ملخص
قضية امرأة مغربية طلبت الحماية في بريطانيا كشفت أن رفض ملفها استند إلى وثيقة حكومية يرجح أنها من اختراع الذكاء الاصطناعي. الواقعة أعادت إلى الواجهة جدلاً بدأ قبل عامين حول أدوات ذكاء اصطناعي تستخدمها وزارة الداخلية في معالجة طلبات اللجوء من دون إبلاغ أصحابها. بين أرقام رسمية تتحدث عن توفير الوقت، ورأي قانوني يصف الممارسة بأنها على الأرجح غير مشروعة، يبقى مصير عشرات آلاف الملفات معلقاً على نص تولده الخوارزمية.
وصلت المرأة المغربية إلى بريطانيا برفقة طفلها بعدما فرت من زواج قسري وهي قاصر ومن عنف شديد شمل الاغتصاب، وبنت طلب لجوئها على خشيتها من أن يقتلها زوجها، وهو مُدان سابق ذو نفوذ. رفضت وزارة الداخلية ملفها استناداً إلى ما وصفته بوثيقة مرجعية مستقلة تُعرف باسم "مذكرة سياسة ومعلومات الدولة "(CPIN)، قالت إنها تؤكد أن المغرب بلد آمن بالنسبة إليها. لم يُعثر على الوثيقة، مع أن قاضياً في محكمة الدرجة الأولى للهجرة اعتمد على وجودها لرفض استئناف المرأة على قرار الوزارة، فتقدمت باستئناف ثانٍ أمام المحكمة العليا للهجرة، حيث أثار قاضٍ آخر شكوكاً حول الوثيقة المفقودة.
في قرار صادر في 14 يوليو (تموز) الجاري، قال القاضي "ربما مذكرة من هذا النوع لم توجد قط، ولم يُعثر على أي أثر لها في المجال العام، وأن فريق سياسات ومعلومات الدول في وزارة الداخلية نفسه عجز عن تأكيد وجودها". ورأى بعد اطلاعه على خطاب الرفض أن الخطاب يحمل علامات تتسق مع استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن الإشارات إلى مذكرة معلومات عن المغرب بتاريخ يوليو 2021 قد تكون نتيجة "هلوسة" للذكاء الاصطناعي، مما يمثل إن ثبت إخفاقاً بالغ الخطورة من جانب الوزارة. ووصف الاعتماد على وثيقة غير موجودة بأنه أشبه بالاعتماد على أدلة زائفة، معتبراً المسألة مخالفة إجرائية.
حين سألت صحيفة "الغارديان" وزارة الداخلية عن مكان الوثيقة، أرسلت أولاً رابطاً إلى أرشيف لم تُوجد فيه، ثم قدمت وثيقة مختلفة تماماً هي "مذكرة معلومات دولة" داخلية غير منشورة، علماً أن آخر مذكرة سياسة ومعلومات منشورة بشأن المغرب تعود إلى عام 2017. وتضمنت تلك الوثيقة الداخلية معطيات حساسة، من بينها منح 40 ألف استثناء لزيجات قاصرات في المغرب عام 2018، أي خُمس مجموع الزيجات في تلك السنة.
لم يبدأ الأمر مع هذه القضية، ففي مايو (أيار) 2024 أطلقت وزارة الداخلية تجارب محدودة على أداتين، الأولى "أداة تلخيص قضايا اللجوء" (ACS) التي تستخدم نموذجاً لغوياً كبيراً لتلخيص محاضر مقابلات طالبي اللجوء التي قد تتجاوز 50 صفحة، والثانية "أداة البحث في سياسات اللجوء"(APS) وهي مساعد بحث بواجهة محادثة يعثر على معلومات الدول ويلخصها. واستمرت التجارب حتى ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، ونُشر تقييمها في 29 أبريل (نيسان) 2025.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفق "مجموعة حقوق الرقمنة المفتوحة"، تعمل الأداتان على نموذج (GPT-4o)، وجرى التعميم الكامل للأداة الثانية في يوليو 2025 ولحقت بها أداة التلخيص في أبريل الماضي، وكلتاهما تولدان نصاً جديداً بدل استرجاع المعلومة الأصلية، مما يعني إمكان حذف وقائع مهمة أو ترشيحها قبل وصولها إلى الموظف.
أظهر التقييم الرسمي المنشور على موقع وزارة الداخلية أن أداة التلخيص وفرت 23 دقيقة في القضية الواحدة، أي اختصاراً بنسبة 32 في المئة، وأن أداة البحث وفرت 37 دقيقة. لكن المتخصصين التقنيين استبعدوا تسعة في المئة من الملخصات لأنها غير دقيقة أو تنقصها معلومات، وأفاد 23 في المئة من المستخدمين بأنهم ليسوا واثقين تماماً بالملخصات التي استُخدمت فعلاً، فيما رأى 42 في المئة فقط أن الملخص يعطيهم القدر المناسب من المعلومات. وفي أداة البحث، قال خمسة في المئة إنهم غير واثقين بدقتها. وشددت الوزارة على أن الأداتين مصممتان وفق مبدأ "الإنسان داخل الحلقة"، وأنهما لا تستطيعان ولا يمكنهما استبدال أي جزء من عملية اتخاذ القرار.
في مارس (آذار) الماضي صدر رأي قانوني أعده جوشوا جاكسون من "دوتي ستريت تشيمبرز" مع روبن آلن، مستشار الملك، ودي ماسترز من "كلويسترز تشيمبرز"، بتكليف من "مجموعة حقوق الرقمنة المفتوحة"، خلص إلى مخاوف تتصل بعدم إبلاغ طالبي اللجوء باستخدام الذكاء الاصطناعي في ملفاتهم، وبعدم دقة مخرجات الأدوات، وغياب الضمانات الإجرائية، وخطر أن يقود الاعتماد على ملخصات آلية إلى إغفال مواد ذات صلة.
وجاء في الرأي، الذي يقع في 84 صفحة، أن ممارسة الوزارة لا تستوفي عدداً من الالتزامات القانونية ولا المعايير الواردة في "دليل الذكاء الاصطناعي للحكومة البريطانية"، وأنه يفتح الباب أمام طعون قضائية. ورداً على سؤال برلماني في أبريل 2026، أقرت الوزارة بأنها لم تتبع مبادئ ذلك الدليل. أما سارة الشريف، مديرة برنامج حقوق المهاجرين في المجموعة، فدعت إلى حظر فوري لهذه الأدوات، معتبرة أن البت في حق شخص باللجوء من أخطر ما تقرره الحكومة في حياة الأفراد.
اكتفت وزارة الداخلية في تعليقها على قضية المرأة المغربية بالقول إنها تُبقي نظام اللجوء قيد مراجعة دائمة، وإن الطلبات تُدرس دوماً على أساس وقائع كل حالة وأحدث الأدلة، لضمان منح الحماية لمن هم في حاجة حقيقية إليها. وكانت وزيرة الداخلية السابقة إيفيت كوبر قد قالت في أبريل 2025 إن الذكاء الاصطناعي سيساعد الموظفين على اتخاذ قرارات سريعة تجنب طالبي اللجوء البقاء في مرحلة معلقة على حساب دافعي الضرائب، غير أنه لا توجد بيانات علنية عن عدد الطلبات التي بُت فيها بمساعدة هذه الأدوات.
يأتي ذلك فيما تراجع تراكم قرارات اللجوء الأولية، لكن أعداد المنتظرين للاستئناف ارتفعت إلى أكثر من 100 ألف شخص في نهاية ديسمبر 2025، ويقول "مجلس اللاجئين" إن 36 في المئة من الاستئنافات المحسومة تنجح، وترتفع النسبة إلى 66 في المئة إذا أُضيفت مراجعات وزارة الداخلية نفسها، وهو ما يعده إمران حسين، مدير الشؤون الخارجية في المجلس، مؤشراً إلى ضعف جودة قرارات الوزارة.
الجبهة الثانية للجدل تتعلق بتقدير أعمار القاصرين. ففي يوليو 2025 أعلنت وزيرة أمن الحدود أنغيلا إيغل أن تقنية "تقدير العمر بالوجه" المدرَبة على ملايين الصور لأشخاص معروفة أعمارهم هي "الخيار الأكثر جدوى من حيث الكلفة" لتحديد أعمار من يصلون على القوارب والشاحنات، وأنها قد تعطي نتائج أسرع بكثير من أشعة العظام أو الرنين المغناطيسي وبجزء يسير من كلفتها. وتقول الوزارة في دليلها المنشور إن التقنية ليست قيد الاستخدام التشغيلي بعد، وإنها تُختبر خلال 2026 تمهيداً لتطبيقها على الحدود في 2027، وإنها تختلف عن تقنيات التعرف إلى الوجوه.
ويحذر باحثون من أن هذه الأنظمة لا تنتج رقماً قاطعاً بل توزيعاً احتمالياً أقرب إلى "غالباً بين 17 و21"، وأن دراسات انحياز الأتمتة في ملفات الهجرة تُظهر أن الموظفين تحت ضغط الوقت يميلون إلى التعامل مع المخرج الآلي بوصفه رقماً نهائياً بدل مساءلته. كما تتراجع دقة هذه الأنظمة عند العتبة الحرجة بين 16 و18 سنة، ويكون أداؤها أضعف مع وجوه الإناث والمجموعات العرقية الأقل تمثيلاً في بيانات التدريب.
يكشف تحقيق صحافي لمؤسسة "لايتهاوس" أن السوق المفتوحة لهذه التقنيات تتوسع مع تشدد سياسات اللجوء في أوروبا، وأن وزارة الداخلية وقعت عقداً مع شركة "كوجنيتيك سيستمز" ومقرها مدينة دريسدن الألمانية لتزويدها بخوارزمية تقدير العمر، فيما حلت الوزارة لجنة استشارية معنية بتقدير الأعمار قبل أيام من إعلان خططها. وتطالب منظمة "فوكسغلوف" التي حصلت على وثائق التقييم عبر قانون حرية المعلومات بوقف التعميم، على لسان مسؤول الاستراتيجية فيها تيم سكويريل.
القضية المغربية لم تُحسم بعد، إذ أعاد قرار المحكمة العليا الملف إلى المسار القضائي ليُنظر مجدداً في أساس طلب الحماية. لكن أثرها يتجاوز صاحبته، لأن ما جرى لم يكن خطأ خوارزمية بمعزل عن البشر، بل موظفاً استند إلى مرجع لم يتحقق من وجوده، ثم قاضياً بنى عليه حكماً. وهذه هي بالضبط النقطة التي يحذر منها القانونيون، أي أن مبدأ "الإنسان داخل الحلقة" الذي تتمسك به الوزارة لا يعني شيئاً إذا لم يكن الإنسان قادراً على مراجعة ما تقوله الآلة، أو حتى غير عالم بأنها تحدثت أصلاً.