Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غياب الحكومة التونسية عن جلسة المساءلة يزعزع الثقة بمؤسسات الدولة

أثار جدلاً واسعاً في شأن طبيعة العلاقة مع البرلمان ومدى احترامها للدستور

غياب الحكومة عن جلسة الحوار والمساءلة في مجلس نواب الشعب يكشف عن أزمة في العلاقة بين مؤسسات الدولة (اندبندنت عربية)

ملخص

دفع هذا الغياب البعض إلى وصف الحكومة بـ"الصامتة"، كونها لا تتواصل مع الرأي العام ولا تقدم حلولاً عملية لإخراج البلاد من أزماتها، بل وصل الأمر إلى المطالبة بسحب الثقة منها.

في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متزايدة من انقطاع الكهرباء إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تزامناً مع تحركات احتجاجية تقودها أطراف من المعارضة ومكونات من المجتمع المدني، تعيش الساحة السياسية في تونس على وقع تصاعد التوتر بين الحكومة ومجلس نواب الشعب. وقد برز هذا الخلاف بوضوح إثر غياب الحكومة عن جلسة الحوار البرلماني المخصصة لمساءلتها في شأن انقطاعات الكهرباء والوضع العام في البلاد، وهو ما أثار انتقادات واسعة وفتح باب التساؤلات حول مدى تفاعل السلطة التنفيذية مع الأزمات التي يعيشها التونسيون، كذلك دفع هذا الغياب البعض إلى وصف الحكومة بـ"الصامتة"، كونها لا تتواصل مع الرأي العام ولا تقدم حلولاً عملية لإخراج البلاد من أزماتها، بل وصل الأمر إلى مطالبة عدد منهم بسحب الثقة منها.

إلا أن عدداً من المهتمين بالشأن العام يرون أن الحكومة ليست مسؤولة أمام البرلمان باعتبار أن احتجاجات عدد من النواب على غياب الحكومة عن الجلسة العامة لا تستند إلى أساس دستوري، بل تتعارض مع الفلسفة التي جاء بها دستور 2022، والتي نقلت مركز مساءلة الحكومة من البرلمان إلى رئيس الجمهورية.

بداية تحرك سياسي

في هذا السياق، أكد النائب بمجلس نواب الشعب صابر المصمودي أن معالجة الأداء الحكومي والتعبير عن الاحتجاج أو الاستياء يجب أن يتجها نحو الآليات الدستورية والرسمية التي يكفلها القانون، وفي مقدمها لائحة سحب الثقة من الحكومة، مبيناً أن الاكتفاء بالمقاطعة أو إطلاق الشعارات لا يخدم المصلحة الوطنية.

وقال المصمودي إن البرلمان يمتلك الآليات القانونية الكفيلة بالتقييم والمحاسبة، إذ سبق أن جرى إعداد لائحة لسحب الثقة منذ نحو شهرين، إلا أنها لم تحظَ بالتجاوب الكافي من بقية النواب.

وبحسب الفصل 115 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، لا يمكن لمجلس نواب الشعب بمفرده إسقاط الحكومة، إذ يجب أن تكون لائحة اللوم معلّلة وموقعة من نصف أعضاء مجلس نواب الشعب ونصف أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم.

ولا يجري التصويت على اللائحة إلا بعد مرور 48 ساعة على تقديمها، ولا تُسحب الثقة من الحكومة إلا إذا حظيت بموافقة ثلثي أعضاء المجلسين مجتمعين. وفي حال المصادقة عليها، يقدّم رئيس الحكومة استقالة حكومته، ويتولى رئيس الجمهورية قبولها.

وبذلك، فإن جمع التوقيعات داخل مجلس نواب الشعب يمثل بداية تحرك سياسي، لكنه لا يتحول إلى مسار دستوري مكتمل إلا بانضمام أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم واستيفاء النصاب المطلوب ثم الحصول على أغلبية الثلثين.

الصورة الأكثر قتامة

في هذا السياق، رأى الناطق الرسمي باسم التيار الشعبي محسن النابتي أن غياب الحكومة عن جلسة الحوار والمساءلة في مجلس نواب الشعب هو مؤشر خطر إلى وجود أزمة في العلاقة بين مؤسسات الدولة.

وأوضح النابتي في تصريح خاص أن "رفض الحكومة الحضور إلى البرلمان، على رغم كونه مؤسسة دستورية مكلفة بمراقبة عملها ومساءلتها، يعطي انطباعاً سلبياً في الداخل والخارج حول طبيعة العلاقة بين السلطات"، وأعلن أن "تجاهل البرلمان يضعف صورة المؤسسة التشريعية ويؤثر في ثقة المواطنين في المسار السياسي".

وأضاف أن المواطن التونسي لم يعد ينتظر كثيراً من مثل هذه الجلسات، لكنه يتساءل عن جدوى مؤسسة لا تجد آذاناً صاغية من الحكومة، محذراً من أن تهميش البرلمان قد يؤدي إلى مزيد من العزوف عن المشاركة السياسية مستقبلاً.

وأكد الناطق الرسمي باسم التيار الشعبي أن الدول التي تواجه ضعفاً في أداء البرلمانات تلجأ عادة إلى تجديد شرعيتها عبر انتخابات مبكرة، وليس إلى إضعاف صورة المؤسسة التشريعية، مشيراً إلى أن غياب الدولة في نظر المواطن أخطر من غياب الماء والكهرباء، وهو ما يمثل، حسب تعبيره "الصورة الأكثر قتامة على الإطلاق".

وذلك في رده على رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة الذي علق على غياب الحكومة خلال افتتاح جلسة عامة للمجلس خصصت للتداول في الشأن العام وحول الأوضاع جراء قطع الماء والكهرباء، قال فيها "لا مجال لإعطاء صورة قاتمة أو مغلوطة أو محبطة للعزائم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صمت الحكومة

من جهته، قال الصحافي صبري الزغيدي إن "البلاد تعيش مرحلة دقيقة وغير مسبوقة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في ظل تنامي الحراك الاجتماعي في عدد من القطاعات والمؤسسات، إلى جانب استمرار المطالب السياسية المرتبطة باحترام الحقوق والحريات". وأضاف في تصريح خاص أن "الشارع التونسي يواجه اليوم أزمات يومية متعلقة بانقطاعات الكهرباء والماء، إضافة إلى الجدل القائم حول نقص المياه المعلبة خلال فصل الصيف".

وقال الزغيدي إن هذه الأوضاع كانت تستوجب، وفق تقديره، اعتماد الحكومة سياسة اتصالية واضحة وشفافة تقوم على طمأنة المواطنين وتقديم توضيحات للرأي العام، غير أنها اختارت، حسب رأيه، الصمت وعدم الظهور، واقتصرت علاقتها أساساً على رئيس الجمهورية، وهو ما عمّق حال التساؤل حول دورها في إدارة الملفات المطروحة.

وأضاف أن غياب الحكومة عن الجلسة البرلمانية الأخيرة أثار جدلاً واسعاً في شأن طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان ومدى احترامها الدستور، ورأى أن الحكومة أصبحت، وفق تعبيره، مرتبطة أساساً بتوجيهات رئيس الجمهورية، وأن هامش تحركها بات محدوداً في التعامل مع القضايا المستعجلة التي تهم المواطنين، بخاصة الملفات الاجتماعية والاقتصادية والخدمات العمومية.

وأشار الزغيدي إلى أن قطاعات النقل والصحة والتعليم تواجه صعوبات كبيرة، لافتاً إلى أن موجة الحر الأخيرة وما رافقها من ضغط على المؤسسات الصحية العمومية كانت تستوجب حضوراً أكبر من وزارة الصحة وتواصلاً مباشراً مع المواطنين حول حقيقة الأوضاع والإجراءات المتخذة.

وأكد أن الحكومة تواصل، حسب رأيه، النهج الذي رسمه لها رئيس الدولة، وأن التزامها الأساس أصبح موجهاً نحو رئيس الجمهورية وليس نحو البرلمان أو الرأي العام أو المواطنين. وأضاف أن مؤسسات الرقابة، سواء البرلمان أو المجلس الوطني للجهات والأقاليم، "فقدت دورها الفعلي وتحولت إلى مؤسسات محدودة التأثير لا تمارس رقابة حقيقية على العمل الحكومي".

غياب آليات الرقابة

كذلك أثار الزغيدي تساؤلات حول القروض التي تتحصل عليها الدولة، متسائلاً عن مدى توجيهها نحو مشاريع قادرة على خلق الثروة أو تحسين البنية التحتية أو تطوير الخدمات العمومية، ولفت إلى أن غياب المعطيات والتوضيحات يعمق الغموض لدى التونسيين.

وأكد أن الوضع الحالي يعكس، بحسب رأيه، تركيزاً كبيراً للسلطة لدى رئيس الجمهورية مقابل تراجع أدوار بقية المؤسسات، وأن غياب آليات الرقابة والمساءلة يمثل أحد أبرز الإشكالات المطروحة. وأشار إلى أن المرسوم عدد 54 أسهم في التضييق على حرية الرأي والتعبير وجعل انتقاد هذا المسار أمراً محفوفاً بالأخطار.

وختم صبري الزغيدي تصريحه بالقول إن هذا التسيير لم يرافقه برنامج اقتصادي أو اجتماعي واضح يشعر به المواطن في حياته اليومية، سواء من جهة الأسعار أو الخدمات العمومية أو تحسين الظروف المعيشية، ورأى أن الدولة تُدار اليوم في ظل غياب برنامج واضح وآليات رقابة ومحاسبة فعالة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير