ملخص
لقد تشبعنا بالمحتوى، إذ لا تتوقف الخوارزميات عن العمل، وكذلك صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك في عالم يمكن فيه تحويل أي شيء إلى محتوى، ولم يعد فيه أي شيء مقدس.
أينما نظرت، تجد من يحوِّل حياته إلى محتوى. لم تعد الإجازة ملاذاً، بل أصبحت فرصة لالتقاط الصور، ولم تعد الفكرة شيئاً نتأمله، بل أصبحت رأياً رائجاً ينتظر الانتشار. أيضاً لحظات الحزن والفرح والإحباط والإلهام باتت توثق وتصفى وتُصاغ، فنحن لم نعد نعيش التجارب فحسب، بل نمثلها.
إنه زمن انهار فيه الخط الفاصل بين الإبداع والاستهلاك، فلكل شخص منصة، ولكل شخص دور في تنسيق المحتوى، ولكل شخص علامة تجارية. وككل شيء فثمة جانب جميل في ذلك، وهو إتاحة الأدوات للجميع وهدم الحواجز، لكن هناك أيضاً جانباً مظلماً. فلقد تشبعنا بالمحتوى، إذ لا تتوقف الخوارزميات عن العمل، وكذلك صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك داخل عالم يمكن فيه تحويل أي شيء إلى محتوى، دون أن يبقى أي شيء مقدس. ولهذا السبب يقول بعضهم إن الموسيقى والفن لم يعودا يؤثران بالقدر ذاته، فحتى الأشياء التي تعد رائدة أصبحت عادية، ليس لأنها تفتقر إلى الجودة، بل لأننا أصبحنا غير مبالين. فلقد رأينا وسمعنا كل شيء، وعندما نتعرض للعظمة في كل صفحة، يصبح الاستثنائي أمراً عادياً.
استهلاك مستمر
لذا، لم يعد نمط الحياة مجرد طريقة عيشنا، بل أصبح كيفية سردنا لقصة حياتنا. إنه عصر الحياة المرضية، إذ تصبح كل عادة وكل ركن من أركان منزلنا وكل فنجان قهوة صباحية وكل لحظة هادئة فرصة لصناعة ونشر محتوى، وأصبح كل شيء الآن مجرد محتوى. كل فكرة، وكل وجبة، وكل ملاحظة عادية عن الحياة تتحول إلى شيء قابل للاستهلاك، ونحن نستهلكه بلا توقف.
لقد كان للإنترنت في الماضي مكانة ذات قيمة، فإذا انتشر شيء ما انتشاراً واسعاً كان له معنى. أما الآن، فالفيديو الذي كان يُعد حدثاً ثقافياً قبل عقد من الزمن، أصبح مجرد منشور عادي مدفون تحت سيل من الآراء السطحية والانتقاد العشوائي، إضافة إلى التزييف الذي يولده الذكاء الاصطناعي. فنحن نتعرض باستمرار لوابل من المعلومات في كل مرة نستخدم فيها هواتفنا، وتظهر موجة جديدة من الآراء، معظمها سيئ.
يقول باحثون إن التصفح عبر وسائل التواصل هو وظيفة بدوام كامل، إلا أن الراتب عبارة عن إدمان على هاوية الخوارزمية الغريبة التي يستخدمها تطبيق Instagram Reel مثلاً، فكثير مما يعرض علينا هو محتوى رديء. ولا يقتصر الأمر على المحتوى القصير فحسب، فمثلاً خدمات البث مثل "نتفلكس" تصدر مئات الحلقات التلفزيونية والأفلام الهابطة كل عام، وتستمر في ضخ المحتوى غير الشيق في قوائمها، ومثلها "ديزني"، بمؤثرات خاصة ضعيفة وكتابة ركيكة.
فالباحثون يعلنون انتهاء عصر الوعي الإعلامي، والحجة أن الناس أصبحوا يصدقون أي شيء مهما بدا سخيفاً. ويقولون "لقد تشتت انتباهنا، ونحن متقبلون للأمر. لم يعد الناس يشاهدون مقاطع الفيديو الكاملة على ’يوتيوب‘ بل يشاهدون مقتطفات منها، أما المقالات فهي طويلة جداً والناس يريدون فقط النقاط الرئيسة، فنحن في حال استهلاك مستمر، ولكن كل شيء فارغ، وعلى رغم وجود كم هائل من المحتوى فإن لا شيء منه يرسخ في الأذهان".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منشئ محتوى
اشتقت كلمة "content" من الجذر اللاتيني contentus الذي يعني "ملء"، وتستخدم للإشارة إلى ما يحتويه شيء آخر مثل محتويات مرطبان (وعاء)، فينصب التركيز على امتلاء المرطبان، أما ما بداخله فغير واضح. قد يكون ماءً أو سماً، أزرق أو وردياً، سائلاً أو صلباً، لا يوجد أي إدراك لقيمته أو خصائصه أو معناه أو حتى حالته الفيزيائية.
وفي سياق استخدامنا له على الإنترنت، فإذا كان مصطلح "المحتوى" يوحي بالبرود والجمود، فهذا هو المقصود فعلاً. لأنه مصطلح سوقي نفعي، يعود إلى بدايات شهرة الإنترنت، عندما بدأت منصات التواصل الاجتماعي مثل "يوتيوب" في تسويق صناع المحتوى، مستخدمة إياهم للإعلان وبناء قاعدة جماهيرية. كان مفهوم "المحتوى" الشامل منطقياً لأنه يضم أعمال صناع المحتوى من مختلف المجالات، مما سهل وضع سياسات ربحية عامة. ولم يكن أصحاب هذه المنصات يهتمون بما يملأ قنواتهم وصفحاتهم، بل كان يهمهم وجود محتوى، ولذلك، عدوا جهود هؤلاء المبدعين مجرد "محتوى".
أما اليوم، فيعزى فراغ هذا المصطلح مباشرة إلى طبيعة الإنترنت المتقلبة وخوارزمياتها المهيمنة، إذ ثمة حاجة ملحة للاستمرار في الإبداع، أياً كان للبقاء في دائرة الضوء، وهذا الشيء لا يحدده المبدع، بل المنصة نفسها. ففي العصر الذهبي لـ"إنستغرام" كان المبدعون ينتجون صوراً، ولكن مع بدء "ميتا" في إعطاء الأولوية للفيديو تحول "محتوى" عدد منهم إلى مقاطع ريلز. وربما، إذا قرر "إنستغرام" يوماً ما التركيز على المحتوى الصوتي، سيتحول المبدعون سريعاً إلى المحتوى الصوتي. وخلال هذه العملية المتغيرة، يبقى منشئ المحتوى منشئ محتوى، لأنه سيستمر دائماً في إنتاجه بلا انقطاع.
تجربة صناعة المحتوى
وتعرض صانعة المحتوى Desiree Peralta تجربتها في مقالة استفاضت فيها بالحديث عن الجانب المظلم لصناعة المحتوى الذي يدفع بعضهم إلى تركه، فقالت "يعتقد كثر أن كونك منشئ محتوى أو مؤثراً لا يحمل سوى فوائد، ويرجع ذلك إلى اعتقادهم أن كل شيء سهل ولا يوجد عمل حقيقي وراء تحميل المنشورات".
وتتابع "من منا لا يرغب في كسب ستة أرقام سنوياً من خلال تحميل مقاطع فيديو يضحك فيها أو يضع المكياج؟ يبدو أنها الوظيفة المثالية للجميع إذا كنت قادراً على تصوير نفسك". وتشير إلى أن أصدقاءها يخبرونها أنها ليست وظيفة حقيقية، لأنهم لا يرون أي جهد يبذل في ما يفعله الناس على الإنترنت، وتوضح في هذا السياق بالقول "كثير من مستهلكي المحتوى لا يدركون الجهد الحقيقي المبذول وراء الفيديو إلا عندما يطلب منهم إنتاجه، فهناك كثير من الكلف الخفية التي لا يأخذها كثر بعين الاعتبار إلا عندما يكونون داخل الصناعة. وعلى سبيل المثال، من أول الأشياء التي لاحظتها الآن بعدما أصبحت صانعة محتوى هو انعدام الاستقرار، فعندما كنت أعمل في وظيفة مستقرة، كنت أعرف دائماً مقدار المال الذي سأحصل عليه في نهاية الشهر، وكانت وظائفي في صناعة المحتوى مجرد مكافآت إضافية، إذ كنت أستطيع وضع الخطط ودفع فواتيري من دون أي مشكلة، وكنت أعرف بالضبط كم أنفق على بطاقتي الائتمانية، أما الآن، فالوضع مختلف".
وتشرح بالتفصيل ماذا يحدث معها في هذه النقطة المالية التي يرنو إليها معظم صانعي المحتوى فتقول "علي أن أحسب دخلي الشهري متأخراً بشهرين، لذا أحتاج إلى مدخرات للطوارئ تحسباً لأي تأخير في السداد، والأهم أني لا أعرف كم سيبلغ دخلي الصافي. ويقول لي كثر ربما لديك فكرة عامة عن أرباحك، لكن في مجال صناعة المحتوى، لا يمكنك التنبؤ بدقة. فهناك أشهر لم أحقق فيها سوى 300 دولار، وأخرى حققت فيها 5000 دولار، لا يوجد متوسط بين هذه الفجوة الكبيرة".
وبالانتقال من الشق المالي إلى النفسي، تشير إلى أن من الكلف الخفية الأخرى لكونك صانع محتوى الإرهاق المستمر، فعندما كانت تعمل في مكتب، كانت هناك أيام تقوم فيها بعملها بطريقة آلية من دون تفكير عميق، أما صناعة المحتوى فتتطلب الإبداع يومياً، حتى في الأيام التي لا ترغب فيها بالوقوف أمام الكاميرا أو خلف لوحة المفاتيح، وتقول "هناك أيام أجد فيها صعوبة بالغة في كتابة كلمة واحدة، لأنني لا أملك ما أقوله، وهناك أيام أشعر فيها أن معرفتي لا قيمة لها بالنسبة إلى الجمهور، كما أنني أتعرض لضغوط مستمرة من أشخاص يتوقعون مني كثيراً، ولذلك أشعر بالذنب لمجرد نشر أي شيء، وإضافة إلى ذلك تصبح الخصوصية والأمان أكثر صعوبة عندما تكون مكشوفاً باستمرار عبر الإنترنت".