Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تستطيع الحضارات أن تعود إلى الوراء؟

الفيلسوف الاميركي باتريك دينين يتناول مرحلة ما بعد الليبرالية

"أفكار" بريشة الرسام الكندي ألفرد بيلان (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

ليس السؤال مجرد افتراض تاريخي، بل أصبح واحداً من أكثر الأسئلة حضوراً في الفكر السياسي المعاصر. فكلما تعاظمت أزمات الحداثة والليبرالية، ارتفعت أصواتٌ تدعو إلى استعادة الأسرة التقليدية، والدين التقليدي، والمجتمع المحلي، بل وحتى أنماط الحياة التي سبقت الحداثة. ويُعد الفيلسوف السياسي الأميركي باتريك دينين Patrick Deneen من أبرز من عبّر عن هذا الاتجاه.

 ذهب الفيلسوف الأميركي باتريك دينين، إلى أن الليبرالية لم تفشل لأنها انحرفت عن مبادئها، بل لأنها حققت هذه المبادئ حتى نهايتها. هل يكون الحل في العودة إلى الماضي؟ لعل هذه الفكرة هي التي جعلت كتابه الأساسي "لماذا فشلت الليبرالية؟" (Why Liberalism Failed) واحداً من أكثر كتب الفكر السياسي تداولاً في العقد الأخير. فقد أعاد فتح سؤالٍ كان كثيرون يظنون أنه حُسم منذ نهاية الحرب الباردة: هل تمثل الليبرالية بالفعل الأفق الأخير للتاريخ السياسي الحديث، أم أنها دخلت هي نفسُها مرحلة الأزمة؟

غير أن مناقشة هذا السؤال تقتضي أولاً توضيح المقصود بالليبرالية نفسِها. فكثيراً ما يُستعمل هذا المصطلح في الخطاب العربي استعمالاً فضفاضاً، حتى أصبح يدل على معانٍ متباينة، بل ومتعارضة أحياناً.

ما الليبرالية التي ينتقدها دينين؟

ليست الليبرالية مذهباً واحداً، بل أنظومة فكرية وسياسية تطورت عبر قرون، منذ جون لوك وآدم سميث، مروراً بجون ستيوارت ميل، وصولاً إلى الديمقراطيات الغربية المعاصرة. فعلى المستوى الاقتصادي، تقوم الليبرالية الاقتصادية على حرية المبادرة الفردية، وحماية الملكية الخاصة، وحرية السوق، وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلا بالقدر الذي يحفظ المنافسة ويمنع الاحتكار.

أما على المستوى السياسي، فتقوم الليبرالية السياسية على مبادئَ أصبحت اليوم جزءاً من الوعي السياسي العالمي، مثل سيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، وحرية الرأي والضمير، وتقييد سلطة الحاكم بالدستور.

من هنا نشأت الديمقراطية الليبرالية، التي لا تكتفي بمبدأ حكم الأكثرية، بل تجعل الأكثرية نفسَها خاضعةً للدستور، والحقوق الأساسية التي لا يجوز التصويت على إلغائها. فالديمقراطية الليبرالية ليست مجرد انتخاباتٍ دورية، بل هي أنظومة توازن بين الإرادة الشعبية وحماية الحريات الفردية.

ولا يجوز لأيّ نقدٍ جادٍّ لليبرالية أن يتجاهل ما حققته الحداثة السياسية من منجزاتٍ تاريخية كبرى. فقد أسهمت في إنهاء كثير من الامتيازات الإقطاعية، وترسيخ مبدأ المواطنة، وتوسيع الحقوق المدنية، وإقرار حرية المعتقد، وتطوير المؤسسات الدستورية، كذلك وفرت الإطار السياسي الذي ازدهرت داخله الثورة العلمية والصناعية، ثم الثورة الرقمية لاحقاً.

لهذا السبب، فإن نقد الليبرالية لا يكون فلسفيّاً إذا بدأ بإنكار هذه المنجزات، تماماً كما لا يكون فلسفيّاً إذا افترض أنها بلغت الكمال. فالفلسفة لا تبدأ بالتمجيد ولا بالإدانة، بل بالسؤال. وهذا هو السؤال الذي أعاد باتريك دينين طرحه من جديد.

باتريك دينين: حين تصبح الليبرالية ضحية نجاحها

يُعد باتريك دينين (مواليد 1964) أحد أبرز فلاسفة السياسة المحافظين في الولايات المتحدة اليوم. درّس سنوات طويلة في جامعة نوتردام، ويُعد اليوم أحد أبرز مفكري التيار المحافظ الأميركي. وقد اكتسب حضوره العالمي بعد صدور كتابه "لماذا فشلت الليبرالية؟"، ثم عزز مشروعه الفكري بكتاب "تغيير النظام" Regime Change، الذي حاول فيه رسم ملامح البديل الذي يراه ممكناً بعد الأزمة الليبرالية. ومن مؤلفاته أيضاً "الإيمان الديمقراطي" Democratic Faith، الذي تناول فيه العلاقة بين الدين والديمقراطية في التجربة الأميركية، فضلاً عن دراسات أخرى في الفكر السياسي وتاريخه.

لا تكمن أهمية دينين في كونه يدافع عن تيار محافظ، فالفكر المحافظ قديمٌ قدمَ الحداثة نفسها، بل في الطريقة التي صاغ بها نقده. فهو لا يرى أن الليبرالية انحرفت عن مبادئها، بل يرى أنها كانت وفيةً لها إلى أقصى الحدود.

فإذا كانت الليبرالية قد بشرت بتحرير الفرد من كل الروابط السابقة عليه، فإن النتيجة الطبيعية لهذا التحرير هي تراجع الأسرة التقليدية، وضعف المجتمعات المحلية، وانحسار سلطة الدين، وتحول الإنسان إلى فرد مستقل عن كل انتماء سابق.

وإذا كانت قد دعت إلى تحرير السوق، فمن الطبيعي أن تتضخم القوة الاقتصادية للشركات الكبرى، وأن يصبح الاقتصادُ القوةَ الأكثر تأثيراً في تشكيل المجتمع. وإذا كانت قد أكدت استقلال الفرد، فمن الطبيعي أيضاً أن تتوسع الدولة المركزية لحماية حقوق هذا الفرد وتنظيم علاقاته، حتى تصبح السوق والدولة، في نظر دينين، قوتين متكاملتَين لا متعارضتَين كما يُظن عادة.

بهذا المعنى، لا يرى دينين أن أزمة الغرب الراهنة ناتجة من خيانة المشروع الليبرالي، بل عن نجاحه في تحقيق منطقه الداخلي. من هنا يُفهم حنينُه إلى إعادة الاعتبار لما يرى أنّ الليبرالية قد همَّشته: الأسرة، والمجتمع المحلي، والفضيلة المدنية، والدين، والتقاليد التي تمنح الحياة المشتركة شيئاً من الاستقرار والاستمرارية.

لكن، وهنا تبدأ المشكلة الفلسفية، هل يكفي أن نثبت أن الليبرالية أنتجت أزماتٍ حقيقية حتى نستنتج أن الحل هو العودة إلى ما سبقها؟

أليس هذا السؤال نفسُه يفترض أن الماضي لا يزال قائماً في مكان ما، ينتظر من يعيده إلى الحياة؟ هل يمكن استعادة الماضي؟ هنا، في تقديري، تبدأ أكثر نقاط مشروع باتريك دينين إثارةً للنقاش. فإذا صحّ تشخيصه لأزمة الليبرالية، فهل يكون العلاج بالعودة إلى الأسرة التقليدية، والدين التقليدي، والمجتمعات المحلية التي سبقت الحداثة؟

قد يبدو الجواب بديهيّاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي سؤالاً فلسفيّاً أكثر عمقاً: هل يعود التاريخ أصلاً؟ ليس الماضي مكاناً غادرناه، ثم نستطيع العودة إليه متى شئنا. إنه بناءٌ تاريخي تكوّن من شروط اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية لم تعد قائمة بالصورة نفسها. لذلك فإن الدعوة إلى استعادة الماضي كثيراً ما تفترض، من حيث لا تشعر، أن المؤسسات التاريخية يمكن فصلها عن الشروط التي أنتجتها. فالأسرة، مثلاً، ليست مجرد أب وأم وأولاد. إنها ثمرةُ نمطٍ معين من الاقتصاد، وتقسيم العمل، ومكانة المرأة، والقانون، والدين، والتعليم، وأنماط السكن، بل وحتى وسائل الاتصال والتقنيات المتاحة في كل عصر.

وإذا تغيرت هذه العناصر جميعاً، فإننا لا نستطيع ببساطة أن نعيد الأسرة القديمة، لأن الشروط التي كانت تجعلها ممكنة لم تعد موجودة. وينطبق الأمر نفسُه على الدين، وعلى الدولة، وعلى الاقتصاد، وعلى سائر المؤسسات الكبرى. وهنا، في رأيي، يكمن الحد الذي يبلغ عنده نقد دينين مداه، ثم يبدأ سؤالٌ آخر لا يقل أهمية.

الارتصاف: لماذا لا يعود التاريخ إلى الوراء؟

لعل أفهوم الارتصاف agencement الذي ابتكره جيل دولوز، بالاشتراك مع فليكس غتاري، في كتابهما الشهير "ألف سطح" Mille Plateaux، يساعدنا على فهم هذه المسألة بطريقة مختلفة. وقد آثرت استعمال ترجمة "الارتصاف"، لأنها تنقل المعنى الذي قصده دولوز أكثر مما تنقله ألفاظ مثل "التركيب" أو "التجميع". فالارتصاف ليس مجرد جمع عناصر متفرقة، بل انتظامُ علاقاتٍ متغايرة تنتج واقعاً جديداً.

وقد فضل دولوز هذا الأفهوم على أفهوم "الأجهوز" dispositif الذي اشتهر به ميشال فوكو، لأنه أراد إبراز الطابع التكويني والإنتاجي للعلاقات، لا الاقتصار على تحليل آليات السلطة. وقد استعمل دولوز هذا الأفهوم لتحليل ظواهرَ متعددة، من بينها الحب العذري في أوروبا الوسيطة، مبيِّناً أنّه لم يكن مجرد شعور فردي، بل نتيجةُ ارتصافٍ معقد بين النظام الإقطاعي، والفروسية، والشعر، والمسيحية، ومكانة المرأة، وأنماط الرغبة، واللغة، والطقوس الاجتماعية. لم يكن أي عنصر من هذه العناصر وحده سبباً للحب العذري، وإنما كان ارتصافها هو الذي أنتج هذا الشكل التاريخي من الحب.

الأمر نفسُه يصدق على الأسرة، أو الدين، أو الدولة، أو السوق. إنها ليست جواهرَ ثابتة، بل ارتصافاتٌ تاريخية. ليست الأسرة، في هذا المنظور، أباً وأمّاً وأولاداً فحسب، بل ارتصافٌ لعناصر اقتصادية، ودينية، وقانونية، وتقنية، وتربوية، ورمزية. فإذا تغير هذا الارتصاف تغيرت الأسرة نفسها، حتى لو بقي الاسم واحداً.

من هنا تبدو العودة إلى الماضي مستحيلة، لا لأن الماضي بلا قيمة، بل لأن الارتصاف الذي أنتجه لم يعد قائماً. هذا لا يعني أن الماضي ينبغي أن يُنسى، وإنما يعني أن قيمه لا يمكن أن تعود إلا داخل ارتصافات جديدة، لا داخل الشروط القديمة نفسها.

ولو كان دينين يقرأ دولوز، لربما اعترض على هذا التحليل. فهو لا يعتقد أن المشكلة تكمن في تغير الارتصافات، بل في فقدان الفضائل والمؤسسات التي جعلت الحرية ممكنة أصلاً. من هنا يظل يراهن على إحياء التقاليد المحلية والأسرة والدين بوصفها شروطاً لاستعادة الحياة المدنية.

التحولات الكبرى: عالم يولد من جديد

إذا كان القرن التاسع عشر قد شهد الثورة الصناعية، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد تحولاً ربما لا يقل عنها عمقاً. فالأسرة تتغير. والدين يتغير. والاقتصاد نفسُه يتغيّر. ولعل الاقتصاد الافتراضي أوضحُ تعبير عن هذا التحول، إذ لم تعد القيمة تُنتج داخل المصنع وحده، بل أصبحت تُنتج أيضاً داخل الفضاء الرقمي، بحيث تتحول المعرفة والبيانات والخوارزميات إلى عناصر أساسية في الاقتصاد الجديد.

أما التكنولوجيا، فلم تعد مجرد أدواتٍ نستعملها، بل أصبحت بيئة كاملة تعيد تكوين العمل، والتعليم، والسياسة، والثقافة، بل وحتى طرائق التفكير. هذه التحولات ليست أحداثاً منفصلة، وإنما تعبر عن إعادة ارتصاف للحضارة نفسها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لهذا لا يبدو السؤال الحقيقي: كيف نستعيد الأسرة القديمة؟ أو كيف نستعيد الدين القديم؟ أو كيف نستعيد الاقتصاد القديم؟ بل: ما الارتصافات الجديدة القادرة على أن تمنح الإنسان حريةً أكبر، ومسؤوليةً أعمق، وحياة أكثر معنى؟ وهنا، في رأيي، ينبغي أن يتجاوز النقاش الثنائية التقليدية بين المحافظين والليبراليين. فليس كل قديم صالحاً لأنه قديم. وليست كل جِدة فضيلةً لأنها جديدة. كذلك الذكاء الاصطناعي ليس خلاصاً للبشرية، ولا كارثة محتومة عليها. إنها جميعاً ظواهر ينبغي أن تصبح موضوعاً للتفكير، لا موضوعاً للإيمان أو الرفض المسبق.

إننا لا نشهد انتقالاً من اقتصاد إلى اقتصاد، ولا من تقنية إلى تقنية، بل انتقالاً من ارتصاف حضاري إلى ارتصاف آخر. ففي الاقتصاد الافتراضي، والذكاء الاصطناعي، والتحولات العميقة التي تصيب الأسرة والدين، لا تتغير عناصر منفصلة، بل تتغير العلاقات التي تربط بينها، ومن ثم يتغير شكل الحياة نفسه.

ليس العودة… بل التفكير

تكمن القيمة الكبرى في كتاب باتريك دينين في أنه أجبر الفكر السياسي على إعادة طرح سؤال الليبرالية بعد أن ظن كثيرون أنه حُسم نهائيّاً. غير أن قيمة السؤال لا تعني بالضرورة صحة الجواب. فالبديل عن الليبرالية لا يكون بالضرورة العودة إلى الماضي، تماماً كما أن الدفاع عن الحداثة لا يعني قبول كل ما تنتجه الحداثة.

هنا تستعيد الفلسفة دورها الأصلي. فهي لا تدافع عن الماضي لأنه ماضٍ، ولا تحتفي بالمستقبل لأنه مستقبل. إنها تمارس النقد في الاتجاهين معاً. إنها تُخضع الأسرة لإعادة التفكير، كما تخضع أشكال الأسرة الجديدة للتفكير. وتخضع الدين للنقد، كما تخضع الإلحاد للنقد. وتخضع الرأسمالية للمساءلة الدائمة، كما تخضع البدائل المطروحة لها للمساءلة. وتفكر في الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه قدراً لا يُرد، ولا بوصفه شراً ينبغي مقاومته، بل بوصفه أحد أكبر التحديات التي تفرض على الإنسان أن يعيد التفكير في نفسه.

ربما لهذا السبب لا يكون السؤال الفلسفي اليوم: هل نحن مع الليبرالية أم ضدها؟ ولا: هل نحن مع المحافظة أم ضدها؟ بل سؤالاً آخر أكثر تواضعاً وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: كيف نفكر بحرية في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟ ذلك أن الحضارات لا تُنقذها الأيديولوجيات بقدر ما ينقذها الفكر. ولا تُنقذها العودة إلى الماضي، ولا الاندفاع الأعمى نحو المستقبل، بل القدرة الدائمة على مساءلة كليهما.

ولعل المهمة الأساسية للفلسفة، في زمن التحولات الكبرى، ليست أن تقدم أجوبة نهائية، وإنما أن تمنع الأجوبة الجاهزة من أن تحل محل التفكير. لهذا، فإننا لا نعرف سلفاً ما هو الأفضل، بل نفكر في ما يمكن أن يكون أفضل.

كان باتريك دينين محقّاً في أن الليبرالية ليست نهاية التاريخ. لكنه لا يعني بالضرورة أن الماضي مستقبلُنا. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، لأنه لا يعيد الارتصافات التي صنعته. وما تستطيع الفلسفة أن تفعله ليس إعادة الزمن، بل تحرير التفكير من أوهام الماضي وأوهام المستقبل معاً. فهي لا تعرف سلفاً ما هو الأفضل، وإنما تواصل البحث عما يمكن أن يكون أفضل.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة