعود زائفة بأنه بمجرد الوصول إلى أرض سبتة سينالون المراد، ويحظون بالحماية القانونية في مراكز الإيواء، لا سيما بالنسبة إلى القصر.

وتتوزع أدوار الوسطاء وشبكات الاتجار بالبشر بين تحديد أماكن تجمع المرشحين للهجرة غير الشرعية، واختيار وقت محدد للاقتحام الجماعي، ومراقبة التحركات الأمنية، وهو ما يفسر الوجود الجماعي لمئات، بل آلاف، الشباب والقاصرين والرجال والنساء في أماكن متفرقة جغرافياً قبل الاقتحام الجماعي لسبتة.

وتحصل هذه الشبكات على مكاسب مادية، على رغم أن الهجرة السرية عبر السباحة تبدو غير مكلفة مادياً سوى المغامرة بالحياة، وذلك عبر نيل مبالغ مالية في مقابل مهمات التنسيق لمحاولات العبور إلى سبتة ومليلية، وأيضاً بيع سترات السباحة، وابتزاز الأسر لتقديم خدمات بعد وصول هؤلاء المهاجرين، خصوصاً القاصرين منهم.

وتشن السلطات الأمنية المغربية حرباً ضروساً على هذه الشبكات، إذ إنه وفق أرقام رسمية لعام 2025 تم إحباط 73640 محاولة عبور، بتراجع نسبي قدره 6.4 في المئة مقارنة بعام 2024، كما تم تدمير البنية التحتية لأكثر من 300 شبكة تهريب إجرامية تنشط براً وبحراً، وتم اعتقال 415 منظماً ووسيطاً في الهجرة غير الشرعية بالمغرب.

وراهن المقتحمون لمعبري مدينتي سبتة ومليلية على إحداث "صدمة المواجهة" لدى القوات الأمنية المكلفة، إذ تتسبب الأعداد الكبيرة، دفعة واحدة، في إرباك وتشتيت جهود السلطات الأمنية من الجانبين المغربي والإسباني، فتحصل الاقتحامات ويصل كثيرون إلى أرض سبتة.

 

وقود الاقتحامات

في المقابل، يرى بعضهم أن المراقبة الأمنية على معبر سبتة كانت "متساهلة"، وأن الأمر يتعلق بـ"قرصة أذن" من الرباط وجهتها إلى مدريد، في إظهار مركز الثقل للمملكة في إيقاف جحافل المهاجرين السريين صوب الأراضي الإسبانية، والسبب هو ما قرأه مراقبون على أنه تقارب إسباني جزائري في الأيام الأخيرة، بعد طول نفور دبلوماسي بين البلدين.

وكان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أجرى زيارة عمل إلى الجزائر في شهر يوليو (تموز) الجاري، هي الأولى من نوعها منذ الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين البلدين عام 2022، إذ اتفقا على فتح مرحلة جديدة من التعاون وإعادة العلاقات الثنائية لمسارها الطبيعي.

وتعول مدريد كثيراً على الرباط في محاربة الهجرة غير الشرعية إلى أراضيها، سواء كانوا مهاجرين سريين مغاربة أم مهاجرين قادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، الذين يفدون إلى المغرب قبل تحين الفرصة للهجرة نحو إسبانيا.

في المقابل، تعول الرباط على مدريد في دعم مبادرة الحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء، إذ إن الحكومة الإسبانية أعلنت للمرة الأولى في مارس (آذار) عام 2022 دعمها العلني موقف المغرب في قضية الصحراء، وأن الحكم الذاتي هو الأساس الأكثر جدية وواقعية لحل النزاع.

ولمواجهة المد الهائل للمهاجرين غير الشرعيين، سرعان ما أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن البلدين اتفقا على التنسيق وتكثيف الجهود لمواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة، وتفعيل إعادة جميع المهاجرين الذين دخلوا المدينة بطريقة غير قانونية.

وراهن القاصرون، من خلال هذه الاقتحامات الجماعية، على ما يروج في مواقع التواصل، وفي مجموعات يجتمع فيها الراغبون في الهجرة غير النظامية عبر تطبيقات "واتساب" و"تيليغرام" و"تيك توك"، من كون الوصول إلى أرض سبتة يعني تحقيق الحلم، والبقاء في إسبانيا، والاستفادة من الحماية القانونية.

وفطن القاصرون، على وجه الخصوص، وأيضاً النساء الحاملات أطفالهن، إلى أن السلطات الإسبانية تتردد كثيراً في تعنيف هذه الفئات ذات الحساسية والهشاشة الاجتماعية والنفسية، وأنهم سيحظون بالرعاية والإيواء في مراكز الإيواء بمدينة سبتة، وأن الشرط الوحيد هو أن تطأ أقدامهم أرض سبتة ومليلية.

ووجد هؤلاء القاصرون أنفسهم بين المطرقة والسندان، مطرقة الوسطاء ومنظمي رحلات المهاجرين غير النظاميين عبر البحر، وسندان الأخبار المضللة التي تروج للهجرة السرية ومواعيدها وفرص النجاح فيها، وفرص النجاة في مغامرة السباحة، والنصائح التي يتعين اتباعها لتحقيق الهدف.

وتعرض القاصرون لمعلومات مضللة مفادها بأن "الحدود مع سبتة مفتوحة"، وأن "المراقبة الأمنية متساهلة والوصول إلى سبتة يضمن البقاء هناك، وأنه لا عودة للبلاد"، وغيرها من المعطيات التي حفزت هؤلاء على تجريب المغامرة والمخاطرة بالحياة لبلوغ سبتة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير