Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المسلمون في "ريفورم" البريطاني.. مغالاة أم انتماء

3 شخصيات في الحزب الشعبوي تثير نقاش الهوية الدينية والوطنية وسط الجالية المسلمة   

نايجل فاراج مع ليلى كانينغهام مرشحة "ريفورم" لانتخابات عمدة لندن (غيتي)

ملخص

 أثارت مرشحة "حزب ريفورم" لانتخابات عمدة لندن ليلى كانينغهام عاصفة من ردود الفعل بعد تصريحات عن الجالية المسلمة في بريطانيا، وجددت الحديث حول دلالات انضمام مسلمين إلى حزب شعبوي يعبر بوضوح عن رفضه الهجرة والمهاجرين. 

يعرف "ريفورم" البريطاني بأنه حزب يميني متطرف يقوده سياسي شعبوي قاد حملة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، واُتهم عدة مرات بمعاداة المهاجرين وبخاصة المسلمين منهم، فحتى نواب الحزب في مجلس العموم بينهم من طرد من أجساد سياسية سابقة بسبب عنصريته، وعلى رغم هذا تجد مسلمين بين صفوف "ريفورم"، ومنهم قادة يعبرون عن مواقف حادة تجاه الجالية وبخاصة في العاصمة لندن.

و"ريفورم" نسخة محدثة من "حزب بريكست" الذي أُسس عام 2018 ليشارك في المعركة السياسية والشعبية لطلاق لندن وبروكسل، وفي عام 2021 تبدل اسمه إلى "ريفورم" وبدأ يتمدد شعبياً تحت قيادة نايجل فاراج وباستخدام عناوين اقتصادية واجتماعية مختلفة، أبرزها معاداة الهجرة والمهاجرين بحجة "الخشية على الهوية الوطنية"، حتى جاءت انتخابات البرلمان الأخيرة وظفر بخمسة مقاعد نيابية.

تمدد "ريفورم" على حساب جميع الأحزاب البريطانية الكبيرة، ولكن "المحافظين" كان الأكثر تضرراً، فمنذ الانتخابات العامة في الرابع من يوليو (تموز) 2024 صعدت شعبية الحزب وزعيمه حتى طغت على "العمال" الحاكم ورئيس الوزراء كير ستارمر، فباتت استطلاعات الرأي تبشر بالشعوبيين قادة للدولة خلال الاستحقاق النيابي المقبل عام 2029، وتتوقع كذلك حكومة بغالبية كبيرة يقودها فاراج الملقب بـ "فيلسوف الحانات". 

المستقبل المشرق المتوقع للحزب الحديث في البرلمان بدى مغرياً لجميع الساسة البريطانيين الذين ينتمون إلى "اليمين" على اختلاف درجاته، ولهذا شهدنا انشقاق نحو 20 نائباً سابقاً وحالياً من "المحافظين" وانضمامهم إلى "ريفورم"، وآخرهم وأكثرهم شهرة وزير العدل السابق في حكومة الظل المعارضة روبرت جينريك، ولكن بالنسبة إلى مسلمي بريطانيا فالأعين  تتركز على أبناء الجالية من قادة التكتل الشعبوي.

ولمعت ثلاث شخصيات مسلمة في الحزب اليميني المتشدد الذي يقوده فاراج، أولها ضياء يوسف الذي واكب نشأته ووصل إلى منصب الرئيس التنفيذي، واثنان برزا على الساحة مع بداية العام الحالي وهما البرلماني ووزير الخزانة السابق ناظم الزهاوي، ومرشحة "ريفورم" لانتخابات قيادة بلدية لندن عام 2028 ليلى كانينغهام، وستواجه فيها على الأرجح عمدة العاصمة اليوم العُمالي المسلم صادق خان.

وستجد حتماً مسلمين آخرين في القاعدة الشعبية للحزب اليميني، فقد بلغت أكثر من 270 ألفا نهاية العام الماضي، وفق بيانات "ريفورم"، لكن الشخصيات الثلاث سابقة الذكر باتت اليوم عناوين إعلامية بسبب مواقفها الجدلية من قضايا تمس الجالية المسلمة، فبعضهم يرى فيها هجوماً على الإسلام والمسلمين، بينما يجدها آخرون معبرة عن انتماء وطني لا يمس الدين، ويجب أن يكون أولوية لجميع أبناء المملكة المتحدة.

 

ليلى كانينغهام

أحدث المواقف التي جددت الحديث عن أبعاد انضمام المسلمين إلى الحزب الشعبوي صدرت من السياسية ذات الأصول المصرية المسلمة التي رشحها "ريفورم" لخوض انتخابات عمدة لندن المقبلة، فليلى التي انشقت عن "المحافظين" بعد الهزيمة القاسية التي تلقاها أقدم وأقوى أحزاب بريطانيا خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، أعلنت فوراً الحرب على البرقع وتهجمت على محاولة بعضهم تغيير الهوية الوطنية للعاصمة.  

وليلى التي تكنت باسم عائلة زوجها، كما هو العرف في بريطانيا، ولدت في لندن لعائلة مصرية مسلمة جاءت إلى المملكة المتحدة في ستينيات القرن الماضي، وتزوجت للمرة الأولى من فرنسي لعقد من الزمن أنجبت منه أربعة أولاد، ثم تطلقت وارتبطت برجل أعمال أميركي لديه ولدان من زواج سابق، فأنجبت كانينغهام منه ولداً واحداً وأصبحت أما لسبعة ترعاهم، إضافة إلى نشاطها في الشأن العام، إذ تعمل اليوم كعضو مجلس بلدي.

درست كانينغهام العلوم الاجتماعية ثم القانون، وتأهلت لتكون محامية ومدعية عامة تولت قضايا بارزة بعضها يخص القصر الملكي، وظلت تراكم خبرة في ميدان الخدمة المدنية حتى فازت بمقعد بلدي عام 2022 عن حزب "المحافظين" وتفرغت للعمل السياسي، ثم في يونيو (حزيران) 2025 انشقت وانضمت إلى "ريفورم"، وبعد ترشحها لانتخابات عمدة لندن أجرت مقابلة فجرت ضجة كبيرة، فقالت إنها "تريد وقف الهجرة إلى بريطانيا تماماً، وهي تنتمي إلى المجتمع البريطاني وليس للجالية، كما تعتقد بأن المسلمين الذي يأتون إلى المملكة المتحدة ويؤذونها يجب أن يمنعوا من العيش فيها، فهؤلاء يجلبون العار للجالية، كما تعتقد أن البرقع لا يمثل فرضاً دينياً، وهي تؤيد تفتيش النساء اللواتي يرتدينه حرصاً وحفاظاً على الأمن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الغاية والوسيلة  

أثارت كانينغهام ردود فعل غاضبة، فوصفت المديرة التنفيذية لـ "شبكة النساء المسلمات في بريطانيا" شايستا جوهر  تصريحاتها بالخطرة، وقالت إنها قد تُشجع على الإساءة إلى المسلمات، ومنظمتها واجهت ارتفاعاً في الرسائل المسيئة والتهديدات بعد كلام المرشحة عن "ريفورم"، أما صادق خان فقال إن كانينغهام "تزرع الانقسام في المجتمع وتضر بقيم لندن التي يفتخر أهلها بتعدديتها الاجتماعية والثقافية وحرية الدين فيها".

أما النائب المسلم في البرلمان أفضل خان فقال إن كانينغهام "تبوح بأفكار تقسيمية تستخدم لتحقيق مكاسب سياسية"، فيما دان "مجلس مسلمي بريطانيا" تصريحات كانينغهام من دون ذكر اسمها، وقال إنه "يرفض كل كلام يربط الإسلام أو لباس المسلمات بالأمن أو الجريمة، أو يدعو إلى سياسات تمييزية في الفضاء العام"، فيما أشارت منظمة "تل ماما" الحقوقية إلى أن مثل هذه الخطابات تعزز ثقافة الكراهية داخل البلاد.

وفي المقابل نشرت صحيفة "تلغراف" تقريراً حول ردود فعل قرائها على كانينغهام، وقالت إنهم يؤيدونها ويرون فيها المرشح الذي سيهزم خان، ونقلت عن بعضهم إعجابه بما سموه "كسراً للتابوهات السياسية التي تخشى الحديث عن المسلمين"، فيما نشرت "سبكاتور" مقالة تقول إن "انتماء كانينغهام للإسلام لا يعني أن تتبنى الهوية الدينية بدلاً من الوطنية"، بينما لفت آخرون إلى أن كانينغهام  تعبر عن تيار متصاعد داخل البلاد.

والسجال الذي أشعلته مرشحة "ريفورم" لمنصب عمدة لندن عرّفه الإعلام والشارع سابقاً مع تصريحات مشابهة للقيادي في الحزب ذاته ضياء يوسف، وأطلق عليه الوصف ذاته الذي نعتوا به كانينغهام، فقالوا إنه "واجهة مسلمة تُستخدم لنفي تهمة الـ 'إسلاموفوبيا' عن الحزب"، وكذلك كان مصير زميلهما السياسي المسلم ناظم الزهاوي.

 

ضياء يوسف

ولد ضياء يوسف في إسكتلندا عام 1986، وهو ينحدر من عائلة سريلانكية مسلمة، فقد درس في "كلية لندن للاقتصاد" وأصبح رجل أعمال ناجح، وعمل في بنوك استثمارية مثل "غولدمان ساكس" و"ميريل لينش"، ثم أسس شركة خدمات فاخرة بيعت لاحقاً بمبلغ أكسبه ثروة كبيرة وفتح له أبواب عالم السياسة على مصراعيها، فانضم إلى "المحافظين" قليلاً ثم تبدل اهتمامه إلى "ريفورم"، فأغدق التبرعات له وانضم إلى صفوفه.

شغل يوسف منصب الرئيس التنفيذي للحزب بين يوليو 2024 وحتى يونيو 2025 حينما استقال، ثم عاد للعمل في دور آخر يشمل صياغة السياسات والإستراتيجية الإعلامية وتطوير العمل الداخلي، وعندما يسأل يوسف عن دينه يقول إنه مسلم لكن الدين مسألة شخصية وليست أداة سياسية، لذا فهو "يرفض فكرة تمثيل المسلمين ككتلة سياسية واحدة، ويرى أن البريطاني المسلم مواطن له آراء متنوعة وليس متحدثاً باسم دينه".

ويعتبر رئيس السياسات في "ريفورم" أن الحجاب خيار شخصي للمرأة المسلمة وليس مسألة أمنية، فلا يدعو إلى حظره في الفضاء العام، أما البرقع فيراه قضية اجتماعية وسياسية أكثر من كونه مسألة إيمانية، وهو يؤيد حق الدولة في تقييد أو حظر تغطية الوجه في أماكن معينة مثل المؤسسات الرسمية والمدارس، وبالتالي لا يعتبر منع البرقع اضطهاداً دينياً لأبناء الجالية، إذا كان مبرراً بالقانون والأمن الداخلي والمصلحة العامة.

 

ناظم الزهاوي

وعلى عكس كانينغهام ويوسف كان ناظم الزهاوي ينتقد مواقف "ريفورم" تجاه المهاجرين، ويرى أن الحزب الشعبوي يهاجم المسلمين عندما يتحدث عن البرقع والحجاب وغيرها من القضايا التي تمس الجالية في المملكة المتحدة، وكان ذلك عندما كان الزهاوي نائباً وقيادياً في "المحافظين"، ولكنه قبل أيام فقط قرر الانشقاق عن رفاق الأمس والانضمام إلى فريق فاراج ليواكب المد الشعبوي المتزايد في أوساط اليمين.

ولد الزهاوي في بغداد عام 1967 وهاجرت أسرته إلى بريطانيا هرباً من نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، فاستقرت العائلة في ساسكس بإنجلترا، ودرس الزهاوي الهندسة الكيماوية لكنه قرر أن يسير على خطى والده في عالم الأعمال، فزادت ثروته وتعرف إلى شخصيات سياسية مهدت له الطريق للانتخابات البرلمانية عن "حزب المحافظين"، فوصل إلى مجلس العموم للمرة الأولى في مايو (أيار) 2010، وبقي نائباً في البرلمان حتى عام 2024 وتبوأ مناصب عدة في حكومات "المحافظين"، فعينته رئيسة الوزراء تيريزا ماي عام 2018 وزيراً لشؤون الأطفال والأسرة، ثم اختاره بوريس جونسون خلال كورونا عام 2021 وكيلاً لوزارة الجائحة، وبعدها كلّفه بوزارة للتعليم عام 2022، وأخيراً تسلّم وزارة المالية عام 2023.

وفي العام ذاته أقيل الزهاوي من منصبه بعد تحقيق في ملفه الضريبي أظهر تجاوزات قانونية، واتصل به حينها رئيس الوزراء ريشي سوناك وقال له "يؤسفني أن ينتهي الأمر هكذا"، وكانت اللحظة التي كان يخشاها الوزير، وقد كتب في مذكراته واصفاً فخره بـ "حزب المحافظين" الذي تخلى عنه ومضى إلى "ريفورم"، وقال إنه "من مبادئ المحافظين الأساس أن الأشياء يصعب خلقها والحفاظ عليها، ولكن من السهل جداً تدميرها".

في الانتخابات العامة الأخيرة رشح "ريفورم" 17 شخصا من أقليات عرقية لكنهم لم يوفقوا مثل راج فرهاد رجل الأعمال من أصول بنغلادشية، وكرر الحزب الفعل ذاته في الانتخابات البلدية التي جرت العام الماضي وكان أكثر حظا فيها. يقول تقرير لصحيفة "الغارديان" إن "التكتل اليميني يحتاج إلى الانتشار بين الأقليات العرقية كي يرسخ نفوذه وطنيا"، واستقطاب شخصيات سياسية معروفة أو قيادية في أحزاب أخرى، يبدو استراتيجية يلجأ لها "ريفورم" للترويج لنفسه وتغيير قناعات الشارع بشأن معاداته للمهاجرين.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير